في ظل الثقافة قراءة برايان جودوين

Avatar
كتب بواسطة ربيعة بورقبة

النظر إلى المستقبل في هذه اللحظة من التاريخ صعب، كما كان –بلا شك- صعبا سنة 1600- في ذلك الوقت كان النظام الاقطاعي الغربي قد تفكك، باستثناء أنظمته الملكية، وكان النظام الإمبراطوري في الإمبراطورية الرومانية المقدسة ينحل تحت وطأة أثر مزدوج هو الدول الوطنية الناشئة والطوائف البروتستانتية، وفي العقود التالية ألقت حرب الثلاثين سنة بأوروبا في غياهب عصر مظلم جديد. كان شكسبير يؤلف مسرحياته التي تمجد تعقيد الطبيعة البشرية وتنوعها الملحوظين، في حين كان جاليليو يدحرج أسطواناته على مستويات مائلة، ويناضل لفهم حركة أقمار المشتري غير المنتظمة، وسرعان ما تؤدبه الكنيسة لادعائه- تأييد كوبرنيكوس- أن الأرض تدور فعلا حول الشمس، لا لأنها تبدو كذلك من المنظور الرياضي وحده، فيتراجع عن أقواله وهو كاره. بهذه المقدمة افتتح برايان حديثه عن موضوع “في ظل الثقافة”.
لقد وصلنا الآن إلى محطة ثقافية أخرى، فبالنظر إلى انتقال القرن السابع عشر غير المتوقع إلى العصر الحديث –الذي بدأنا نخرج منه الآن وندخل حقبة ثقافية أخرى- يبدو غير ذي جدوى أن نقترح ما ينتظرنا بعد خمسين سنة من الآن. ولكن هناك طريقة للاستعداد لغير المتوقع يتيسر الانتقال الملائم حتى وإن كنا لا نستطيع التنبؤ به.
ويقترح برايان أن نبتعد بتركيزنا عن الخمسين سنة المقبلة لكي ندرس الحاضر، ونكتشفه كاملا قدر المستطاع، ولا سيما الجوانب الموجودة في الظل والتي بدأت لتوها تخرج إلى النور ربما عندئذ يكون ممكنا أن نتلمس طريقنا إلى المستقبل الناشئ حتى وإن كنا لا نعلم إلى أين نتجه.
المنظور:
ما يبرز بوضوح اليومَ هو التحالف بين العلم والتكنولوجيا والأعمال، الذي أسفر عن ثقافة عالمية تستند مبادئها الرئيسة إلى التنبؤ والسيطرة والابتكار والإدارة والتوسع. أما مرتكز هذه المبادئ فهو العقلانية والقوة اللذان دافع عنهما فرانسيس بيكون باعتبارهما السبيل إلى فهم الطبيعة.
ويرى هنا برايان أن استخدام تلك المعرفة لتحرير الإنسانية من الرق. نجحت هذه الاستراتيجية نجاحا غير عادي، وأصبحنا بالفعل نملك وسائل تحرير البشر من الجوع والفقر، بتوليد الثروة والسلع، وهو ما تحقق من خلال تطبيق المعرفة العلمية، وتوسيع القاطرة التي تقود الرأسمالية. ولكن الأشياء لم تمض- تماما- كما كان متوقعا لها. فجزء كبير متزايد من سكان العالم مازال يعيشون في فقر وجوع، والأراضي الزراعية والمواد الطبيعية تعاني من التدمير بمعدل متنام.
لقد أوجد التوسع غير العادي لتكنولوجيا المعلومات في عصرنا ظروفا يمكن فيها للقرارات الخاصة بالاستثمار وحركة رأس المال أن تزعزع أسواقا، بل وتقضي على حكومات. وتنعكس فوضى الطقس المتزايدة في انتشار الفوضى السياسية، التي يبدو فيها الحوار التقليدي عاجزا عن تحقيق الاستقرار والأمن، وهما هبة الحداثة التي وهبتنا إياها العلوم والتكنولوجيا في المقام الأول. لقد انزلقنا– على خلاف المتوقع- إلى هوة عصر مظلم أشد خطورة بكثير من حرب الثلاثين سنة؛ لأن التفسخ الآن صار عالميا.
كل هذه العلامات جلية لا تخطئها عين. لذا يمكننا استخدام حاضرنا هذا لنقترح إما هلاكا وشيكا وإما تحولا إلى مستقبل أكثر إشراقا، يرتكز على ارتباطات وتحالفات جديدة بين الاتجاهات الحاضرة. يقول برايان: ليس في نيتي أن اقترح أيهما، ولكن بدلا من ذلك أنوي محاولة تحديد جوانب موقفنا الحالي غير المنظورة، وإن كانت فيما يبدو آخذة في الظهور. ليس هدفي أن أصف الخمسين سنة المقبلة، بل أن أرى ما هو موجود غير ظاهر وقادر على تحفيز عمل إبداعي الآن، دون أية رؤية واضحة للمستقبل.
غير المنظور:
يقول بارين بما أنني عالم، والعلم سيسهم على الأرجح إسهاما كبيرا في مستقبلنا، فسوف أتفكر كثيرا فيما يكمن في أروقة المؤسسة العلمية كلاعب محتمل فيما سيأتي. قصتي الأولى ترد صدى معاناة جاليليو على أيدي الكنيسة، التي جعلته يسحب دعمه لهرطقة دوران الأرض حول الشمس.
في ستينيات القرن الماضي، كان العالم المخترع جيمس لافلوك يرى أن تكوين الخلاف الجوي للأرض يميزها عن الكواكب الأخرى على نحو يقول لنا شيئا أساسيا عن العلاقة بين الكائنات الحية الدقيقة وبيئتها غير العضوية.
كتب لافلوك مقالة في مجلة (Nature) العلمية، يحتج فيها بأن الحياة لا تكتفي بالتكيف مع ظروف معينة على ظهر الكوكب إلى حيث تمتد جذورها، بل تغيّر هذه الظروف وتعمل على تثبيتها كي تحفظ بقاءها. طرحت هذه الرؤية الثاقبة في دنيا العلم باسم “فرضية غايا” في مقالة نشرت سنة 1974 في مجلة تيلوس بقلم لافلوك ومارجوليس. وهذه الفرضية تستند إلى أدلة سليمة. وإن كانت ترتدي ثوب إلهة الأرض اليونانية القديمة.
السؤال هنا: ماذا فعل بها جمهور العلماء؟ ألقوها في غياهب الجحيم. لماذا؟ لأن لافلوك ومارجوليس لم يخلفا مبدأ واحدا، بل اثنين من المبادئ العلمية التقليدية. أما المخالفة الأولى فكانت اقتراحهما وجود جوانب معينة للتطور، لا تتفق مع المبادئ الداروينية. فوفقا لفرضية غايا، لا تكتف الحياة بالتكيّف مع ظروف معينة على الأرض، بل يمكنها تغيير هذه الظروف بحيث تستطيع الميكروبات تغيير تكوين الغلاف الجوي بحيث تظل درجة الحرارة ضمن الحدود التي تسمح باستمرار الحياة. إذن فالأرض بأكملها يمكن النظر إليها كنظام حيّ، ينظم متغيراته الحيوية بنفسه كما يفعل الكائن الحي.
أما المخالفة الثانية فهو اسم “غايا” الذي يعني ضمنا أن الأرض ذاتها كائن حي من نوع ما، لا مجموعة من العمليات الميكانيكية العمياء من النوع الذي كم يرى العلم يقوم بأنشطة كوكبية. كانت هذه الصورة – صورة الأرض كإلهة- قوية على نحو استثنائي بالنسبة للناشطين البيئيين الذين كانوا يحتجون على نهب موارد الأرض الطبيعية، وتلويث البر والبحر والجو نتيجة الإفراط في حرق الوقود الأحفوري مثلا. أتاحت صورة غايا بؤرة تركزت عليها مشاعر الحزن والغضب التي كانت تعتمل في كثير من الناس عندما أدركوا ما فعلناه، وما زلنا نفعله في حق كوكبنا.
من أين يأتي الوعي:
أحد العناصر التي انضمت إلى الأجندة العلمية مؤخرا أصل الوعي وطبيعته. لا مراء أن الشعور جانب رئيس من جوانب الوعي. فمشاعرنا وأفكارنا تمثلان مضمون وعينا. وهذه المشاعر ربما تكون تجاه أنفسنا أو تجاه العالم الخارجي. كما في حال رؤيتنا طفلا باكيا أو حيوانا جريحا أو شجرة تموت. إذن ففي السؤال: من أين يأتي الوعي؟ يكمن سؤال: من أين تأتي المشاعر؟ أما الإجابة التي نضطر إلى تقديمها فهي أن المشاعر تنبع من تنظيم ديناميكي معين لمادة عديمة الإحساس مثل الأجهزة العصبية على مستوى معين من التعقيد والنظام. فمشاعرنا تنبع كصفات ناشئة عن شيء لا يحتوي على أدنى أثر مما يمكن تسميته مشاعر أو أحاسيس. وهنا نواجه المشكلة.
ويضيف يراين، جميع ما لدينا من أمثلة على الصفات الناشئة في الأنظمة المعقدة له مؤشرات على الصفة الناشئة بالصورة نفسها. على سبيل المثال، يمكن وصف السلوك الإيقاعي للنمل في رعايته الملكة والصغار في إحدى مستعمرات النمل بأنه صفة ناشئة؛ لأننا لا نستطيع التنبؤ بأن هذا السلوك المنظم سوف ينشأ عن نشاط النمل الفردية وتفاعلاتها. ومع ذلك، فإن السلوك الإيقاعي هو ما يشاهد في المستعمرات الحقيقية، كما أنه يحدث في النماذج الكمبيوترية التي تحاكي هذا السلوك. ينشأ هذا النظام غير المتوقع باستمرار في الأنظمة المنظمة ديناميكيا على هذا النحو.
يتساءل هنا برايان: فما المؤشر الديناميكي للإيقاع الجماعي للنمل في غرفة صغارها؟ إنه نمط نشاط أو لإنشاط النمل كأفراد، وهو نمط فوضوي بالمعنى التقني للكلمة، فلا توجد دورية مفضلة. ولكن الفوضى تتكون من نمط معقد من المكونات الإيقاعية، وبالتالي فليس صعبا أن نتخيل أنه عندما يتفاعل النمل بالاستثارة يظهر نمط مفضل. نحن هنا لسنا في مواجهة معجزة هي الحصول على شيء من لا شيء، فالطبيعة متسقة، وما إن نرى ما يحدث، يمكننا فهم الظاهرة من منظور سلوك أجزاء النظام ونمط تفاعلاتها. وهذا ينطبق على أمثلة عديدة للسلوك الناشئ الذي يحدث في فيزياء الحالة الصلبة وفي الأحياء.
ولكن إذا كانت المشاعر تنشأ من مادة لا تحتوي على أدنى أثر مما نسميه مشاعر، إذن فنحن فعلا نحصل على شيء من لا شيء، وهذا يبدو لي من قبيل المعجزة.
يمكننا القول انطلاقا مما سبق، أن القرار العلمي والتكنولوجي يتطلب مشاركة جميع العلماء من مختلف التخصصات، كي يكون تناسق مهم بين العلم والمعرفة، لنتمكن من صنع عالم مضيئ، بعيدا عن عالم الفوضى.

أدب العدد الأخير العدد السادس والعشرين بعد المائة ثقافة وفكر

عن الكاتب

Avatar

ربيعة بورقبة