العيش تحت سمرة

Avatar
كتب بواسطة إبراهيم بن سعيد

قراءة المجموعة القصصية قرون الأكاسيا

الكاتب: محمود الرحبي

دار خطوط، عمّان ٢٠٢١م

كأني غداةَ البينِ حينَ تحمّلوا لدى سَمُراتِ الحيِّ ناقفُ حنظَلِ

امرؤ القيس

في قصة برتقال مستعمرة الجذام من قصص هذه المجموعة القصصية نجد المشاهد ملتحمة بالقصة، كأنها منسوجة من نفسيات أبطالها، حبيبة مهجورة وشاعر، ذلك أن لأحداثها وحالات أبطالها النفسية تأثيرًا قويًا في البيئة التي تجري فيها القصة، فهي تجري في مقبرة وهي في الوقت نفسه مستعمرة قديمة لمرضى الجذام، لا يقطنها غير مريم التي تعيش وحدها في ذلك المكان الموحش، التي نعرف لاحقًا أنها هاربة:

هربت عند الفجر إلى بيت أهل حبيبها الذي طردها وهو يضربها. ص٤٠

في المقبرة يلتقي الشاعر بمريم، في جو يبدو خياليًا لكنه يبقى مرتبطًا ارتباطًا لا ينفك بالواقع لأنه نشأ منه، وولد من رحمه، فهذه الفتاة التي وضعتها صفقة الأقدار في موضع بضاعة متبادلة بين رجلين كل يبحث عن مصلحته الأنانية، تتحول نفسيتها من الداخل إلى حياة وسط الموت، والعيش في مستعمرة الجذام والمقبرة كل ذلك يعكس الحالة النفسية لبطلة القصة نفسها، بما في ذلك زائرها الغريب الذي يبدو في قدومه من مسقط كأنه قادم من فضاء خارجي، بقربة نبيذه وغليونه، لكنه واقعي جدًا، والمفارقة قائمة لكنها أكبر دليل على الواقعية، وسط هذه الأجواء نجد النص يستطرد في كلمة برتقال وبرتغال، وسط مستعمرة الجذام:

  • المرة الجاية هات معك برتغال.

لم تقل برتغالًا للثغة في اللسان، إنما يستوجب الأمر بعض الشرح: حين جاء أول صندوق برتقال إلى عمان، عبر ميناء مسقط… إلخ ص٣٣

تستطرد القصة في الذاكرة التاريخية التي استيقظت واستبدلت القاف بالغين في كلمة البرتقال لتصبح برتغال، ومهما يكن من أمر التسمية كما ذكره البستاني في قاموسه محيط المحيط من أن البرتغاليين أول من استنبتوا البرتقال والعامة تسميه بردقان. ويقصد عامة أهل الشام، أما في مصر فيدعى برتقان، ومعنا في عمان وما جاورها برتغال.

ما يشدنا نصيًا هو اللحظة التي تستيقظ فيها هذه الذاكرة التاريخية العمانية، وسط مصائر غريبة لأبطال القصة، المقبرة ومستعمرة الجذام القديمة، بكل إيحاءات الموت، وسط قصة الفتاة التي أحبت وعاندتها الأقدار لترميها في مقبرة، ففي الظلال تبدو هيئة ما غير واضحة المعالم.

تدور قصص هذه المجموعة بين بلدين قصيين، كل منهما عن الآخر، عمان والمغرب، وعلى طرفي العالم العربي الشرقي والغربي، ربما كان قدر عمان واليمن أن تدعيا المشرق في حياة أخرى لخارطة الأرض، لكن تلك القصص بإيقاعها المرتبط حميميًا وجنينيًا بالمشرق والمغرب يلفت الانتباه ويثير التساؤل عن لقاء المشرق والمغرب، وهو اللقاء الحادث اليوم، ليس بين المشرق والمغرب العربي وحسب بل بين كل طرف من أطراف العالم، في قرية كونية صغيرة.

بهذه المجموعة القصصية التي يقدم لها الناقد المعروف سعيد يقطين بعنوان كيمياء اليومي ص٧، ويردفها الكاتب بمقدمة أخرى هي سيمياء الشجرة، وبها يعود الروائي إلى فنه الأول، فيما يشبه العودة للإقامة في البيت القديم، بيت الحارة، بدل البيت المعاصر، المديني المصمم للسيارات، إلى الحارة المصممة للأقدام، لكن الحارات مشرقية ومغربية، وتبدأ من المغرب بقصة بوب مارلي لتنتهي في المشرق بقصة كهبن الجبل أو فوق وتحت الجبل.

كل زاوية، كل ركن من أركان هذه الأرض، كل عمود في صالة الأرض، وكل ساحة، مسرح مناسب للقصة، لكن من يستطيع رؤية القصة في تيار الحي اليومي، ومن يستطيع إعادة كتابتها بالكلمات، وكما يشير سعيد يقطين في مقدمته: اليومي في حاجة إلى كيمياء إبداعية تكشف عما وراءه. ص٩

ومن اليومي كذلك أن القصص نتاج إنساني تظل في حوزة كاتبها حتى يجد لها ناشرًا، والناشر يدفعها للمطبعة، لكن المطبعة ماكينة في النهاية، ككل ماكينة وجهاز آخر، غير بشرية، لا تملك الإدراك ولا الحساسية اللازمة وهناك تستبدل السمرة بالسدرة في سطر، ص١٣، كما استبدل الناس قاف البرتقال بالغين، وتدمج قصتا (أماكن جديدة للحذاء) و (فوق الجبل تحت الجبل) في قصة واحدة، ص٥٠.

لكن كل ذلك ليس بتلك الأهمية، يمكن قبول هذه الطبعة بغينها وقافها ورؤية قصة أخرى داخلها، لأن ما تحمله أكثر من مجرد اسم شجرة واسم قصة، فليست القصة في شكل وهيئة الكلمات، بل فيما تصوره تلك الكلمات من أحاسيس ومشاهد، نفس الإحساس الذي انطلق بها يلاقي جوابه في الإحساس الذي سيقرأها.

تصل القصص إلى قارئ يبتسم أولًا ثم يضحك من الحلاق الذي أقنع يوسف بوشعابط بأنه يشبه بوب مارلي:

ظهر أخيرًا وجه بوب مارلي في شوارع الدار البيضاء. ولكن مفاجأته كانت صادمة، بعدما اكتشف أن قلة قليلة فقط من يعرف مارلي. وهذه القلة ليست بالضرورة في صحو دائم. ص١٥

عبر هذه القصص يتعرف القارئ على لقطات حادة، كالحياة المكثفة، التي يركز عليها القاص ويستلهم منها قصصه، صور رمزية من حيوات الناس الجارية، هي في مجملها هي نفس الحياة التي نعيشها موضوعة في إطار نصي، والنص هو العمل الفني الذي يمكن الاقتراب منه وتأمله، والإشارة إليه والاقتباس منه، والبناء عليه. ومهما بدا ما تقدمه القصص للقارئ بسيطًا لأول وهلة، لكن البسيط يعطينا العمق كله، كقصة الرجل الذي يستعيد تفاصيل الحانة وروّادها، في موشور من الشخصيات المختلفة، فيما هو رهين الحبس، بسبب آخر غير السكرة في قصة سهرتان حتى الصباح ص٢١، وتفاصيل الحياة اليومية للحديقة ومحاولات المراهقين العشاق، في قصة صفارة الحارس:

تدخل بائعة ورد. العرَق ينز من جبينها ولفاع رأسها وأطراف يديها. تقف أمام كل عاشقين. لا تفارقهما بسهولة. اختبار صعب ينتهي بانتصارها في العادة. ص٣٠

تنعش القراءة هذه المجموعة القصصية وتعيدنا إلى قوة وقدرة وبراعة فن القصة الذي يبدو كأنه منسيّ من الكتاب المشغوفين أكثر بفن الرواية المكتسح، بجوائزه والروافع الإعلامية، لكن ها هنا يعود محمود الرحبي الروائي والقاص إلى حاراته الأولى، لأن الفنون في المجمل ليست متنافسة، لكن الناس كذلك، وهم يعكسون مشاعرهم التنافسية تلك على إنتاجهم، بما في ذلك الفنانين، لكن كل ذلك التدافع الطبيعي يدفع معه بالعجلة الفنية الهائلة التي نعيش فيها والتي تدور بنا وتدعى الأرض.

أدب العدد الأخير العدد الثامن والعشرون بعد المئة ثقافة وفكر

عن الكاتب

Avatar

إبراهيم بن سعيد