أدباء محاربون من الغرب

آندري مالرو

أصيب الفرنسيون بالدهشة عندما أعلن (آندري مالرو) في شهر ديسمبر 1971- وكان عمره حينئذ سبعين سنة– عن عزمه السفر إلى باكستان الشرقية للانضمام إلى صفوف المقاتلين من أجل انفصال بنغلاديش، وكان النحول والضعف يبدوان في ذلك الوقت على جسمه، مما جعل الكثيرين يشكون في جدوى الخدمات التي يمكنه أن يقدمها إلى العسكريين.
فهل كان مالرو بصفته واحداً من ألمع كتّاب هذا العصر، ووزيراً مرتين للجنرال ديجول، وصديقاً حميماً لبعض عظماء العالم– من ماو تسي تونغ، تروتسكي، ديجول، هيرو هيتو، وهيلي سلاسي، إلى نهرو، كندي، ونيسكون هل كان يفكر في أنه بوضعه لاسمه في الميزان سيعجل بإنهاء المعارك؟ أم هل كان يريد مجرد التذكير بأنه شارك في أكبر معارك هذا القرن؟ وأياً كان الجواب، فإن حرب بنغلاديش انتهت قبل أن ينتهي مالرو من ترتيب شؤونه ويغادر باريس. ولا شك أن في هذا السفر المعلن- الذي لم يتم- شيئاً مثيراً للعواطف لدى أولئك الذين عرفوا هذا الكاتب، الذي برهن عن عزم لا يكلّ طيلة أيامه على جعل مراحل حياته المختلفة تشبه فصول قصة، والذي كان مستعداً للتضحية– إذا دعت الحاجة– في سبيل الوصول إلى هدفه. فكان يرمي من خلال المثل الذي ضربه، ومن خلال ما كتب من قصص، إلى أن يذكر الناس “بالنبل الذي يحملونه في داخلهم” على حد تعبيره، أما حياته التي طبعها مزاجه العصبي، فإنها أثرت إلى حد كبير على قصصه، فتميزت هذه بدورها بأسلوب عصبي وكان هدفه فيها توسيع أكبر خبرة ممكنة إلى الوجدان (أو إدراك للذات، أو الضمير) كما قال.
كانت حياة آندري مالرو قصة حقيقية(1) فقد ولد في مدينة باريس سنة (1901م) ومات في المدينة نفسها عن عمر يناهز (75 عاماً) في يوم (13/11/1976م) ولم يعرف سوى قليلين من مشاهير الكتاب الغربيين ما عرفه من شهرة ومجد. وبعد عشر سنوات من موته، ما زال تراث “مالرو” يذكّرنا بأن تاريخ الرجال يحتاج إلى أن يحتوي على نسبة من روح المغامرة، ومن الشجاعة وعلى قدر من الميل الحقيقي إلى المثالية.


لولا كلارا (2) لكنت أصبحت فأر مكتبة
كان والد مالرو مخترعاً، ثم رجل أعمال، ولم يلبث أن طلّق والدته الإيطالية الأصل، فاضطرت هذه الأخيرة إلى العمل كبائعة أغذية في إحدى ضواحي باريس، لتربية ابنها ويقول مالرو:
“إنني كنت أبغض طفولتي التي قضيتها في دكان والدتي، لأن الحياة في ذلك المكان كانت رديئة”، وهذا ما قاده إلى الوجود بصورة شبه مستمرة في مكتبة البلدية، حيث تمكن من قراءة عدد كبير من الكتب، وكان ما زال تلميذاً في الابتدائية. ولما بلغ الخامسة عشرة من العمر، بدأ يستكشف صناديق بائعي الكتب القديمة على أرصفة نهر السين (3) ويبيع الكتب النادرة التي يحصل عليها لإحدى مكتبات الحي اللاتيني (4) فطبعت أحداث التاريخ حياة مالرو تماماً كما طبعتها الكتب، فأشار إلى هذا القرن بواسطة استعارة حيث قال إنه عبارة عن “شاحنة تنتصب عليها الأسلحة كما يغطي الشوك بعض الأشجار” ذلك لأنه شاهد، في الثالثة عشرة من عمره – أبان الحرب العالمية الأولى – سيارات الأجرة من الأحجام المختلفة وهي تنطلق من مدينة باريس محمّلة بالجنود المدججين بالسلاح نحو جبهة المارن إلى الشرق، ولأن دوي المدافع كاد آنذاك أن يصم أذنيه.
وكان مالرو في السادسة عشرة من عمره عندما استولى الشيوعيون على الحكم في روسيا، سنة (1917م) وانتهت الحرب العالمية الأولى ولم يبلغ بعد سبعة عشرة سنة، وكان سنه دون العشرين لما أسس الحزب الشيوعي الفرنسي بمدينة تور -شمال فرنسا- على مبادئ الشيوعية، ولما أقام موسوليني الحزب الفاشي في إيطاليا. وكانت هذه الأحداث المهمة المتتالية أكثر ما يلزم لينمّي تعطّش كبير للعمل المؤثر لدى هذا الشاب المضطرب الخيال، وهذا أيضاً ما جعله يختلف بصورة جذرية عن أفراد الجيل الذي سبقه، إذ كان هؤلاء يضعون الأدب فوق كل شيء “وبالنسبة لهم، لم يتغير شيء في الحياة، مع أن التاريخ مر في حقلنا كما تمر الدبابة” على حد تعبير مالرو.
وفي سنة (1919م) كان مالرو شاباً يحب التّأنق، يعيش بمكافآت زهيدة يحصل عليها بواسطة اكتشاف طبعات نادرة لصالح تاجر كتب، وبعد أن قرر عدم التّرشح لشهادة الثانوية العامة، تابع بعض الدروس لتعلم اللغتين الصينية والفارسية بمدرسة اللوغ الشرقية الحية، وجمع بعض المعلومات عن تاريخ الفن في مدرسة اللوفر. وبدأ ينشر مقالاته وهو في الثانية عشرة من عمره، في مجلات ذائعة الشهرة، وما فتئت محاولاته الأدبية الأولى هذه أن لفتت إليه انتباه كبار النّقاد. وفي هذه الظروف صادف شابة، شدّته إليها بذكائها وجمالها، تدعى كلارا جولد شميدت فقرر بسرعة أن يتزوجها، وقال لها بعد ذلك بمدّة “لولاك يا كلارا كنت أصبحت فأر مكتبة”، ولما سألته كلارا كيف ينوي أن يوفر لها المعيشة، أجاب قائلاً:” مما لا شك فيه أنك لا تتصورين أنني سأعمل من أجل ذلك”.

افتتاحيات ملتهبة حماساً لجريدة محظورة
وكان مالرو حينئذ يفكر في إنجاز مشروع خاص، فقد اكتشف في تقرير أعده اختصاصي الآثار أنه يوجد على القرب من أنجكور في كمبوديا معبد صغير متداعي الجدران مختبئ في الأدغال بين الأشجار المتشابكة، يحتوي على رسوم بارزة في غاية الجمال، فقال في نفسه أن هذه العجائب الفنية التي طواها النسيان وشملها الإهمال، لابد أنه إذا نجح في اكتشافها وانتشالها، سيجد من بين عشاق الفن من يشتريها منه.
فسافر مع زوجته كلارا إلى الهند الصينية، بعد أن جمع ما سيحتاجان إليه من مناشير وأدوات أخرى، وملابس صيفية وغيرها، إلا أن المغامرة سرعان ما فشلت فاعتقل “مالرو” وأحضر إلى المحكمة فقال دفاعاً عن نفسه: إن المعبد الذي كان ينوي تجريده من محتوياته الفنية النادرة الجميلة، لم يكن قد تم بعد اعتباره أثراً تاريخياً بصفة رسمية، وأن الحجارة في هذه الحالة تعتبر ملكاً لمن يكتشفها، وهذه الحجة باطلة بالطبع وغير مقنعة فاستطاعت كلارا أن ترجع إلى فرنسا، وفي باريس استنجدت بعدد من الكتاب الذين تضامون مع مالرو وتظاهروا من أجل إطلاق سراحه، وحول الحكم بعد الاستئناف إلى سنة واحدة مع تأجيل التنفيذ ثم ألغي.
ورغم هذا الفشل والإذلال الذي تعرض له، فإن مالرو قرر العودة إلى الهند الصينية مرة أخرى، وكان أبان محاكمته قد تمكن من اكتشاف الظروف السيئة التي كان يعيش فيها الفيتناميون والكمبوديون تحت السيطرة الاستعمارية الفرنسية: حيث كان السبعة عشر مليوناً، الذين شكّلوا سكان الهند الصينية آنذاك يستغلون استغلالاً بشعاً كيدٍ عاملة رخيصة في مزارع أشجار المطاط والأرز، بينما كان قليلون منهم في أحسن الأحوال، يستغلون كموظفين صغيرين في مكاتب الحكومة الاستعمارية، بدون أي أمل في الارتقاء في سلم الإدارة، فأسس مالرو مع كلارا ومحامٍ فرنسي من سايجون، يدعى بول مونين جريدة أطلقوا عليها اسم الهند الصينية للدفاع عن حقوق السكان المحليين. وهنا نرى مارلو المحتج الحاد، يعبّر بغضب عن آرائه المعادية للاستعمار في افتتاحيات هذه الجريدة الأسبوعية الصغيرة، بعزم لايكل: فلم تثنه تهديدات ذوي النفوذ ولا تحذيرات الوالي، ولا افتراءات الجرائد المحلية المرتبطة بالفئات ذات المصالح.
ولما لم تجد السّلطات الاستعمارية وسيلة قانونية لمنع جريدة الهند الصينية من الظهور، قررت تشديد الضغط على أصحاب المطابع لمنع إصدارها، إلا أن مالرو وزوجته صمدا في وجه كل هذه الضغوط فاشتريا حروفاً مطبعية من هونغ كونغ، وصارا ينجزان طباعة الجريدة في القبو الذي كانا يسكنان فيه، إلا أنهما ما لبثا أن أدركا أنهما لا يستطيعان الاستمرار طويلاً على هذه الحالة غير الطبيعية، وبعد سنة من ممارسة عملهما الشاق، أرغما على الرجوع مهزومين إلى فرنسا.
وعلى متن الباخرة التي نقلت إلى فرنسا كتب مالرو قصته الشهيرة (إغراء الغرب) لقد شكّلت تجربته الآسيوية حافزاً قوياً لبروز موهبته، نعم لقد استلهم من مغامراته في الهند الصينية أربعة كتب، بين (1986- 1933) نال بواسطة أحدها – الدرب الملكي LA VOIE ROYALE ) ) جائزة الحلفاء المشتركة، وبواسطة آخر – الوضع البشري LA CONDITION HUMAINE جائزة جونكور GONCOURT بإجماع أعضاء لجنة التحكيم، وفي غضون بضعة أسابيع، بلغت هذه القصة الأخيرة طبعتها الخامسة والعشرين.

أسبانيا مسرح على مستوى طموحه
استطاع مالرو ببراعة فائقة، أن يحول ترجمة حياته إلى أسطورة، ولم يتمكن من القيام بمثل هذا التحويل بالبراعة نفسها سوى قليلين من الكتاب، وبما أنه وصف الثورة الصينية في صفحات رائعة من قصته الشهيرة، الفاتحون LES CONQUERANTS نمى لدى الجمهور بأنه كان مناضلاً كبيراً، ولم يحاول مالرو نفي هذا التصور على الإطلاق، بل على العكس حافظ بمهارة على استمرار الغموض حول فلسفته السياسية.
وفي الواقع اكتفى مالرو بتحويل ما شاهده من غليان شعبي في الهند الصينية إلى الصين نفسها مستعيناً في هذا التغيير بمواهبه الفنية ككاتب، وهذا ما جعل تروتسكي، زميل لينين، ومؤسس الجيش الأحمر الروسي، يرى فيه أحد المسؤولين الأساسيين عن تمرد مدينة كانتون جنوب الصين، والحق أنه إذا كان مالرو معارضاَ شديداً للفاشية، فإنه لم يكن شيوعياً ماركسياً، بل كان فكره متعلقاً بالأساطير والأحلام والأوهام، أكثر مما كان فكراً مادياً، بل يمكننا أن نقول إنه كان من أكثر أهل عصره معارضة للشيوعية.
وكانت أسطورة مالرو ما زالت في بدايتها، فقاده تعلّقه الشديد بالمغامرات إلى السفر بصحبة مواطنه، الطيار إدوار كونغليون مولنيه نحو الجزيرة العربية بحثاً عن عاصمة ملكة سبأ الشهيرة. ولما شبت الحرب العالمية الأهلية في أسبانيا يوم (18 يوليو سنة 1936م) صار مالرو فجأة قائد سرب من طائرات الجمهورية يحمل اسم ESPANA رغم كونه لم يؤدِّ الخدمة العسكرية ومع أنه كان عصبياً لدرجة لا تتصور، وبعيداً كل البعد عن المهارة التقنية، ولا يفتر عن التدخين فقد استطاع مالرو، وهو يقود طائرة مقاتلة، أن يستغل علاقاته– التي كانت مهمة جداً– من أجل حصول مدريد على طائرات وتجنيد طيارين كان لهم دور مهم في المعركة، إلا أن الطائرات المشار إليها كانت غير ملائمة، بحيث كان لابد من إلقاء القنابل من النوافذ، وبعد ستة أشهر لم يبقَ من السّرب سوى أربع طائرات، وما وصفه مالرو من بطولة وأخوة لدى رفاق السلاح في قصته المشهورة، الأمل لم يكن أمراً خيالياً على الإطلاق، بل كان صورة حية لما جرى بالفعل فكان الوصف الرائع للمعارك الحربية التي شنها هؤلاء الرجال مستوحى من الواقع، ومن هنا جاءت على الأرجح روعته “إننا قاتلنا من أجل قيم كنا نعتبرها شاملة مطلقة” كما قال مالرو.

مالرو يقاوم الاحتلال الألماني لبلاده
وفي شهر سبتمبر من عام ( 1939م) التحق مالرو بكتيبة من المدرعات بمدينة بروفين كجندي بسيط متطوع، وكان عمره حينئذ ثمان وثلاثين سنة، وما فتئ رفاقه الجدد أن لا حظوا أن سترته غير نظامية، ذاك أن مالرو الذي كان يحب الأناقة، كان قد كلف مصمم الأزياء الشهير لانفين بإنجاز هذه السترة. وكان يتباهى بمعرفة بعض الوزراء وعدد من أعضاء المجمع الفرنسي ACADEMIM الشهير يناهز السبعة وما كان هذا المظهر الأنيق وهذا التباهي بمعرفة بعض أرباب السياسة والفكر ليطيبا لقائد الكتيبة، الذي اشمأز، فأخذ مالرو على الفور إلى سير جاهد على مسافة ثلاثين كيلو متراً إلا أن هذا الجهد المضني الذي أرغم على بذله دون تأهب، لم يثن عزمه فلم يتراجع ولم يطلب الإعفاء من الخدمة، بل تحمل وكز أسنانه.
وفي الأيام الأولى من انهيار الجيش الفرنسي، ألقى الألمانيون القبض على جميع أفراد الكتيبة واستولوا على معداتها بالكامل، على بعد عدة كيلو مترات من قاعدتها، فاستطاع مالرو أن يهرب من سجن أعدائه، وانسحب إلى المنطقة الجنوبية، وبدأ في الانتظار والمقاومة. وفي شهر مارس (1944م) استطاع عقيد يدعى برجي أن يحكم سيطرته على جماعات المقاومين، الذين كانوا يلاحقون المحتل الألماني باستمرار في منطقة دوردونيه، وبفترة وجيزة بعد إنزال الحلفاء، شارك مالرو هو والعقيد برجي الآنف الذكر نفسه – بوحدته في عمليات حرب العصابات التي أسهمت في عرقلة تقدم فرقة س س SS المنتخبة الشهيرة، داس راسش DAS REICH وفي شهر سبتمبر أمسك برجي– مالرو بزمام قيادة لوء الزاس– لورين الذي كان عدد أفراده لا يتجاوز ألفي رجل مجهزين تجهيزاً سيئاً، والذي اشتهر بتحرير مدينة دانماري قبل أن يساهم في احتواء الهجوم المضاد الذي شنه الألمانيون وكادوا بواسطته أن يسترجعوا مدينة ستراسبورج.
هكذا أنهى الجندي البسيط مالرو الحرب بعد أن ألحق بالنازيين خسائر أكبر من تلك التي ألحقها بهم جل الضباط المحترفين.
صديق موهوب يحمل حماساً كبيراً للأقدار العالية
كان مالرو يرى أن أي رجل – بالمعنى الصحيح لابد أن يكون متعلقاً بمثل أعلى “ينبغي أن نبحث في ذاتنا عن شيء آخر غير ذاتنا” على حد تعبيره– ولا يحدد قدرة إلا بما تمكن من الوصول إليه فعلاً، وما عدا ذلك ليس سوى أسرار تفيهة حقيرة” ويضيف مالرو قائلاً: “لا يهمني ما لا يهم إلا إياي”، وهذا ما جعله لا يبوح إلا بالقليل من أسراره الخاصة. ومع أنه فتن بحب العمل الموضوعي وجند نفسه له، فإن مالرو كان مفكراً يعتقد أن الأفكار تسم على كل شيء، وكان بالفعل لا يشعر بالراحة الكاملة إلا في المتاحف، وبين الكتب والآثار والتحف الفنية. وهكذا، لما عثر على ابنته فلورنس في نهاية الحرب، بعد فراق دام خمس سنوات، وكان عمرها (12) عام عاجلها بهذا السؤال:” ماذا تقرئين يا فلورنس؟” إلا أن هذا المستوى من البراعة الفكرية لم يقضِ تماماً على ما كان مالرو يخفيه من كرم النفس، فقد ترك زوجته كلارا سنة (1963م) وكان يعيش مع صحفية شابة تدعى جوزيف كلوتيس منذ سنة (1973) التي أنجبت له ابنين ولأن فئات المجتمع كانوا يلاحقون وينفون حينئذ، فلم يُطلق كلارا علناً حتى لا يتركها بدون حماية في تلك الظروف القاسية.

مالرو وزيراً
ولما تعيّن مالرو وزيراً لم يرتح كثيرون من أولئك الذين أحبوا فيه الرجل العملي، والرجل الثائر، لهذا التطور الذي طرأ على حياة مالرو وصاروا لا يعترفون به تماماً، لأنه تعدى بدخوله في الحكومة على أحلامهم وأوهامهم، وتصوراتهم الخاطئة. وفي الواقع كان مالرو الذي صار وزيراً للثقافة ابتداء من سنة (1959م) بعد أن كان قد قضى فترة وجيزة في مكتب ديجول بصفته وزيراً للإعلام في عام (1945- 1946م) يبغض سنوات شبابه التي قضاها في الفقر ، ولا يكره مظاهر السلطة الخارجية، ولا رغد العيش، ولا المطاعم الشهيرة ولا المواكب الرسمية، وكان كثيرون على الأخص يتساءلون كيف يمكنه أن يؤيد حكومة كانت تعمل على استمرار حرب الجزائر.
وكان جوابه على هذا التساؤل، والنقد الذي ينطوي عليه كالآتي:
“أين يوجد أفضل مدخل لإنهاء هذه الحرب، في مقهى لفلور” ( 5) أو داخل الحكومة؟” ودخول مالرو في الحكومة أعانه في الواقع على العمل السري لتخليص عدد من المناضلين الجزائريين من أسوأ السجون الفرنسية.
وفي سنة (1961م) عندما قام القادة العسكريون الفرنسيون المتواجدون في الجزائر يتمرد ضد حكومتهم نكتشف أن مالرو ما زال منسجماً مع أسطورته، حيث صرّح إبان إنعقاد مجلس الوزراء أنه سيصعد على أول دبابة لمحاربة المتمردين وكتب ديجول في “مذكرات الأمل” ( 6) “يجلس إلى يميني، وسيجلس دائماً آندري مارلو ، فوجود هذا الصديق الموهوب المتحمس للأقدار العالية إلى جانبي يجعلني أشعر أنني من هذه الجهة في مأمن من الغوغاء”.
كان يحلم أن يكون جول فري الثقافة (7)
بقى مالرو وزيراً للشؤون الثقافية في حكم الجنرال ديجول لمدة عشر سنوات من (1959) إلى (1969) الأمر الذي مكّنه من تحقيق حلم طالما راوده، وتطبيق سياسة ثقافية طالما فكر فيها. هكذا أشرف على تأسيس عدد كبير من دور الشباب والثقافة في جميع أنحاء فرنسا تقريباً، وكانت فكرة إنشاء مثل هذه الدور تخامره منذ أربعة عشرة سنة، وبالتحديد منذ سنة (1946م) فكان من أحلامه الكبرى أن يقدم للثقافة في بلاده خدمة تضاهي تلك التي قدمها جول فري في مجال التعليم العام.
وفي سنة (1971م) نشر مالرو كتابه الصغير “أشجار البلوط التي تُصرع” الذي وصف فيه زيارته الأخيرة للجنرال ديجول بكولومبي في شهر ديسمبر عام (1969م) قبل موت هذا الأخير بعشرة أشهر، فوصف وقت مغادرته لديجول بقوله “إن النجوم كانت تتلألأ في السماء” ولكن هذا القول منافٍ تماماً للحقيقة، ويغلب على الظن أن هذه العبارة –التي هي من مادة ما يعرف “بالكذب الشعري أو الفني” الذي استعمله مالرو كثيراً.
كانت تشكل مجرد إشارة إلى بقاء الأمل في قلبه، ومهما كان فإن المؤرخين الذين ليسوا من أرباب الفن سجلوا هذ اللقاء الأخير بين مالرو وديجول، وأفادوا أن المقابلة المشار إليها انتهت عند الساعة الثالثة بعد الظهر، وأنه في ذلك الوقت لم تكن أية نجمة تلمع في سماء كولومبي.

الهوامش والمراجع:
1- مقال لجان لاكتور في مجلة المختار الشهرية، النسخة الفرنسية، رقم (447) نوفمبر، (1986م) ص 60- 66 آندري مالرو ، حياة هذا القرن، لنفس الكاتب ظهرت هذه القصة سنة 1973م

  • قصص مالرو المختلفة أغراء الغرب 1925- الدرب الملكي – الوضع البشري – الفاتحون- ظهرت هذه القصص الشهيرة بين سنة 1926- و 1933م، ثم الأمل 1973، الأصوات الصامتة ، والذكريات المعاكسة 1967م، أشجار البلوط التي تُصرع 1971م
  • مراجع مختلفة أخرى، صحافية أدبية، تاريخية، سياسية
  • وثائق وأفكار خاصة
    2- كانت كلارا امرأة تزوجها مالرو في شبابه، ساعدته على القيام ببعض مغامراته .
    3- يشكل نهر السين أحد أشهر معالم مدينة باريس، إن لم يكن أشهرها على الإطلاق .
    4- يقع الحي اللاتيني في قلب المنطقة الإدارية الخامسة في باريس وهو حي الثقافة والطلاب، والسوربون إلخ حيث توجد المقاهي والمطاعم الصغيرة والمكتبات بكثرة، وجل رواد هذه الأماكن من الطلاب والباحثين والفلاسفة والكتاب والفنانين، بينهم نماذج من شتى أنواع العالم .
    5- مقهى معروف في الحي السابع في باريس، على شارع سين – جرمين، يبدوا أن جل رواده من المثقفين والمتفلسفة المنحرفين جنسياً
    6- وهو آخر ما كتب، وجدير بالذكر أن كتاب ” ذكريات الأمل ” بقى غير كامل بسبب موت ديجول .
    7- رجل دولة فرنسي عاش في القرن الميلادي ( 1832- 1893) كان له الفضل في التصريح لأول مرة، بجعل التعليم الابتدائي في فرنسا مجانياً، خلال الفترة التي قضاها وزيراً للتعليم العام، وكان جول فري بجانب ذلك مستعمراً كبيراً’ إذ ساهم مساهمة كبيرة في انتشار الإستعمار الفرنسي وتوسيع نطاقه.
أدب العدد الأخير العدد السادس والعشرين بعد المائة ترجمات

عن الكاتب

Avatar

عبد الحميد محمد الراوي