فرنسا اليوم، من يقود الموجة الجديدة من “الإسلاموفوبيا” و”معاداة الأجانب”؟

Avatar
كتب بواسطة محمد الإدريسي

منذ أحداث شارلي أيبدو خلال سنة 2015، زادت حدة الإسلاموفوبيا، كراهية الأجانب ومعاداة السامية بالمجتمع الفرنسي. أضحى العرب والمسلمون يجدون صعوبة كبيرة في الحصول على وظائف لائقة ودُفِع بهم تحت “حزام الفقر” بضواحي المدن والمراكز الحضرية، انتهجت الحكومة مخططات جديدة لإدماج المهاجرين شكلت فرصة لتكديسهم في “مكعبات الموت” وإبعادهم اجتماعيًا، هوياتيا واقتصاديًا، وانتشرت إيديولوجيا طبقية جديدة ذات بعد ليبرالي تعدّ الطبقة الفقيرة والبسيطة بفرنسا اليوم هي “طبقة المهاجرين والمسلمين” في مقابل الطبق الوسطى والعليا المكونة من “الفرنسيين” أو ممن استطاعوا الترقي اجتماعيًا وسياسيا في السلم الهوياتي الفرنسي. فما الشروط الموضوعية المتحكمة في انتشار هذه الايديولوجيا؟ ما تأثير العلمانية وأزمة المسيحية الفرنسية في إنتاج مسلسل معاداة الأجانب؟ أي مستقبل لفرنسا المهاجرين والمسلمين في سياق “المجتمع الليبرالي”؟
خلفت مجزرة شارلي أيبدو جرحًا فرنسيًا وإنسانيًا كبيرًا للغاية توحد معه العالم كله ضد الإرهاب والتطرف في مسيرة تاريخية شارك فيها قادة أزيد من خمسين دولة، وخمسة ملايين متظاهر وآلاف الصحفيين والمثقفين الذي أدانوا الحدث عبر العالم. إلى حدود الآن، يبدو أن الأمور جيدة؛ بحكم أن معظم شرائح وإثنيات المجتمع الفرنسي قد توحدت تحت شعار “أنا شارلي” (الذي سيصبح لشهور مرادفًا لـ”أنا فرنسي”). لكن ما لم يتم الانتباه إليه –أو تم التغاضي عنه قصدًا – أن الكل دافع عن قيمة “الحرية” في مقابل التغاضي عن قيم “المساواة” و”الإخاء” بين مكونات الشعب الفرنسي. فضلًا عن كون السؤال لم يطرح حول الخلفيات الطبقية والاجتماعية لخمسة ملايين متظاهر وجدوا الفرصة مواتية لإلصاق الحدث بالمسلمين والعرب ومعاداة الأجانب.
لقد صمت الكل أمام مجزرة خفية تعرضت لها الهوية المتعددة والمركبة للجمهورية الخامسة التي ما فتئت ترفع شعارات “المساواة، الحرية، والإخاء” وأصبحنا أمام “فوبيا” اجتماعية وإثنية تندد بالإرهاب وتبرر التجديف بقدسية الشخصيات الدينية وتزدري الأديان (والإنسان طبعا) باسم مبادئ العلمانية والدهرانية الليبرالية. أصبح كل من يدافع عن حقوق الأقليات الدينية يتهم بالتحريض على العنف والإرهاب كيفما كانت مبرراته وتحليلاته إلى درجة فضّل معها العديد من المثقفين الفرنسيين الملتزمين الصمت حتى تمر العاصفة بردًا وسلامًا.
بعد شهور قليلة على الواقعة، أصدر المؤرخ، الديمغرافي والانثروبولوجي الفرنسي “إيمانويل تود” (Emmanuel Todd) كتاب “من هو شارلي؟ سوسيولوجيا أزمة دينية” (Qui est Charlie? Sociologie d’une crise religieuse) الذي سيثير ضجة كبرى داخل فرنسا وخارجها؛ نظرا لفضحه لأسطورة “أنا شارلي” واصفًا إياها بالإيديولوجيا المستحثة من قبل الطبقة الوسطى بفرنسا، بقايا الكاثوليكية والنخب السياسية من أجل معاداة الإسلام، السامية والأجانب وإلصاق “مجزرة شارلي أيبدو” بهم بغية غض الطرف على المعاناة الاجتماعية والاقتصادية لساكنة الطبقات المسحوقة بضواحي وهوامش المدن الفرنسية (المكونة أساسًا من المسلمين والأجانب) ؛ وكأن شعار “أنا شارلي” صار تعبيرا عن “الأنا” الفرنسي الخالص والضائع.
بينت مسيرة الجمهورية استعدادًا غير مسبوق لفئات اجتماعية علمانية وليبرالية متواطئة مع قوى اليسار و”الكاثوليكية الجديدة” من أجل استغلال حدث إرهابي معزول وتحويله إلى فزاعة من أجل شرعنة الحق الوهمي في التجديف بالرموز الدينية والثقافية لأقلية دينية في تعارض تام مع القيم الإنسانية التي دافعت عنها “ماريان” طوال المسار التاريخي للجمهوريات الخمس. “لم يجتمع المتظاهرون ليدينوا أولًا ما هو أخطر، وهو معاداة السامية، وإنما من أجل تبجيل العنف الأيديولوجي الموجه إلى دين أخر للأقلية وهو الإسلام” ، واستغل الساسة الأمر كذلك من أجل تجديد شعبيتهم المتهالكة بفعل تراجع الثقة الجماهيرية فيهم، كما انقلب الصحفيون ضد قيم الحياد والمهنية وهللوا بفرح من أجل معاداة السامية وتبيان أن فرنسا ترفض المهاجرين من خلال رفض التطرف والإرهاب.
في مقدمة الكتاب، يبرز تود أنه لم يستطع تحمل هذا التناقض وطمس الحقائق الذي يدفع ثمنه اليوم المهاجرون والمسلمون بفرنسا. لذلك كتب هذا الكتاب “تحت وطأة العصبية والالتزام بالصرامة العلمية قدر المستطاع؛ لكون مظاهرة 11 يناير مثّلت لحظة من الهستيريا الجماعية التي تشكل مفتاحًا لفهم آليات السلطة الأيديولوجية والسياسية في المجتمع الفرنسي المعاصر” . تبعا لذلك، سيسعى تود إلى البحث عن الخلفيات الاجتماعية، الدينية، الثقافية والسياسية للفاعلين الأساسين في هذه المسيرة ويتجاوز التفسيرات والتأويلات الصحفية والمتسرعة القائلة بأن المظاهرات الرسمية تعبير عن إرادة الجماهير الشعبية الفرنسية.
ليس خفيًا أن فرنسا تعيش اليوم أزمة دينية حقيقية تتمثل في تراجع دور الكنيسة في الحياة العامة وتزايد المد العلماني المطعم بنفحة ليبرالية، بالشكل الذي يجعل الكل يبحث عن كبش فداء [موازي للكنسية والاكليروس عقب أحداث 1789] وعن صناعة عدو وهمي بغية تحييد الاهتمام عن مسلسل المصالحة الوطنية والهوياتية الذي فشلت في تحقيقه الحكومات الفرنسية المتعاقبة خلال العقود الخمسة الأخيرة. لذلك، ينحت تود مفهوم “الكاثوليكية الزومبي” [أو الكاثوليكية المستحدثة] من أجل تفسير التواطؤ الذي أبانت أعنه الأحداث التي يعرفها المجتمع الفرنسي منذ سنة 2005 بين بقايا كاثوليكية مستحدثة، المد الليبرالي للطبقات الوسطى والفاعلين السياسيين من أجل إعادة إحياء المركزية القومية الأوروبية المتطرفة (مشروع العملة الموحدة “اليورو” خير دليل على بحث أوروبا عن صنم مادي جديد يوحدها ضد المد الهجروي).
إن الرئيس الفرنسي الأسبق، فرانسوا هولاند، يمثل نموذجًا مثاليًا (بالمعنى الفيبري) للكاثوليكية الزومبي: ابن لأب كاثوليكي من اليمين المتطرف وأم كاثوليكية من اليسار؛ يأتي صمته، حياده وتواطئه الخفي ضد المهاجرين من هذا التوافق الهجين بين قيم تربوية، سياسية واجتماعية متناقضة تشكل خطرًا على الديمقراطية كما تزيد من معاناة المهاجرين. ينطبق هذا الأمر بالنسبة لعموم الشعب الفرنسي كذلك، حيث زادت نسب الإسلاموفوبيا بين الطبقات الفقيرة وانتشرت معاداة السامية بالنسبة للطبقات الوسطى والعليا.
يجب الانتباه إلى أن قيادة المد الإسلاموفوبي ومعاداة الأجانب بفرنسا اليوم لم تعد حكرًا على الفاعلين السياسيين المتطرفين أو حتى بقايا الكاثوليكية المتحدثة وإنما أضحت مقترنة بالمد النيوليبرالي. لقد أوضح تود أن الطبقات الفقيرة لم ترفع شعار “أنا شارلي” أو تخرج في المسيرات الجماهيرية؛ نظرا لكون قضايا الاندماج وتحسين الأوضاع الاجتماعية أولى بالاهتمام بالنسبة لها، خاصة وأنهم يمثلون الأقلية المضطهدة في فرنسا، وإنما عملت الطبقات الوسطى ذات المرجعيات والتوجهات الليبرالية على قيادة المسيرات الاحتجاجية (أمام صمت المثقفين، تواطؤ الساسة وخيانة الصحافة لمبدأ الحياد) والدفع بالمجتمع الفرنسي نحو مزيد من الاحتقان والصراع الإثني؛ وليس الطبقي بالضرورة.
تسود، بقوة، خلال السنوات الأخيرة نزعة جمهورية جديدة تنتصر لقيم الحرية على حساب المساواة؛ مع غموض في تمثل مفهوم الإخاء. يتعلق الأمر بتوجه ليبرالي وعلماني جديد لفئات وشرائح من الطبقات الميسورة، برز منذ تسعينيات القرن الماضي، شكلت أحداث شارلي منعطفا حاسمًا في الدفع به نحو إحياء ماضي الجمهورية قبيل إعلان فصل الكنيسة عن الدولة (1905): انتقلنا من ازدراء الكنسية نحو ازدراء الإسلام والأجانب، في إطار عملية إعادة إنتاج قيم المركزية الأوروبية والغربية.
لا يجب أن ننخدع بقيم الحرية والمساواة التي تسوقها الصحافة الفرنسية، الرسمية وغير الرسمية، ودفاعها عن مبادئ الجمهورية ومحاربة التطرف والإرهاب. فقد بينت أحداث شارلي أفول بريق حرية الصحافة التي تتغنى بها الجهورية لصالح نشر قيم اللامساواة والدفاع عن التجديف وازدراء الأديان باسم حقوق الإنسان والقيم الدهرانية.
في سياق الثورة الرابعة وانتشار الصحافة الإلكترونية وتراجع الإعلام السمعي البصري العالمي، أصبح البحث عن “صناعة البوز (Buzz) والشهرة” يتسلل إلى عالم الصحافة العالمية التي عُرفت تاريخًا وحاضرًا بالحياد والتأثير في القرارات والتوجهات العالمية وخدمة القضايا الإنسانية النبيلة. أضحت الصحف تعاني مشاكل اقتصادية وتسويقية، مع تراجع الدعم الرسمي وغير الرسمي (الاستثمار في المنصات الرقمية والالكترونية) وتبحث عن صناعة العدو بأي وسيلة كانت من أجل اللعب على اللاشعور الجمعي للكيان الأوروبي الغارق في مشاكل الهجرة والاندماج. لذلك، يتم الاستثمار في معاداة الإسلام وشيطنته دون اكتراث بجر المجتمعات الدولية نحو خطر انتشار العنصرية ومعاداة الأقليات الدينية والإثنية تحت وصاية المبادئ الليبرالية والعلمانية.
إننا نعيش في عصر عنف الأيديولوجيات وتفاهة البشر مع تبني نهج “الاختلاف الإسلامي” ورفض احتضان المهاجرين؛ حتى الفرنسيين منهم، التضييق على الشباب والدفع بهم نحو مصانع تفريخ الجهاديين ومحاسبتهم ومعتابهم باسم انتماءاتهم الثقافية. فشعارات الاستيعاب، قبول الاختلاف والإدماج ما زالت جوفاء مفرغة من حمولتها الإنسانية بفعل هيمنة القيم اللنيوليبرالية وتأثيرها في صناعة القرار السياسي والمجتمعي وتحتاج الجمهورية الخامسة إلى استثمار حقيقي في تنميتها وتفعيلها الواقعي والعملي إن هي أرادت الحيلولة دون أن تتحول قيم “المساواة، الحرية والإخاء” إلى “الإقصاء، العزل والاستبعاد” ويجنح المجتمع الفرنسي نحو حرب إيديولوجية ستدفع الإنسانية ثمنها غاليا.

الهوامش:

  • ايمانويل تود، من هو شارلي؟ سوسيولوجيا أزمة دينية، ترجمة أنور مغيث، المركز القومي للترجمة، دار التنوير، مصر، 2017 ، ص: 101.
  • المرجع نفسه، ص: 23-24.
  • المرجع نفسه، ص: 54.
  • المرجع نفسه، ص: 168.
العدد الأخير العدد الثامن والعشرون بعد المئة ثقافة وفكر سياسة

عن الكاتب

Avatar

محمد الإدريسي