مرآة الطريق

Avatar
كتب بواسطة إبراهيم بن سعيد

قراءة كتاب مذكرات سال

سلامة العوفي

كنوز المعرفة، عبري ٢٠٢١م

(في حالي ولحالي، عمانيّة حتى النخاع حتى في هذا)ص١١٣

(ماذا سأفعل بكل هذه الذكريات؟ هل أدفنها؟ هل أكتبها)ص٣٣٦

سيرة ذاتية قصيرة

قد يبدو هذا العمل ظاهريًا مجرد سيرة ذاتية لفترة ابتعاث كاتبته للدراسة العليا في مدينة فانكوفر الكندية، قد ينجذب له المبتعثون عامة وخاصة الذاهبون منهم لكندا وفانكوفر تحديدًا، لما يقدمه من وصف وافٍ للمدينة والحياة بها، أو الفتاة العربية المبتعثة لتشابه الحال، لكن قراءة العمل تمنح القارئ أكثر مما يشي به المظهر، ويعود ذلك في الأساس لثرائه التأملي العميق والدقيق في نفس الوقت، كما نراه في الوعي بالذات الجمعية وبالحالة العامة التي تأتينا في إطار واضح وساخر نوعًا ما:

لدينا أولويات في عُمان أهمها امتلاك المنزل.

ص٤٦

الواتساب منصة العُمانيين الأولى ومصدر من مصادر ذهولهم وتمردهم وضحكهم أيضا.

ص٢٠٥

ولا يقتصر على ذلك فحسب بل هو نص متساءل، يحمل على عاتقه السؤال:

أمر يدعو للتأمل كيف أنا نسعى دائمًا لنشبه بعضنا.

ص٤٧

يقدم الكتاب نصّا معاصرًا وطازجًا وصريحًا يحمل نظرة المرأة العُمانية المعاصرة الصادقة لذاتها ومجتمعها اليوم، بشكل مباشر، ودون ادعاء ذلك بالأساس، متخففًا من أي رغبات أخرى مضمرة.

يوثق الكتاب لحظة تحول جوهرية في حياة صاحبته، من المسار الاعتيادي اليوم لسيدة موظفة ومتزوجة، تنتظر امتلاك المنزل وإنجاب المزيد الأطفال، وتواصل كدها اليومي لتلبية متطلبة الحياة، وضرائبها، من شهر لشهر، حتى النهاية؛ إلى مسار مختلف، بلا إطار، يفتح آفاق الحياة ويعمق التجربة الوجودية بشيء مغاير للنمط العام، لكن ذلك التحول يحدث في الغرب، وليس في الوطن الشرقي نفسه، ويدعونا للتساؤل ان كان لا لنا بد من هذا الجسر الغربي لإدراك ذواتنا وحياتنا بشكل أوضح؟

مجتمع الوصاية يمارس مهمته على أكمل وجه، الكل يعرف مصلحتك إلا أنت. أنت بالذات.

ص٤٦

نظرتان بعد مائة عام

يأخذ النص قارئه من مدينة مسقط إلى مدينة فانكوفر الكندية، لنرى التجربة من الداخل، من بداية الغرام الأولي:

الاستقرار في مدينة جديدة يشبه الوقوع في الحب أول مرة.

ص٥٧

ولا ينسى النص منذ بدايته الالتفات والاحتفاء بجمال الطبيعة وسحرها:

كان المنظر تحفة ربّانية بديعة أنستني ما أنا مقبلة بشأنه، ولو لم آت من عُمان إلا لأمتّع ناظري بتلك اللوحة الطبيعية لكفى.

ص٦٦

كما لا يخلو من إسداء نصائح عملية لجمهوره القرائي المنشود:

تريد أن تشعر بالاستقرار في مدينة جديدة بأسرع وقت؟ تخلّ عن توقعاتك.

ص٥٧

بنفس هذه الحساسية العالية يستمر النص في صفحاته ال٣٦١ صفحة، مع ارتخاء في بعض المواضع كما في ص٢٠٠ وما تلاها. لكن ذلك لا يحجب قوة وجمال العمل وصدقه التعبيري الثاقب:

العودة إلى الدراسة بعد مدة انقطاع طويلة تشبه لقاء صديق قديم.

ص١٣٧

نتعرف مع النص ككل على مساقات التفكير المختلفة والهموم التي تحيط تجارب الابتعاث، خاصة الأسري والعائلة منها التي تخوض تجربة الاغتراب للتعليم في الغرب، لما تتشاركه التجارب المختلفة من الخطوط العريضة للبيئة عمومًا، وتشابه التحديات والضغوطات والأهداف، ويمتاز هذا النص بأنه يشرّح لقرّائه حالة الغرب اليوم بثقافته وأفكاره وتوقعاته وتصرفاته، وردود أفعاله، وممارساته العامة، وردات فعل امرأة عُمانية تجاهه، كانتفاضها من دخول الحانة؟ ويضع النص بشكل عام الأطر العامة لهذا التأثر والتأثير والتثاقف المستمر بين عالمين مختلفين، وهو بشكل عام وثيقة تاريخية مهمة، تضارع في أهميتها مع الزمن أهمية مذكرات أميرة عربية للأميرة سالمة بنت سعيد أو إميلي رويته.

لا يلتقي عمل الأميرة وعمل سالمة فحسب في كون تصنيف العملين كمذكرات، لكن في أكثر من نقطة لعل أبسطها هو تقارب الاسمين، سالمة وسلامة، لكن تختار الأميرة كاسم جديد إميلي، وتختار سلامة سال، وإذا كان اختيار سلامة لاسم سال اختيارًا شكليًا لتسهيل نطق الاسم، أو تصغيره تحببًا، فإن اسم الأميرة كان تعميدًا رسميّا في الكنيسة، لكن يلتقي العملان في تأملات المرأة العربية ذات الثقافة العمانية للذات وللغرب بين ١٨٨٨م، عام إصدار مذكرات أميرة عربية، وعام ٢٠٢١م عام اصدار مذكرات سال.

العُمانيون والهنود الحمر:

يحمل هذا العمل عنوانًا فرعيّا مهمًا، قد يوحي ظاهريًا بالاغتراب والاختلاف شكلًا، لكنه يحمل رسالة ضمنية: عمانية في أرض الهنود الحمر، أرض الهنود الحمر التي لم يعد يحكمها أهلها، وإن كان وضع الهنود الحمر في كندا، ظاهريًّا على الأقل، أفضل منه في الولايات الأمريكية المتحدة، ولقصة الهنود الحمر كتب ومراجع متخصصة يكفينا هنا الإشارة منها إلى كتاب فتح أمريكا لتزفيتان تودورف، لكن فيما يخص كتابنا هذا سيدهشنا أن لقاء الكاتبة بالهنود الحمر هو الذي يعيدها إلى عُمان، في فصل بيتر وحكايات أبي، من مبدأ بسيط واحد هو الثقافة القديمة، الإرث المعرفي، وبأي نظرة يمكننا النظر إلى تراثنا:

كم مرة نعتنا معتقدات الجدات بالخرافات؟ كثيرًا للأسف.

ص١٦٣

هكذا تعود الكاتبة للغوص في تراثها العُماني الشرقي الخاص من بوابة لقاء الأستاذ الهندي الأحمر الكندي الغربي، ولذلك أكثر من دلالة مؤثرة:

كان بيتر يسعى دائمًا لحثّنا نحن الطلاب على الاستفادة من الخبرات الأصيلة المتراكمة جيلًا بعد جيل لقرون طويلة لتشكيل معارفنا وتأسيس قناعاتنا البحثية وعدم الارتكاز على المنهجية العلمية فقط التي هي قاصرة في الإحاطة بكل الظواهر الكونية والإنسانية.

ص١٦١

إن التحول الذي أشرنا له بداية هذه القراءة ليس ظاهريًا، ليس التخلي عن البيت العُماني من أجل استئجار بيت كندي، بل هو تحوّل داخليّ عميق، في النظر إلى الأشياء وإعادة تقييمها تقيمًا حقيقيًّا غير شكلي، في تثمين الوجدان الباطن وجواهره، وليس الشكل الظاهر وممتلكاته، هكذا يلتقي في نظر الكاتبة ونصها في لحظة من لحظات الزمن العمانية والهندية الحمراء:

من خلال بيتر علمت كم أن الإنسان يشبه أخيه الإنسان مهما تباعدت أفكارهم واختلفت قسمات وجوههم، فلا فرق كبير بين جدة عُمانية تعيش اليوم في قمم جبال الحجر الغربي وبين أخرى سكنت أدغال القارة الأمريكية قبل مئات السنين.

ص١٦٤

طريق المرآة:

يقدم الكتاب لقارئه الكثير من المدهش والمثير، بما يحمله من نظرة المرأة المعاصرة للقاء الثقافة العمانية العامة اليوم بالثقافة الغربية، خاصة في مواضيع كالمعتقدات الدينية ص١٧٣، والسحر والحسد والمثلية، والحجاب والنفور من المشرب وتجنّب العناق والمصافحة، ومسائل أخرى تبدو مما لم يحسم ويتضح بعد، كقصة البيت المهجور ص١٨٨، حيث تروي الكاتبة تقديمها ورقة عن فضل التعليم المعاصر على تقدم المرأة خلال جيل واحد، ورغم دموعها التي سالت بعد تقديم الورقة، لا يتساءل النص هل رواية الحكاية من هذه الزاوية “الرسمية” هي الرواية الوحيدة الممكنة، أم هي الزاوية الأنسب لرؤية تحول كلي شامل دخل فيه العالم بأكمله، وهل كان الجيل الأسبق مذنبًا باختياره أم باضطراره، أم أن للاستعمار والهيمنة الغربية دورًا رئيسيًا قديمًا في انهيار الشرق.

مثلما أن نص الكتاب تعبير صادق عن الذات المعاصرة، وما يتنازعها، من محاولاتها الجاهدة للتوفيق بين القواعد الفقهية الثقافية السلوكية والتعايش في المجتمع المفتوح، والتخلص في نفس الوقت من النظرة الضيقة للمرأة المسلمة المعاصرة:

مسلمات ينظر إلينا على أننا الحلقة المضطهدة الأضعف في هذا العالم.

ص٢٦٠

كتاب مذكرات سال كتاب شيّق، غنيّ بصوته ونبرته وزاوية نظره، ربما تعوزه بعض المراجعة اللغوية والتحريرية الدقيقة، والتخلص من الزخارف، ولعله يشكو كذلك من غياب شخصية الزوج الذي لا يظهر إلا ظهورًا خاطفًا كما علق أحد الأصدقاء الكتّاب بعد قراءته للعمل، لكن ذلك لم يمنع الكتاب من تقديم كثير من القضايا والتأملات العميقة المثيرة للأسئلة، أكثر مما يمكن إجماله في قراءة عابرة، وهو شهادة تضاف لشهادات اللقاء الشرقي الغربي، والتأثر والتأثير بين ثقافتين إحداهما مركزية اليوم والأخرى هامشية، وعن التحول الكبير من حياة السيدة الموظفة في عُمان إلى حياة الطالبة في فانكوفر ص٣١٨؛ مذكرات سال ليس كتابًا عن بداية ونهاية الرحلة ونتائجها بقدر ما هو كتاب عن الطريق:

للطريق آذان يصغي بها.

ص٣١١

أدب العدد الأخير العدد التاسع والعشرون بعد المئة ثقافة وفكر

عن الكاتب

Avatar

إبراهيم بن سعيد