ظهور المجتمع العالمي قراءة إدغار موران

Avatar
كتب بواسطة إيمان حريفشة

في ظل التغير العالمي الذي جعل من العالم شاشة صغيرة، وفي ظل الذكاء الاصطناعي المتطور، برز التحدي الكبير الذي يواجه الإنسانية، خاصة وأن هذه الأخيرة التي أصبحت مجرد أشياء بل أرقام. ولتجاوز ذلك أصبح لزاما التفكير جديا في الاهتمام بالإنسان، الإنسان الكوني الكوكبي. ولنقترب من أهمية هذا الموضوع لابد من التوقف مع الفيلسوف وعالم الاجتماع إدغار موران وقراءته للموضوع.
تمثل العولمة التي ظهرت مطلع القرن العشرين المرحلة الراهنة من عهد كوكبي كان قد استُهل في القرن السادس عشر بغزو الأمريكتين والتوسع الذي كان للقوى الأوروبية الغربية على العلام. وقد اتسمت تلك السيرورة بالنهب والاسترقاق والاستعمار بيد أن العهد الكوكبي يشهد كذلك تطورا من نوع آخر.
وتندرج عولمة بداية القرن العشرين في سيرورة مزدوجة من هيمنة/ تحرر، وتضفي عليها خصائص جديدة وفي هذا الصدد يقول موران: “إن انفجار الكليانية وانهيار الاقتصادات البيروقراطية للدول تخدم اندفاعا ديمقراطيا على جميع القارات وتوسعا للسوق التي أصبحت بحق سوقا عالمية، في كنف الليبرالية الاقتصادية، إذا الرأسمالية قد ازدادت طاقة بفعل توسع إعلامي هائل، فاكتسح اقتصاد السوق سائر قطاعات البشر والحياة والطبيعة، وبارتباط ذلك فإن عولمة شبكات التواصل التلقائي تزيد في حيوية السوق العالمية وتزداد منها حيوية”.
وقد ألفت موران إلى أن العولمة التي ظهرت في سنوات التسعينات تمارس عولمة تقنية واقتصادية، وهي تشجع في الوقت نفسه على عولمة أخرى وإن كانت ما تزال منقوصة وضعيفة لكنها ذات طابع إنسانوي وديمقراطي، تلاقي التضييق من العواقب المترتبة عن أنواع الاستعمار والعجز الذي يظهر في التفاوتات الفاحشة ناهيك عن التهافت الكبير على الربح.
مجتمع عالمي:
يمكن اعتبار هذه العولمة التقنية الطور النهائي من سيرورة التكوكب، ويمكن اعتبارها في الوقت نفسه ظهورا لبنية تحتية لنوع جديد من المجتمع؛ ذلك هو المجتمع العالمي.
إن المجتمع يكون له مجال ترابي يشتمل على نظام للتواصل. وكوكب الارض مجال يتمتع بنسيج من أشكال التواصل (الطائرة والهاتف والفاكس والأنترنت)، لم يسبق أن تهيأت لأي مجتمع في الماضي، والمجتمع -يضيف موران- يمتلك اقتصادا، والاقتصاد قد أصبح اليوم عالميا لكن تنقصه إكراهات المجتمع المنظم (القوانين والحقوق وأشكال المراقبة) والمؤسسات العالمية الحالية، مثل صندوق النقد الدولي وغيرها من المؤسسات، قد باتت عاجزة عن القيام بالتقنيات حتى أشدها بساطة.
والمجتمع كما هو معلوم لا يمكن فصله عن الحضارة، وتوجد حضارة عالمية منحدرة من الحضارة الغربية تتطور بتفاعل العلم والتقنية والصناعة والرأسمال، وتشتمل على عدد من القيم المعيارية.
والمجتمع إذ يشتمل في ذاته على ثقافات متعددة يُحدث كذلك ثقافة خاصة به. والحال أنه توجد عدة تيارات عبر ثقافية تشكل أشبه بثقافة كوكبية. فقد أنتجت وسائل الإعلام خلال القرن العشرين وأشاعت وصنعت فولكلورا عالميا من موضوعات أصلية استمدتها من ثقافات مختلفة؛ فبعضا استمدته من جذوره وبعضا ابتدعته ابتداعا.
ويذكر هنا موران أن الفولكلور في عالم الجاز الذي ألّف بين شتى الأساليب ابتداء من أورليانز الجديدة والطانغو الذي ظهر في الأحياء الشعبية من بيونيس آيريس والبامبو الكوبي والفالس الفييني والروك الأمريكي الذي خلق هو الآخر أنواعا متمايزة في العالم أجمع، وقد أدمج الفولكلور الكوكبي في صلبه السيتار الهندي الذي استمده من رامي شنكر والفلامنغو الأندلسي والوصلة العربية كما في أغاني أم كلثوم والهويانو عند الهنود. فإذا الروك الذي ظهر في الولايات المتحدة قد صار يتأقلم مع لغات العالم وصار يتقمص في كل بلد هويته الوطنية. واليوم يرقص الناس في بكين وفي كانتون وفي باريس وفي موسكو ويحتفلون ويتواصلون بالروك.
وهنا يؤكد موران على أنه لأمر رائع أن تنتج الآلات الثقافية العجيبة في السينما والغناء والروك والتلفزة، التي يحركها الربح، والمنظمة وفق تقسيم شبه صناعي للعمل، خاصة في هوليود، أمر رائع أن تنتج تلك الآلات أعمالا جيدة وقوية ولا تقتصر على إنتاج الأعمال الرديئة. لقد تحققت الإبداعية وما تزال، في هذه الميادين جميعا. يقول موران: “فلا يمكن إنتاج سلسلة من الأفلام أو الأغاني المتطابقة بل ينبغي أن يكون لكل فيلم وكل أغنية قد توفرت لهما الفرادة والأصالة، فالإنتاج يتطلب الإبداع بالضرورة، وكثيرا ما يخنق الإنتاج الإبداع، لكن يحدث أن يتيح الإبداع ظهور أعمال فنية عظيمة؛ فلقد تحقق الازدهار لفن السينما في شتى البلدان وفي جميع القارات، حتى بات فنا معلوما لكن مع الحفاظ للفنانين وللثقافات على أصالتهم.
وعندما يتعلق الأمر بالفن والموسيقى والأدب والفكر لا تصير العولمة الثقافية عولمة مجنسة تساعد على التعبير عن الأصول الوطنية في صلبها. فالاختلاطات والهجينات والشخصيات العالمية أو مزدوجة الثقافة في نظر موران لا تفتأ تثري هذه الحياة الثقافية. وبهذا فثقافات العالم أجمع يثري بعضها في الضراء أحيانا، وفي السراء في كثير من الأحيان، وهي ما تزال بعد لا تفقه أنها أبناء لكوكب واحد.
من أجل سياسة للإنسانية:
يرى موران أن المهمة الأشد إلحاحا واستعجالا في سياسة الإنسان ستكون هي تحقيق التضامن على كوكب الارض.
لأجل ذلك فالمفترض في وكالة الأمم المتحدة حسب موران أن تتوفر على أموال خاصة بالإنسانية المحرومة والمريضة والبائسة، ويفترض بها أن تشتمل على مكتب عالمي يقدم الأدوية بالمجان لعلاج السيدا والأمراض المعدية، ومكتب عالمي للتغذية لأجل الساكنة الفقيرة، ومساعدة أساسية للمنظمات غير الحكومية التي تُعنى بالقضايا الإنسانية. ويفترض بالأمم الغنية أن تبادر إلى تعبئة مكثفة لشبيبتها في خدمة مدينة كوكبية حيثما دعت الحاجة إليها.
وبالتالي فسياسة الإنسان ستكون في الوقت نفسه سياسة لتكوين الخيرات الكوكبية المشتركة والحفاظ عليها. ستكون مهمة السياسة الحضارية أن تطور أفضل ما في الحضارة الغربية- كما يقترح ذلك موران- وتطرح عنها أسوأ ما فيها، وأن تحدث تكاملا بين الحضارات بأخذها في الحسبان المساهمات الأساسية من الشرق والجنوب.
ينبغي إذن لسياسة الإنسان وسياسة الحضارة أن تتفقا على المشكلات الحيوية لكوكب الأرض فالمركبة الفضائية الأرضية تسير بأربع محركات مشتركة ومتباينة عن المراقبة في الوقت نفسه، هي: العلم والتقنية والصناعة والرأسمالية (الربح) والمشكلة تتمثل في إخضاع هذه المحركات للمراقبة، فلسلطات العلم والتقنية والصناعة ينبغي أن تخضع لمراقبة الأخلاق، وهي التي لا يمكن أن نفرض مراقبتها إلا بالسياسة والاقتصاد لا ينبغي أن يخضع للتقنين فحسب، بل ينبغي أن يصير اقتصادا جمعيا، يتسع للتعاضديات والجمعيات والتعاونيات وتبادل الخدمات.
بهذا يمكن للأرض الوطن أن تنبثق من خلال التراجع والتفكك والفوضى والكوارث، من مدنية كوكبية وبروز لمجتمع مدني عالمي واتساع للأمم المتحدة، لا بأن تحل محل الأجزاء، بل بأن تحيط بتلك الأجزاء.
التحدي العظيم هنا، هو الوصول إلى إنسانية كوكبية تسعى كلها إلى تحسين ظروف العيش والبقاء والاستقرار دون حروب وفوضى وعنف، وهذا يحتاج إلى جهد كبير يساهم فيه كل واحد من جهته حكومات ومؤسسات جامعية ومنظمات.

العدد الأخير العدد الثامن والعشرون بعد المئة ثقافة وفكر سياسة

عن الكاتب

Avatar

إيمان حريفشة