عبقرية الذرة التي فرت من النازي

Avatar

ترجمة،وإعداد: محمد زين العابدين
By: PHILIP BALL
هذا المقال يكشف النقاب عن قصة (ليز مايتنر)، الفيزيائية النمساوية المشهورة، التي بدأ من خلالها العصر النووي.

ذات يوم، في يوليو 1938، توقفت سيارة في محطة القطار في برلين. امرأة تترجل وتظهر وثائق سفرها للحراس المسلحين بالزي النازي. المرأة صغيرة، ونحيفة، وتبدو متوترة. في القطار، تحيي رجلاً، ويسافران معاً متجهين إلى (جرونينجن) في هولندا. هل هم عشاق؟ ربما.
لا، هذه ليست محاولة ولكن مهمة إنقاذ. المرأة النمساوية تدعى (ليز مايتنر)، وهي واحدة من أذكى العلماء النوويين العاملين في ألمانيا، من أصل يهودي وتهرب من نظام (أدولف هتلر) عندما يكون الوقت تقريباً متأخراً جداً.
أدخل القادة النازيون سياسة تحظر على جميع العلماء مغادرة ألمانيا كما منعوا (مايتنر) من الحصول على الوثائق التي من شأنها أن تمنحها حرية السفر على الحدود الهولندية، تشق دورية عسكرية نازية طريقها عبر عربات القطار؛ للتحقق من الوثائق.
تفاوضت رفيقة (مايتنر) في السفر وهي كيميائية دنماركية تُدعى (ديرك كوستر)؛ للحصول على إذن من السلطات الهولندية لدخولها البلاد، لكن كل ما لديها من إثباتات الهوية، هو جواز سفرها النمساوي، وقد عفا عليه الزمن.
تتذكر (مايتنر) لاحقًاً ما حدث لها: “لقد أصبت بالخوف الشديد وكاد قلبي أن يتوقف عن النبض. كنت أعرف أن النازيين قد أعلنوا للتو موسماً مفتوحاً لمطاردة اليهود، وأن المطاردة مستمرة لمدة عشر دقائق جلست هناك وانتظرت، عشر دقائق بدت وكأنها ساعات طويلة، ثم عاد أحد المسؤولين النازيين، وأعاد لي جواز السفر “دون أن ينبس ببنت شفة “. بعد دقائق كانت تعبر بأمان الحدود الهولندية. بمجرد وصولهم إلى (جرونينجن)، أرسلت (كوستر) برقية مشفرة إلى زميل (مايتنر) السابق في مشروعهما العلمي في برلين الكيميائي (أوتو هان)، لتطمئنه على الوصول بالقول: “لقد وصل الطفل”.
عندما وصل (هتلر) إلى السلطة قبل بضع سنوات، في عام 1933، أفقدته سياساته المعادية للسامية العديد من الباحثين الألمان العظماء، أشهرهم (ألبرت أينشتاين)، الذي كان في جولة بالولايات المتحدة، عندما تم إعلان نتيجة الانتخابات لم يعد أبداً. لكن القليل من الباحثين كان له قيمة (مايتنر) نفسها، بالنسبة لألمانيا، فبعد أشهر قليلة من هروبها الدرامي من ألمانيا النازية، كانت (مايتنر) تعيش في السويد. تم إخبارها بآخر النتائج التي حصل عليها (هان) في عمله على التحلل الإشعاعي لليورانيوم، وأدركت ما لم يفعله (هان): أن اليورانيوم كان يخضع للانشطار النووي، وينقسم إلى نصفين ويطلق بعضاً من مخزونه الهائل من الطاقة النووية، وبعد سبع سنوات وتحديدا في 6 أغسطس من عام 1945؛ تم تفعيل نفس عملية الإنشطار النووي بداخل (الولد الصغير) –The little boy القنبلة التي ألقيت فوق مدينة (هيروشيما) اليابانية. الباقي -كما يمكنك القول- هو تاريخ باستثناء أنه تاريخ ما يزال حاضراً حتى اليوم، عندما يكمن خطر الصراع النووي مرة أخرى في جميع أنحاء العالم، كانت رؤية (مايتنر) هي التي أطلقت العصر النووي.

لمعان في مجال الفيزياء:
بدأت (مايتنر) مسيرتها في عالم الفيزياء عام 1901، عندما قررت البدء في دراسة الفيزياء في جامعة فيينا بالنمسا، وبعد حصولها على درجة الدكتوراه وصلت إلى برلين في عام 1907؛ لمواصلة دراستها ولكن في ذلك الوقت لم تقبل بروسيا (وهي ولاية ألمانية تاريخية وعاصمتها برلين) النساء في جامعاتها.
لقد تغير ذلك في العام التالي، لكن المواقف لم تتغير. التقى (هان) لأول مرة ب(مايتنر) في ذلك الخريف، وقررا العمل معاً، لكن لم يُسمح للنساء بالدخول إلى معهد (هان) للكيمياء بزعم أن مديره كان مقتنعاً بأنهن سيحرقن شعرهن!، وكحل وسط، تم منح (مايتنر) غرفة في الطابق السفلي، ولكن مُنعت من الصعود إلى الطابق العلوي؛ حتى للتحدث إلى (هان). وفي عام 1912، انتقل (هان)، و(مايتنر) إلى معهد (كايزر فيلهلم) للكيمياء، لدراسة النشاط الإشعاعي. كان هذا في أوائل القرن العشرين، وكان النشاط الإشعاعي مجالًا مثيراً للعلماء؛ لأنه قدّم أدلة حول مكونات الذرات.
أثبت الباحثون أن الذرات لها بنية داخلية، تتكون من نواة فائقة الكثافة، مشحونة إيجابياً، تتكون من البروتونات، والنيوترونات، وتحيط بها جسيمات سالبة الشحنة، تسمى الإلكترونات، واكتشف العلماء أيضاً أن الانحلال النووي، والتفاعلات النووية الناتجة عن اصطدام الجسيمات دون الذرية بالذرات يمكن أن تحول عنصراً كيميائياً إلى عنصر آخر. ووجدوا مجموعة كاملة من العناصر الجديدة، واكتشفت (مايتنر)، و(هان) البروتكتينيوم في عام 1917.

العيش تحت الصليب المعقوف:
خلال فترة عملها في معهد (كايزر فيلهلم)؛ سرعان ما اكتسب تصميم (مايتنر)، وعقلها الحاد احتراماً كبيراً. وبحلول الثلاثينيات من القرن الماضي، كانت تُعدّ واحدة من أبرز علماء الطاقة النووية في ألمانيا، ولكن بعد ذلك تغير كل شيء؛ ففي يناير 1933، تم تعيين (أدولف هتلر) مستشاراً، وتحرك بسرعة، لتحويل ألمانيا من ديمقراطية إلى ديكتاتورية.
في أبريل من ذلك العام، طرد النازيون اليهود من جميع مراكز القوة، والنفوذ بما في ذلك الوظائف الأكاديمية. ومع ذلك، وبطريقة ما تمكنت (مايتنر) من الاحتفاظ بمنصبها الأكاديمي، لمدة خمس سنوات أخرى. ثم تم فصلها من جامعة (برلين) بألمانيا، ومنعت من التحدث في الاجتماعات العلمية، وتم محوها تماماً من السجل الرسمي للفيزياء النووية الألمانية، خلال تلك الفترة؛ بحيث نُسبت اكتشافاتها المشتركة مع (هان)، إليه وحده.
ومع ذلك، تمكنت من الاستمرار في البحث النشط في معهد (كايزر فيلهلم)، وبدأ (هان) و(مايتنر)، وبمساعدة كيميائي ألماني شاب يُدعى (فريتز ستراسمان) في جمع الأدلة على أنواع جديدة من المواد المشعة، مشتقة من اليورانيوم، وربما تتضمن بعض العناصر غير المعروفة حتى الآن، ولكن عندما ضمت ألمانيا النمسا، في مارس 1938، لم يعد كون المرء يهودياً نمساوياً في برلين؛ مجرد أمر شاذ، بل محفوف بالمخاطر. تم طرد اليهود في (فيينا) من منازلهم، وتعرضوا للضرب المبرح، وقُتل بعضهم.
لم يعد المتعاطفون مع النازية في (برلين) يهتمون بتعديل لغتهم؛ فقد قال زميلهم (كورت هيس)، الذي كان نازياً متحمساً، عن (مايتنر) أن “اليهودية تعرض هذا المعهد للخطر”. أما (هان)، الذي كان أقرب زميل لمايتنر، لمدة 20 عاماً؛ فاستسلم، وأخبرها أنه يجب عليها مغادرة المعهد، وسجلت (مايتنر) هذا بمرارة في مذكراتها بالقول: “لقد طردني، وطعنني في الصميم”.
حان وقت المغادرة، وبسرعة. كان (ديرك كوستر) من جامعة (جرونينجن) في هولندا يرتب مساعدة طارئة للعلماء اللاجئين، القادمين من ألمانيا، وفي 11 يوليو 1938، تلقى تأكيداً رسمياً بأن (مايتنر) سيتم قبولها في هولندا. بعد يومين كان يرافقها في هروبها من برلين.

الإنقسام النووي:
بعد هروب (مايتنر) من ألمانيا، واصل (هان)، و(ستراسمان) تجارب اليورانيوم؛ لكن بدون خبرة (مايتنر)، فواجها صعوبة في تفسير ما رؤوه. وجدا أن اليورانيوم يمكن أن يتحول عن طريق القصف النيوتروني إلى مواد مشعة، تبدو كيميائياً مشابهة للباريوم، وهو عنصر أخف بكثير. لقد كتبا إلى (مايتنر)، التي كانت وقتها موجودة في (ستوكهولم)، والتي ردت بأن الأمر لا يبدو ذا مصداقية.
كان يُعتقد أن التحولات الإشعاعية تحدث قليلاً فقط في كل مرة، فالانحلال الإشعاعي من شأنه أن يحول عنصراً إلى آخر، وكتلتة مماثلة جداً. ومع ذلك، كان الباريوم -بالكاد- يحتوي على نصف كتلة اليورانيوم. وذات عطلة (كريسماس)، بينما كانت (مايتنر) في عطلة، بقرية سويدية هادئة، ناقشت النتائج الغريبة مع ابن أختها الزائر، الفيزيائي (أوتو فريش)، والذي تم نفيه أيضاً من ألمانيا وكان يعمل في (كوبنهجن)، ولقد توصلا إلى استنتاج، خالف كل الحكمة السائدة حول التحول النووي، وقررا أن نوى اليورانيوم قد انقسمت بالفعل إلى نصفين تقريباً، مما زاد من احتمالية إطلاق كميات هائلة من الطاقة النووية.
وبحثًا عن اسم لهذه العملية، استدعى (فريش) فكرة انقسام الخلايا الحية، واقتبس المصطلح البيولوجي لها. خضع اليورانيوم للانشطار النووي، وبحلول نهاية أبريل 1939، أخبر الفيزيائيون الألمان الحكومة النازية بإمكانية استغلال الانشطار النووي في توفير الطاقة، والمتفجرات، وأعلنت السلطات أن مثل هذا البحث يجب أن يبقى طي الكتمان.
لكن الكلام خرج بالفعل في أغسطس من ذلك العام، كتب (أينشتاين)، وعلماء آخرون رسالة إلى الرئيس الأمريكي (روزفلت) يحذرون فيها من جدوى صنع قنبلة ذرية، وفي وقت لاحق كتب الفيزيائي الألماني (فيرنر هايزنبرج) تقريراً للمسؤولين النازيين، حول إمكانية تحرير الطاقة عن طريق الانشطار المتحكم به في اليورانيوم من خلال مفاعل نووي يعمل بالوقود، وربما أيضاً استغلال التفاعل، في تصنيع قنبلة.
تم تكليف (هايزنبرج) بمهمة البحث؛ لتسخير هذه الطاقة النووية. لكن العلماء الألمان الذين يفتقرون إلى التمويل، وتعرقلهم غارات الحلفاء لم يتقدموا كثيراً نحو إنشاء مفاعل نووي، أو تصنيع قنبلة بنهاية الحرب. لقد فوجئوا -مثل بقية العالم- عندما سمعوا في أغسطس 1945، عن قصف (هيروشيما)، لكن هذه القدرة على التدمير، لم تكن الميزة الوحيدة للانشطار النووي.
وفي خضم الحرب، اكتشف العلماء الذين يعملون تحت إشراف الفيزيائي الإيطالي (إنريكو فيرمي) في شيكاغو كيفية التحكم في الانشطار النووي؛ بحيث لا يتحول إلى عملية مفرغة. أطلق اليورانيوم طاقته النووية بشكل تدريجي فقط، مما أدى إلى توليد حرارة، يمكن استخدامها لغلي الماء، وتشغيل التوربينات، لتوليد الطاقة الكهربائية.
أدى نجاح (فيرمي)، بناءً على رؤية (مايتنر) إلى ظهور الطاقة النووية، وحتى اليوم ما تزال معظم محطات الطاقة النووية، تعتمد على انشطار اليورانيوم لإنتاج الطاقة على الرغم من وجود آمال في أنه ذات يوم من الأيام سيكون من الممكن بدلاً من ذلك تسخير الاندماج النووي، وهي العملية التي تحدث في الطبيعة، في تغذية الشمس، حيث تطلق النوى الذرية الخفيفة جداً الطاقة أثناء اندماجها سوياً، مشاكل الانشطار النووي -وخاصة إنتاج النفايات النووية الخطرة- معروفة جيداً. ولكن في مواجهة الاحتباس الحراري، الناجم جزئياً عن حرق الوقود الأحفوري القائم على الكربون، مثل النفط، والفحميتحول بعض علماء البيئة اليوم إلى الطاقة النووية، كحلّ جزئي للمشاكل التي نخلقها في مناخ الأرض.

وعي العلم الألماني:
رفضت (مايتنر) لعب أي دور في مشروع (مانهاتن) الذي طور فيه الحلفاء القنبلة الذرية؛ أعلنتها صراحة “لا علاقة لي بتصنيع قنبلة!”. كما أن الاحتفال الذي أقيم في أمريكا بعد الحرب، ونعتها ب”الأم اليهودية للقنبلة”، التي أخفت السر عن (هتلر) بطريقة ما، أزعجها. لكنها وجهت الكثير من طاقتها في فترة ما بعد الحرب مباشرة إلى محاولة إقناع زملائها السابقين في ألمانيا، بالاعتراف وقبول جزء من مسؤوليتهم عن التزام الصمت خلال الفظائع التي حدثت في (الرايخ الثالث)، والتي تمنى العديد من العلماء إحاطتها بحجاب، وقد كشف تقدم الحلفاء إلى ألمانيا، عن تلك الفظائع للعالم، وأظهر ل(مايتنر) ما نجت منه بصعوبة، وعندما وصلت القوات إلى معسكرات الاعتقال في (داخاو)، و(بوخنفالد)؛ بكت، وهي تستمع إلى التقارير الإذاعية.
كتبت إلى (هان)، الذي اعتقل في (كمبريدجشير) في يونيو 1945: “يجب أن يُجبَر شخص مثل (هايزنبرج)، والعديد من الملايين الآخرين على النظر إلى تلك المعسكرات، والشهداء”. استغرق (هان) سنوات عديدة للاعتراف بجريمته. وفي عام 1958، كتب (هان) إلى (مايتنر) في عيد ميلادها الثمانين: “كنا نعلم جميعاً أن الظلم كان يحدث، لكننا لم نرغب في رؤيته. لقد خدعنا أنفسنا، لقد اتبّعتُ عَلماً كان يجب أن نمزقه على الفور، والآن عليَّ أن أتحمل المسؤولية “.
ومن بين الكلمات الرائعة، التي أُعطيت لاحقًا للعلماء الذين عملوا في ألمانيا النازية، يتحدث القليل منهم ببلاغة، مثل تلك الموجودة على شاهد قبر (مايتنر) في هامبشاير، بجنوب إنجلترا -حيث توفيت في عام 1968- وهم يصرحون بأنها “عالمة فيزياء لم تفقد إنسانيتها أبداً”.
*المصدر:( (BBC Knowledge Magazine- April 2018

العدد الأخير العدد الثامن والعشرون بعد المئة ترجمات سياسة

عن الكاتب

Avatar

محمد زين العابدين