من يوميات ميرتشا إلياده

Avatar
كتب بواسطة أحمد الزناتي

ترجمة: أحمد الزناتي

تقديم

وُلد مؤرخ الأديان والمفكر والروائي الروماني الأشهر ميرتشا إلياده في بوخارست في التاسع من مارس سنة 1907، ودَرَس في كلية الآداب بجامعة بوخارست حتى سنة 1928، ثمّ سافر بعدها إلى “كلكُتا” لدراسة اللغة السنسكريتية والفلسفة، ثم سافر إلى لندن وإلى شيكاغو. إلى جانب شهرته الطاغية وإسهاماته في مبحث تأريخ الأديان والفلسفات الروحية القديمة وتأليف موسوعة تاريخ الأديان أعماله الموسّعة الأخرى حول الأساطير، مارسَ إلياده الكتابة الإبداعية وألّف عددًا من الأعمال الروائية القصصية المهمة، من أهمها رواية The Forbidden Forest (الغابة المُحرمة)، وشباب بلا شباب وليالٍ بنغالية، كما كتب اليوميات والمذكرات الشخصية.

كانت اليوميات الشخصية واحدةً من أٌقرب الأجناس الأدبية إلى إلياده. حيث طالما ذكر في دفاتر يومياته قراءة هذا النوع من الكتب بهدف المتعة. تسجل هذه اليوميات أدقّ تفاصيل حياة إلياده الشخصية والفكرية والأدبية في أثناء إقامته في باريس، وتحديدًا من سنتي 1945 إلى سنة 1955، وتجدر الإشارة إلى أن إلياده قد عاش قربة عشر سنوات في شقة صغيرة باردة في مدينة باريس، يطهو وجباته على موقد عتيق، ويطلب الدعم المالي من أصدقائه حتى حصل على منحة مالية من مؤسسة بولينغين Bollingen Foundation (التي أسسها د. كارل.ج.يونغ). ويروي في يومياته تفاصيل لقاءاته مع إميل سيوران ويونغ وجورج باتاي وغيرهم.

أقدم في السطور التالية ترجمة لفقرات مطولة من يوميات إلياده.

17 سبتمبر 1945

وصلنا صباح الأمس. الأحد الموافق 16 سبتمبر. كان سيوران [إيميل] قد حجز لنا غرفتيْن في فندق de Avenir، الواقع في 65 ريو مادام. ذهبتُ هذا الصباح إلى القنصلية. مناقشة طويلة حول ذكريات شتاء سنة 1940-1941 في أكسفورد ولندن. الشؤون الروتينية: التسجيل لدى قسم الشرطة ودار القضاء، بطاقات التموين، إلخ.

18 سبتمبر 1945

يا له من شعور غريب أن تتخيّل نفسك وأنت تكتب بلغة أجنبية. يتحتم عليَّ الشروع في الكتابة باللغة الفرنسية قبل إجادتها إجادةً تامة. ولكن أشدّ ما يزعجني هو جهلي بالجمهور الذي سأخاطبه. لنفترض أن لديَّ عدداً محدوداً من القُراء: مـن هم؟

20 سبتمبر 1945

منذ وصولي لم أطالع جريدة واحدة. أحاول أن أعزل نفسي عزلاً تاماً عن الأحداث الدائرة وأن أحشد تركيزي على العمل وحده. وحين ينفد المال الذي في حوذتي سأري ما يُمكنني أن أفعل. حتى هذه اللحظة فأنا كاتب ودارس للحضارات الشرقية ومؤرخ أديان، مُجبّر على عيش حياة الطلاب، لكني لست مجبراً على عيش حياة مهاجر، إطلاقاً.

4 أكتوبر 1945

أمضيتُ فترة ما بعد الظهر مع أوجين يونسكو. كانت محادثة طويلة. أخبرني أنه كتب مئات الصفحات من دفاتر اليوميات في السنوات الأخيرة، لكنه أخذ يتسائل: من الذي سيعيرها اهتماماً؟ في رومانيا وفي سواها من البلدان ثمّة أجيال جديدة قد نشأت. أما جيلنا فقد انتهى. أجبته بأن اليوميات دائماً مثيرة للاهتمام. لأنها وثيقة فضلاً عن أنها témoignage (شهادة).

8 أكتوبر 1945

شرعتُ في تأليف كتاب صغير باللغة الفرنسية تقنيات اليوغا Techniques du Yoga ، وهو مُستمد إلى حد كبير من أطروحتي للدكتوراه المكتوبة في سنة 1939، التي تبدو لي اليوم أطروحةً غير قابلة للقراءة وعملاً رديء البناء.

18 أكتوبر 1945

كرّستُ الساعات القلائل التي أمضيتها في غرفة رقم 18 في فندق De I Avenir للعمل على كتابي تقنيات اليوغا. باشرتُ الكتابة بمشقة بالغة، معيداً كتابة صفحات كاملة من رسالتي عن اليوغا (1936)، لا أريد تخصيص مزيد من الوقت لهذا الكتاب، فثمة العديد من الكتب الأخرى، كتبتُ نصفها أو شرعتُ بالكاد فيها، ما يزال في انتظاري، وهي كتب تبدو في نظري أشدّ أهمية من رسالتي.

قابلت اليوم دوامنا [السيدة باللغة الرومانية] إلير فيرونتشا، التي لم أرَها منذ سنة 1933. تحدّث إليَّ عن مأساته، عن كتابة الشعر بلغة أخرى غير لغته الأمّ! وكيف لي أن أفهم ذلك!  فمعاناتي في تأليف المقالات والأوراق العلمية لا تُعد شيئًا مقارنةً بما يواجهه. كيف يفعل ذلك وهو على وجه الأرض؟  لكن من الواضح أن أشعار فيرونتشا المكتوبة باللغة الفرنسية شيء مختلف عما كان سيكتبه لو أنّه واصل الكتابة باللغة الرومانية.

23 نوفمبر 1945

أحشد تركيزي، من دون حماسة، على الانتهاء من مسوّدة كتابي تقنيات اليوغا. صفحات عديدة نسختها من رسالتي للدكتوراه، عمل متوسط القيمة لائق بفترةا لشباب. برغم ذلك أعتقد أنني نجحتُ بشكل أوضح في التعبير عن فهمي الراهن لبُنيات ووظائف هذه التقنيات الهندية.

19 يوليو 1946

يميل الإنسان المتدين بشكل دوري ناحية فكرة الأنماط الفطرية Archtypes[1]، وناحية  حالات النقاء الأولى، ومن هنا نشأ الاتجاه إلى  فكرة “العودة” وفكرة “اللحظة الأولى” وفكرة  تكرار ما كان في “البدء”.

ومن ثمّ طالما أننا لم نفهم تبسيط أو أنماط “العودة” والتكرار” إعادة البدايات”، فإننا لن نفهم إمكانية فكرة التجربة الدينية وفكرة استمرار الأشكال المقدسة، بكلمات أخرى، لن نفهم إمكانية وجود التاريخ والشكل داخل “الدين”.

20 يوليو

منذ إنهاء العمل على كتاب “مشكلة الشامانية” قبل أربعة أيام أشعر وكأنني تلميذ نال الإجازة. حـرّ، منتفتح، لا يقيّده شيء، غير ملتزم بجدولٍ يومي. عكفتُ على كتابة هذه الدراسة منذ شهر مايو، وقبلها كنتُ مشغولاً بكتاب تقنيات اليوجا. الآن فقط أشعر بطعم الإجازة وبطعم الحرية في باريس. لكني يجب أن أحمي نفسي ضـد إغواء الأدب. أرى من العبث الانغماس في كتابة رواية تدور أحداثها في رومانيا، مكتوبة إلى قُراء المستقبل.

10 سبتمبر 1946

بعد تصفح روايتي مدار السرطان ومدار الجدي لهنري ميللر لستُ مقتنعاً على الإطلاق بأهمية هذا الكاتب. فالإباحية غارقة في بحر من النثر العدمى الطافح بالبذاءة بأسلوب مُدعٍ. يعتقد هنري ميللر بشكل أساسي أنه يذهب إلى الحدود القصوى حينما يكتب ويكرر تلك الألفاظ التي يتحدث بها الناس سِراً.أخشى أن أقول إنه كاتب فاشل حاول اكتساب الشهرة والنجاح عبر نشر الأدب الفاضح، وقد نجح في ذلك.

22 سبتمبر 1946

دفعتني حماستي إلى كتابة اليوميات الشخصية إلى شراء نسخة من يوميات “راموز” Ramuz Journal[2]، لكني ندمتُ على شرائها بعد تقليب عدة صفحات، الحقيقة أنه ليس في مقدور كل إنسان تدوين يوميات تفيض ثراءً ومُتعة، ولا تلعب موهبة الكاتب أي دور هنا، لإنك إما أنّك تتمتع بمَلَكة تدوين اليوميات أو أنك لا تتمتع، مثلما أنك تتمتع بمَلَكة كتابة رواية أو قصة قصيرة أو لا تتمتع، على سبيل المثال “جوليان جرين” كاتب ساحر على الدوام حتى وهو يدوّن تفاصيل هامشية، لأنه مجبول على هذا النوع من الكتابة السردية، فأنتَ تستشعر فرحته وهو يقطع شوارع باريس، وهو يعيد مشاهد لوحاتٍ بعينها في متحف اللوفر، كما أنكَ تشعر بعواطفه الحارّة وهو يتذكر أحداثاً بعينها من فترة الطفولة، كما أنك تلمس حاجته إلى إنقاذ زمنٍ بعينه، إلى ثوان بزوغ الشفق التي لا سبيل إلى استعادتها، إلى الظلال الزائلة. مثله في ذلك كمثل جيد [أندريه]، الذي تأسرني جميع مقولاته حول مهنة الكتابة، بما في ذلك تلك الصفحات العقيمة من يومياته الأخيرة التي لا تقول جديداً، وكثير من التفاصيل المبتذلة والملاحظات متوسطة القيمة تكتسب قيمتها من حقيقة بسيطة مؤداها أنها دُوّنت، أنها كُتبِتْ.

26 سبتمبر 1946

عجزتُ عن العمل طَوال اليوم ربما بتأثير من موجة الحرّ القائظة المشابهة لمنتصف الصيف. قصدتُ بيت إيميل سيوران، من بين ما أخبرني به أنه حاول أكثر من مرة حرقَ كتبه ومخطوطات أعماله لاقتراف فعل ضد نفسه “لا سبيل إلى إصلاحه”. الوقت منتصف الليل تقريباً ولا أتحمل أكثر من ذلك. أشعر كما لو أنني سرقتُ نفسي، تاركاً اليوم كله ينفلتُ مني من دون كتابة سطر واحد. وصلتُ لتوي قادماً من أحد دور السينما المجاورة شاهدتُ فيها فيلماً من الدرجة الثانية، النوافذ مفتوحة لكن الطقس حار مثل ليلة صيف. عليَّ البدء في الكتابة برغم كل المعوقات والمثبطات.

الثانية صباحاً: أنهيتُ كتابة ثلاث صفحات. أشعر بالرضا لأنني رأيت تتمة الفصل. إنه الفصل الأول من كتاب Prolegomenes، الفصل الذي وضعني أمام كمّ هائل من المتاعب.

10 أكتوبر 1946

عليَّ بذل مجهود شاق لإنهاء الجزء الأول من أطروحتي Prolegomenes بحلول الحادي والثلاثين من ديسمبر، وسأكون آنذاك حراً في العودة إلى الإبداع الأدبي، الثلاث سنوات الماضيى التي لم أكتبُ فيها سوى القليل من الأدب أفقرت روحي وأنضبتْ قريحتي. إلا أن خوفي من أن احتمال بقاء أية رواية أو نوفيلا أكتبها حبيسة الأدراج، يشلّني. يبدو ألا فائدة تُرجي من إنفاق وقتي على كتابة عمل لن يقرؤه أحد.

15 أكتوبر 1946

بدأتُ أرى شبح الفقر يمثل أمامي بعد نفاد المدخرات التي جئتُ بها إلى فرنسا وهي حصيلة بيع مكتبتي الشخصية إبان إقامتي في البرتغال فضلاً عن المدخرات التي دبّرتها في شتاء سنة 1944-1945، ولو نجحتُ في مزيد من تخفيض نفقاتي الشهرية سأتمكن من توفير مال حتى الربيع المقبل. بعدها سأضطر إلى بيع مزيد من الأغراض: الأسورة الذهبية، أحذيتي، الكتب. ولكن بحلول الربيع أعوّل على الحصول على دفعات مقدمة من دار جاليمار ومن بعض الترجمات والحوارات لصالح إذاعة بي بي سي. وإن لم يُكلل الأمر بالنجاح، سأضطر إلى ترك النشاط البحثي وتجربة شيء آخر، ككتابة المقالات أو الترجمة أو أي نوع من الوظائف الثابتة.

15 ديسمبر 1946

لفتت انتباهي مقالة نُشرت على صفحات جريدة Combat حول يوميات أندريه جيد وجوليان جرين وشارل دي بوز. يعرب المؤلف عن اندهاشه من أن كاتب اليوميات – بعد مكابدة الآلام في مراقبة نفسه وتحليلها – لا يميط اللثام عن نفسه داخل اليوميات أوضحَ من أي كتاب آخر يكتبه، وأن كاتب اليوميات لا يتعرف إلى نفسه ولا يُدلي باعتراف حول أي شيء كما نتوقع منه أن يفعل وهو يدلي باعترافه. ومن ثمّ فإن يوميات الكاتب أقل صدقاً من مذكراته وأقل صدقاً من سيرة ذاتية صريحة كُتبتْ على ضوء الفجر الكاذب للحياة.

إلا أنني أتسائل إن كان الغرض من كتابة اليوميات هو أن أعرف نفسي معرفة أفضل وأن أكشف عن ذاتي بجرأة أمام القاريء المحتمل. في المدرسة الثانوية، كنتُ شأني شأن كل التلاميذ المراهقين، شغوفاً بمعرفة نفسي عبر إجراء تحليل ذاتي جرياً على طريقة “أميل”[3]، إلا أنني لاحقاً وبعدما اكتسبتُ ذائقة جديدة إزاء اليوميات جذب انتباهي شيء آخر مختلف كلياً، ألا وهو تسجيل “فضولي” الشخصي لأجل تحقيق وإثبات سلسلة التفاصيل والانطباعات المتصلة بحياتي وتجاربي في تلك الأيام، إذ لم ينتابني قط شعور بالحاجة إلى الإدلاء باعتراف إلى الأوراق.

9 مايو 1947

اقترضتُ اليوم خمسمئة فرنك من إيميل [سيوران]. وإن لم يلاحقني الحظ العاثر وإن لم أضطر إلى أن أسأل نفسي صباح كل يوم اثنين كيف سأتمكن من دفع فاتورة غرفتي بالفندق بحلول نهاية الأسبوع، فسأتمكن من إنهاء كتابي “العود الأبدي”.

2 سبتمبر 1947

أفكر أحياناً في تأليف كتاب يعبّر عني تعبيراً جامعاً مانعاً. سأنزوي لبضعة أسابيع في مكان منعزل، جزيرة مثلاً، غرفة أعلى جبل (ستكون البقعة المثالية ([4]Tierra del Fuego ، من دون كتب أو مخطوطات أعمال، بمزاجٍ لا يحفل بأي شيء، سأبدأ في تذكر أحداث حياتي لأجل أن أعمّر هذا الخَراب المحيط. سأكتب شكلاً من أشكال اليوميات الخالية من أي نظام أو تصنيف؛ ذكريات وتأملات وتعليقات عن أفكاري وكتبي، إلخ. ووسط هذه العزلة المثالية، وفي أحضان هذه الطبيعة الموحشة سأحاول الإفصاح عن نفسي إفصاحاً شاملاً، عن كل عواطفي: الأدب والفلسفة والتاريخ والأديان والتصوف والمغامرات.

27 سبتمبر 1947

يوم سيء. أقرأ الآن رواية 1984 لجورج أورويل التي أغرقتني في كآبة اخترقتْ عظامي. بالأمس عدتُ إلى تنقيح إحدى الروايات. كنتُ قد ألقيتُ بها جانباً بعد أن انجرفتُ إلى كتابة فصلين أو ثلاثة فصول متوسطة الجودة، وينبغي استبعادها من الرواية.

27 أكتوبر 1947

برغم إصابتي بالإنفلونزا وبرغم المضايقات التي تحاصرني من كل ناحية انغمستُ في الكتابة كل يوم بعزم وعنادٍ لا يلين. بدأتُ في إدخال بعض التصويبات على النسخة المطبوعة من الرواية. أشعر بقدرٍ من الرضا، برغم ذلك سأعيد كتابة الصفحات العشر الأولى مجدداً. لبثتُ أفكر في الأيام العشرة الماضية تفكيراً متواصلاً في موضوع “فن الرواية”. ففي أي وقت كنتُ أريد مواصلة الكتابة على النحو الذي أفعله الآن لم تكن تسنح أمامي الفرصة لذلك. في اللحظة التي أرى فيها السطور الأولى من الرواية (وعلى نحو أدق حينما أرى بداية الرواية وبطلها الرئيس)، أشرع على الفور في الكتابة. وتنشأ الرواية بينما أمضي قدماً في كتابتها. وهذا هو السبب في امتلاء رواياتي الأولى بكثير من التردد وعدم الاتساق والحشو الزائد. في الليل أرتجل ما أخطط لكتابته في الصباح. في بعض الأحيان أشرع في كتابة فصل من دون معرفة ما سيحدث لاحقاً ما الشخصية التي ستقتحم مسار الأحداث، إلخ.

ربما لو كنتُ أتحلّى بالصبر اللازم لكتابة الرواية الواحدة مرتين أو تصويرها سينمائياً داخل ذهني، ولو كنتُ أتمتع بالقدرة على فرز الفصول الأكثر أهمية وتشويقاً لصرتُ روائياً حقيقياً. لا يهبطُ عليَّ الإلهام إلا عندما أرى الأشياء للمرة الأولى، بينا أرى كل ما يخضع للتأمل والتنقيح والمراجعة “مصطنع” لا روح فيه.

أياً ما كان الأمر ينبغي عليَّ، تجريد نفسي من عدم النضج القديم ومن خرافة الأصالة، وأقصد هنا أصالة عاطفتي الجمالية، لا أستطيع كتابة حرفٍ واحد وفي ذهني تصور مسبق للمشهد الذي أودّ كتابته، إذ تفقد العاطفة الجمالية أصالتها بفعل التصورات المسبقة للمشهد السردي.

23 أغسطس 1948

تناولتُ اليوم العشاء مع د. كارل غوستاف يونغ، جلستُ إلى يساره. تحدثنا منذ الساعة الثانية والنصف بعد منتصف النهار حتى الثالثة عصراً. يونغ رجل مهذب ساحر متواضع للغاية، يسعده الإصغاء إلى الآخرين كما يسعده الكلام إليهم. ماذا ينبغي أن أسجّل أولاً بعد حوارنا الطويل؟ ربما إفصاحه عن شعوره بالمرارة من “العلوم الرسمية”. لا يؤخذ يونغ على محمل الجد في الدوائر الأكاديمية. قال يونغ مقتبساً عبارة أناتول فرانس:” العُلماء لا يتحلّون بالفضول”. قال إن أساتذة الجامعة راضون عن ترديد ما سبق وأن تعلّموه في شبابهم، بما لا يزعج توازن الجامعات التي يعملون بها، لكني شعرتُ أن يعاني قليلاً من أعماق قلبه بسبب هذه اللا مبالاة إزاء إنتاجه، لذلك فهو يبدي اهتماماً بأي “عالم” يأخذ أعماله مأخذ الجَد ويقرؤها ويعلّق عليها.

5  يناير 1952

أبدأ اليوم في تنقيح الفصل الأول من رواية جديدة. أعيد الكتابة والتوضيح وإضافة بضع صفحات، برغم ذلك من الصعوبة إحراز أي تقدم. الغموض المريع لشخصية “شتيفان” [5]، لا أعرف كيف أقدّمه إلى القاريء في بداية الرواية. في المساء أواصل، بمزيد من الجهد، قراءة رواية فوكنر الصخب والعنف. من بين جميع أعمال فوكنر التي قرؤتها، فهذه الرواية – في رأيي الشخصي – هي الأقل نجاحاً. تقنية سردية مؤرخة في 1930، تأثير جيمس جويس وجون دوس باسوس. ما الغاية من وراء المونولوج الطويل العبثي الممل والسارد على حافة الانتحار؟ استخدام السهولة الطنانة للمونولوج الداخلي تمنحكَ إحساساً زائفاً بالأصالة، أعلم جيداً تقنيات السرد القائمة على الجذب وإيقاع القاريء في الشِراك والكذب، واستخدمتُها ذات مرة في روايتي المبكرة المكتوبة سنة 1930 Lumina CE SE stinge  (الضوء الذي يخبو) ولكن إلى أين يقودنا هذا؟ إلى عالم القبّالاه في رواية جيمس جويس الأخيرة [يقصد يقظة فينيجين]. إن الدرس المهم الذي نستلهمه من الكُتاب الأنجلو ساكسونيين (ثورنتون وايلدر، فوكنر في قصصه القصيرة وجراهام جرين)، في إعادة تأهيل السرد الخطّي المباشر واظهار كيف يُمكن الكشف عن الميتافيزيقا واللاهوت عبر السرد القصصي، لا عبر تعليقات المؤلف وتحلياته الشخصية.

21  يونيو 1952

أقرأ جميع أصناف الكتب العجيبة. في كل ليلة أنصتُ إلى مدام “فوبيه” وهي تتكلم عن معجبي “يونغ”، وعن الهوس بمحاضراته وعن أحلام رواد المحاضرات. يبدو أنني لستُ الوحيد الذي ترك نفسه يغرق في هوى أعمال “تالبوت موندي”.

عَلِمتْ إحدى معجبات يونغ، وهي امرأة في الخمسين، تقطن في فيلا واقعة فوق الجبال، تبعد عدة كيلو مترات عن “كاسا جابريللا” أن د. يونغ يسبح في بحيرة جنيف في تمام السابعة من صباح كل يوم، فجاءت قبل موعد وصوله بربع ساعة مرتديةً ملابس السباحة (في الأرجح اضطرت السيدة إلى الاستيقاظ في الخامسة فجراً)، وأخبَرت يونغ أنها تودّ السباحة إلى جواره في البحيرة، قالت إنها تشعر كما لو أنهما يسبحان في بحر “اللا وعي الجمعي”.

25 يونيو 1952

وصلتني رسالة مفعمة بالحماسة من د. يونغ بعد أن أنهي قراءة كتابي عن “الشامانية”. أعطيتُها فوراً لمدام “فوبيه” لقرائتها. أبدتْ مدام فوبيه حماساً بالغاً، وأكدت لي أن يونغ لا يكتب أبداً عن أعمال غيره.

14 يوليو 1954

يتحتم أن أكتبَ يوماً ما دراسة مطولة عن منابع الفلسفة، أعرض فيها الطريق بدايةً من الإدراك مروراً بالأساطير والرموز (كما مُورست في العالم القديم) وصولاً إلى الفلسفة المنهجية. أمثلة: (1): ما هو عتيق عن أفلاطون (مثلاً، تاريخ ما قبل نظرية الأفكار بدايةً من الصورة التمثيلية حتى المثل العقلية الأفلاطونية، (2) فكرة التكريس كمكافيء للفلسفة. التكريس يمثّل الموت؟

بيانات الكتاب

  • Publisher ‏ : ‎ University of Chicago Press; 1st edition (August 24, 1990)
  • Language ‏ : ‎ English
  • ISBN-10 ‏: ‎ 0226204162

[1]  الأنماط الفطرية: الفطرية: أحد المصطلحات التأسيسية في علم النفس اليونغي. يـرى يونغ أن مفهوم النمط الفكري مأخوذ من ملاحظة ظهور موتيفات معنية بانتظام في الأساطير والحكايات الخرافية في الأدب العالمي وهو موجودة في العقل الباطن (الأحلام والتخيلات والهذيانات)، وجميعها تنبع من نمط فطري، أي شكل سابق الوجود في اللا وعي يستعصي على التمثيل وبعد جزءًا من البناء الموروث في النفس البشرية (علم النفس التحليلي عن يونغ: معجم ودراسة، د. محمد عناني، دار رؤية 2019، ص 270-271 (المترجم). 

[2]   المقصود يوميات الكاتب السويسري، الناطق بالفرنسية شارل فيرديناند راموز (1878-1947) (المترجم).

[3]  المقصود الكتابة على منوال الفيلسوف والشاعر السويسري هنري فريديرك أميل (1821-1881) في كتابة يومياته الشخصية التي نالت شهرة واسعة وقت صدورها ومارست تأثيراً قوياً على الكُتاب آنذاك (المترجم).

[4]   أرض النار: أرخبيل في أقصى جنوب أميركا الجنوبية بين المحيطين الأطلسى والهندي، ويُعد أقرب بقعة من القارة القطبية الجنوبية (المترجم).

[5]   المقصود هنا بطل رواية إلياده الضخمة “الغابة المحرمة” واسمه شتيفان فيتسيرو (المترجم).

أدب العدد الأخير العدد السابع والعشرون بعد المائة ترجمات

عن الكاتب

Avatar

أحمد الزناتي