نزولُ النَّهرِ مرَّتيْن

Avatar
كتب بواسطة محمد حلمي الريشة

“الشِّعرُ هوَ الصَّوتُ الَّذي تُصدِرهُ لغةٌ حينَ تفرُّ إِلى أُخرى.” (إِيلينْ إِيكُويْ)

يقِفُ المترجمُ، بخاصَّةٍ مترجمُ الشِّعرِ، أَمامَ عدَّةِ مقولاتٍ تمتدُّ منَ الخيانةِ إِلى الإِبداعِ؛ فمنَ المقُولةِ الإِيطاليَّةِ: “ترجمةُ الشِّعرِ خيانةٌ.” (نركِّزُ علَى: خِيانةٍ)، إِلى المقُولةِ العربيَّةِ للجاحظِ: “الشِّعرُ لَا يُستطاعُ أَن يُترجمَ، ولَا يجوزُ عليهِ النَّقلُ، ومتَى حوِّلَ تقطَّعَ نظمهُ، وبطلَ وزنهُ، وذهبَ حسنهُ، وسقطَ موضعُ التَّعجُّبِ.” (نركِّزُ علَى: لَا يُستطاعُ)، إِلى مقُولةِ برِيمانْ: “أَرى أَن يكونَ المترجمُ محترفًا بحيثُ يترجِمُ النَّصَّ الشِّعريَّ كمَا هوَ، ولَا يحاولُ التَّدخُّلَ فيهِ.” (نركِّزُ علَى: ولَا يحاولُ التَّدخُّلَ)، إِلى مقُولةِ محمَّد بِنِّيس: “منَ البداهةِ أَنَّ ترجمةَ الشِّعرِ شبهُ مستحيلةٍ، ولكنْ هناكَ درجاتٍ للاستحالةِ.” (نركِّزُ علَى: شبهِ مُستحيلةٍ)، وإِذا انتقلْنَا إِلى الأَدبِ عمومًا، فإِنَّنا نقرأُ مقُولةَ جُوسيهْ سَاراماغو: “الأَدبُ العالميُّ يبدِعهُ المترجمونَ” (نركِّزُ علَى: يبدعهُ)، إِلى مقولةِ ‫إِرنستْ رِينانْ: “إِنَّ الأَثرَ غيرَ المترجمِ يُعَدُّ نصفَ منشورٍ” (نركِّزُ علَى: نصفِ منشورٍ).

وفِي حوارٍ أَجراهُ الشَّاعرُ والمترجمُ نِزار سَرطاوي معَ الشَّاعرةِ إِيلين إِيكوي، نقرأُ رأَيَ الشَّاعرةِ ورُؤيتِها، حولَ ترجمةِ الشِّعرِ، ونلاحظُ أَنَّها مغايرةً، إِلى حدٍّ بعيدٍ، عنِ الآخرينَ: “فِي قَصيدتي “عثـرُوا عليهِ فِي التَّرجمةِ”، أَقولُ: “الشِّعرُ هوَ الصَّوتُ الَّذي تُصدِرهُ لغةٌ حينَ تفرُّ إِلى أُخرى”. أَعلمُ أَنَّ التَّرجمةَ ليستِ استنساخًا، فلَا مفرَّ أَن تَفقدَ القصيدةُ الأَصليَّةُ شيئًا؛ ذلكَ “البريقُ الَّذي يتجلَّى فِي الصَّوتِ والمعنَى”، كمَا عبّـَرتَ أَنتَ عنْ ذلكَ بصورةٍ جيِّدةٍ. لكنَّني عِندما أَقرأُ قصيدةً مترجمةً، أُحبُّ ذلكَ الإِحساسَ بأَنَّ هناكَ نسخةً أُخرى منَ القصيدةِ- صورةً مثاليَّةً عَنها إِذا صحَّ التَّعبيرُ- تحومُ فِي مكانٍ قريبٍ. هذهِ الازدواجيَّةُ تتيحُ للقارئِ أَن يتخيَّلَ بأَنَّهُ ربَّما يكونُ النَّصُّ الأَصليُّ أَفضلَ ممَّا هوَ عليهِ فِي الواقعِ. أَنا هُنا أَتلاعبُ، ولكنَّني أَيضًا جادَّةٌ فِيما أَقولُ”. 

ترجمةُ الشِّعرِ، مِن خلالِ مُمارستي لَها، لمْ أَجدْ أَنَّ المقولةَ الإِيطاليَّةَ: “ترجمةُ الشِّعرِ خيانةٌ”، تُعبِّرُ جيِّدًا عنْ هذهِ الممارسةِ بهذهِ الصِّفةِ، إِذ أَينَ تكمنُ “الخيانةُ” طالمَا أَنَّ الإِبداعَ الشِّعريَّ، بالضَّرورةِ، يجبُ أَنْ يكونَ عالميًّا، أَي أَنَّهُ فعلٌ إِنسانيٌّ للإِنسانِ، أَينما وُجِدَ علَى هذهِ الكُرةِ المائيَّةِ. (ثلاثةُ أَرباعِها ماءٌ).

هلْ يمكِنُ تغييرُ العبارةِ إِلى مَا كنتُ قلتُه ذاتَ يومٍ: “ترجمةُ الشِّعرِ إِعادةُ خلْقٍ ثانٍ لهُ”، خُصوصًا إِذا مَا أَنجزهُ شاعرٌ؟ أَي؛ كمَا لَو أَنَّ شاعرًا مِن جنسيَّةٍ أُخرى كَتبهُ حينَ صارَ بلُغتهِ. 

إِنَّني، ومِن دونِ أَن يُفسَّرَ تلاعبًا بالأَلفاظِ، أَعتبرُها “نُزولَ النَّهرِ مرَّتينِ”، باستعارةِ مقُولةِ (هِيـراقليطسَ) الثَّابتةِ الفعلِ: “إِنَّكَ لَا تنزلُ النَّهرَ مرَّتينِ”، ولكنْ بعدَ حذفِ “لَا” مِنها.  

وبِما أَنَّ للإِنسانِ أَكثرَ مِن لغةٍ، كانَ لَا بدَّ منَ التَّرجمةِ، علَى الرَّغمِ مِن عدمِ قُدرتِها الكاملةِ علَى توصيلِ اللُّغةِ الأُولى، بكلِّ صفاتِها، إِلى أَيَّةِ لغةٍ أُخرى، فكيفَ الحالةُ فِي ترجمةِ الشِّعرِ الَّذي يُبنَى علَى التَّراكيبِ اللُّغويةِ للُّغةِ الأَصلِ، والصُّورِ الإِبداعيَّةِ الَّتي ترسُمها الحواسُّ، وحتَّى مَا بعدَ الحواسِّ؟

أَميلُ كثيرًا إِلى مقُولةِ الشَّاعرِ محمَّد بنِّيس: “منَ البداهةِ أَنَّ ترجمةَ الشِّعرِ شبهُ مستحيلةٍ، ولكنْ هناكَ درجاتٍ للاستحالةِ.” ولأَنَّهُ لَا بدَّ منَ التَّرجمةِ للتَّواصلِ الإِنسانيِّ، كانَ لَا بدَّ لنَا أَنْ نُمارسَ درجةً مِن درجاتِ الاستحالةِ، لأَنَّهُ لَا يُمكِننا جميعًا أَن نقرأَ الشِّعرَ بلُغتهِ الأُمِّ، والأَهمُّ مِن هذَا وغيرهِ، أَنَّنا نحتاجُ الشِّعرَ، لأَنَّهُ ضرورةٌ لمنْ يُدرِكُ أَنَّهُ أَكثرُ الفنونِ تأْثيرًا فِي صياغةِ جماليَّةِ إِنسانيَّةِ الإِنسانِ. 

إِنَّ ترجمةَ الشِّعرِ تُقِيمُ حوارًا صامتًا/ شيِّقًا/ عذبًا/ ثريًّا/ مهمًّا بينَ الشَّاعرِ والمترجمِ الشَّاعرِ أَوَّلًا، وبينَ الأَخيرِ وشعراءَ آخرينَ يقرَؤونَ بلغةِ المترجمِ ثانيًا، وليسَ ثالثًا حينَ تُعمَّمُ نشرًا بوسائلِ النَّشرِ المختلفةِ.  

ما شدَّني، برغبةٍ عاليةٍ، إِلى ترجمةِ الشِّعرِ، بعدَ قراءتهِ بلُغتهِ الأُولى (كانَ بإِمكاني أَنْ أَكتفي بِهذا الإِشباعِ)، هوَ شُعوري بالإِبداعِ أَثناءَ التَّرجمةِ بأَنَّني أَنا الَّذي أُكتبُه، حيثُ تتخلَّقُ القصيدةُ أَمامي بلُغتي العربيَّةِ، كما لَو أَنَّني أُعِيدُ تبييضَها عنْ مسوَّدتِها. هذهِ لذَّةُ إِبداعٍ أَراها، وإِنْ كانت بدرجةٍ أَقلَّ مِن كتابةِ قَصيدتي الخاصَّةِ بِي.

كمْ تمنَّيتُ، وأَنَا أُترجمُ شعرًا، وحيثُ أَكتبُهُ، أَنْ تكونَ للشِّعرِ، بالذَّاتِ، لغةٌ واحدةٌ يَكتبُ بها كلُّ الشِّعراءِ. أَليسَ بِهذا نُبرِئُ مترجمَ الشِّعرِ منْ تُهمةِ “الخيانةِ”، وإِن كانتْ “خيانةً مشروعةً للنَّصِّ”؟ 

وأَيضًا، كمْ أَرى أَنَّ لغةً واحدةً للشِّعرِ تَجعلُه كونيًّا، ومِن دونِ الانتقاصِ، بشكلٍ أَو بآخرَ، مِن قيمتهِ الجماليَّةِ أَوَّلًا؛ ذلكَ الانتقاصُ الَّذي يمسُّهُ بشيءٍ منَ السُّوءِ، وحتَّى تتحقَّقَ هذهِ الأُمنيةُ (لغةٌ واحدةٌ للشِّعرِ)، فلَنْ نكفُّ عنْ هذهِ الغَوايةِ، علَى الرَّغمِ مِن تلكَ “التُّهمةِ” التي لَا بدَّ منَ اقترافِها معَ سَبقِ العنادِ والتَّودُّدِ!        

كانَ لِقائي البَصريّ قبلَ الشَّخصيِّ، بشعرِ (كرِيستوفَر مِيريلْ) صُدفةً، فلَمْ أَكنْ قرأْتُ لهُ أَو سمعتُ عنهُ، قبلَ أَن تقعَ بينَ يديَّ مجموعتهُ الشِّعريَّةُ: “مشاهدةُ النَّارِ”، والَّتي احتوتْ علَى مختاراتٍ مِن مجموعاتِه: “كرَّاسةٌ”، و”حمَّى ومدٌّ”، و”حظٌّ”. تصفَّحتُ المجموعةَ، وقرأْتُ مِنها شذراتٍ غيرَ منتظَمةٍ، فلفتَتْ انتباهيَ كثيرًا، واكتشفتُ أَنَّ شعرَهُ يتراوحُ بينَ تناولِ موادِّ الطَّبيعةِ لعالَمهِ الشِّعريِّ والإِنسانِ المعاصرِ القَلقِ جدًّا على نفْسهِ، وعلَى كلِّ شيءٍ حولَهُ. إِنَّها أَشعارٌ ثريَّةٌ بالرُّؤيا لُغةً بلاغيَّةً، من خلالِ عُبورِها للحياةِ الطبيعيَّةِ والإِنسانيَّةِ الآنَ. إِنَّها تشتغلُ علَى الذَّاكرةِ الأُولى لهُ طفلًا كانَ، واستمرارًا حقيقيًّا ومتخيَّلًا، شخصًا وعالمًا، معَ فائضٍ مِن أَسئلةِ الشِّعرِ الَّتي لَا جوابَ لَها لدَى الشِّاعرِ.

لمْ تكُنْ فِي نيَّتِي التَّرجمةُ بعدَ القراءةِ الأُولى، أَمَّا بعدَ القراءةِ الثَّانيةِ الأَعمق، فقدْ خَطرتْ بِبالي أَن أَنقلَ شيئًا مِن تجربةِ هذَا الشَّاعرِ إِلى اللُّغةِ العربيَّةِ، لأَنَّني وجدتُها تستحقُّ الاطِّلاعَ علَيْها؛ فهيَ تجربةٌ شعريَّةٌ جديدةٌ، لها منابعُها الخاصَّةُ بِها، وأُسلوبُها البلاغيُّ، واقتراحاتُها الشِّعريَّةُ الحديثةُ تَعنِي التَّميُّزَ والتَّفرُّدَ، كمَا هوَ الواجبُ الإِبداعيُّ المأْمولُ مِن أَيِّ شاعرٍ. 

ليستِ التَّرجمةُ مرآةً تعكسُ كلَّ مَا فِي النَّصِّ الشعريِّ لأَنَّ التَّرجمةَ تحوُّلٌ من لُغةٍ إِلى أُخرى، كذلكَ لكلِّ لُغةٍ منَ اللُّغتينِ صفاتُها الخاصَّةُ، وبنيتُها التَّوليديَّةُ، وحياتُها الكائنيَّةُ، ومقاصدُ مَعانِيها، وتَفسيراتُها.. إِلخ. هذا بعضُ مَا يتعلَّقُ باللُّغتينِ. لكنْ هناكَ الجوانبُ المختلفةُ المكوِّنةُ للمُترجمِ، وهُنا أَعني تحديدًا المُترجمَ الشَّاعرَ (الذَّاتَ الشَّاعرةَ)، وتفضِيلي أَن يكونَ مترجمُ الشِّعرِ شاعرًا؛ ليسَ بدءًا من ذوقهِ الذَّاتيِّ وميلهِ إِلى نصٍّ مَا، وليسَ انتهاءً بإِتقانهِ، مَا اسْتطاعَ من كلِّ ما يلزمُ، النَّصِّ المُترجَمَ.

مَسأَلةُ الحيادِ وعدمهِ، أَو شيءٍ منهُ، تعودُ للمترجمِ ذاتهِ، فللحيادِ درجاتٌ متفاوتةٌ، وحتَّى لَو قارنَ مُتمكِّنٌ منَ اللُّغتينِ، والتَّمكينُ، أَيضًا، مسأَلةٌ نسبيةٌ، لوجدَ أَنَّ مسأَلةَ الحيادِ علَيْها كلامٌ حسبَ رُؤيتهِ. 

ثَمَّ شيءٌ مهمٌّ فِي التَّرجمةِ إِلى اللُّغةِ العربيَّةِ حيثُ أَرى أَنَّ بعضَ المترجمينَ العربَ، حتَّى منَ الشُّعراءِ، يعرِّبونَ النَّصَّ ولَا يترجمونَهُ، فيبدُو جليًّا كأَنَّهُ نصٌّ عربيٌّ أَصلًا، وهذَا يُفقِدُ حتَّى رُوحَ النَّصِّ الغربيِّ الأَصلِ. لكنْ بالضَّرورةِ أَن يعملَ المترجمُ ما أَمكنهُ مِن تقريبِ النَّصِّ الشِّعريِّ بلُغتهِ الأَصلِ إِلى النَّصِّ الشِّعريِّ باللُّغةِ المترجَمِ إِليها (لَا أَعني الحَرفيَّةَ وإِن هيَ شبْهُ مهمَّةٍ)، لأَنَّ الموضوعَ لَا يَعني الأَصلَ والصُّورةَ. 

أُحبُّ أَن أُترجمَ نصوصًا شعريَّةً مكتوبةً باللُّغةِ الإِنجليزيةِ إِلى اللُّغةِ العربيَّةِ، وليسَ العكسُ، لأَنَّ العربيَّةَ ثريَّةٌ جدًّا بأَكثرَ مِن مَعنى للكلمةِ الواحدةِ حدَّ التَّضادِ أَحيانًا، وهذَا الثَّراءُ يوفِّرُ الكثيرَ للمترجمِ وعملِهِ. بالنِّسبةِ إِليَّ، فأَنا أَختارُ الكلمةَ الأَقربَ إِلى الشِّعرِ من جُملةِ المَعاني. هل هذَا يفسِّرُ عدمَ الحيادِ التَّامِّ؟ ربَّما، لكنَّني أَجدُ أَنَّ هذَا هوَ الأَفضلُ فِي ترجمةِ الشِّعرِ إِلى اللُّغةِ العربيَّةِ.

أَختمُ بهذهِ المقولةِ المهمَّةِ والمعبِّرةِ والصَّريحةِ للمترجمةِ (إِديثْ هامِلتونْ): “ثمَّةَ محاولاتٌ قليلةٌ تُفضِي إِلى المهانةِ أَكثرَ ممَّا تُفضِي إِلى مترجِمٍ يحاولُ أَن ينقلَ جمالًا يأْبَى النَّقلَ. معَ ذلكَ، مَا لمْ نُحاولُ بحقٍّ، سوفَ يَختفِي منَ الوجودِ أَدبٌ فريدٌ لَا يُضاهَى، اللَّهمُ إِلاَّ داخلَ مكتباتِ حفنةٍ مِن محبِّي الكتبِ الشَّغوفينِ بالمعرفةِ”. 

أدب العدد الأخير العدد السادس والعشرين بعد المائة ثقافة وفكر

عن الكاتب

Avatar

محمد حلمي الريشة