برنارد لويس.. عراب التفتيت

Avatar
كتب بواسطة سمير أحمد الشريف

برزت ظاهرة الاهتمام بالوطن العربي في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، بظهور أعداد من المتخصصين في كل من أوروبا وأمريكا، ممن عكفوا على دراسة الإسلام، وأوجدوا لذلك مراكزهم البحثية وكتبوا ونشروا ما لا يُحصى من الكتب، دون أن يتسرب الشك أن الكثير من أولئك المهتمين قد عمل تحت مظلة البحث والموضوعية، وأن البعض منهم كان عينا للغرب قدم له التقارير والتوصيات التي ترمي للوقوف على أيسر الطُرق لاختراق المجتمعات العربية الإسلامية، والتوصل لكيفية العمل على تشويهها من توظيف الاختلافات وبث الصراعات.
برناد لويس، يهودي من أصل بريطاني ، قرأ تاريخنا الإسلامي وفرقه متوقفا بعمق أمام الحقبة العثمانية، وتمكن من نقل الصراع العربي ضد الصهاينة إلى صراع عربي عربي، وعربي إيراني.
ظهر “برنارد لويس” كونه المستشرق الأكثر اهتماما بتاريخ الإسلام، وهو الذي وضع يده كما يظن على حالة العداء الدائم من قبل المسلمين تجاه الحضارة الغربية والغرب الاستعماري، عادًّا المسلمين في المحصلة، يشكلون خطرًا على الحضارة الغربية، متأثرا بتعصبه، ناظرا للتاريخ الإسلامي بمنظار المتحيز للمشروع الصهيونيّ، فإذا ما أدركنا عمق تواصله مع المؤسسات الاستخبارية الأوروبية، عرفنا توصّل للأرقام والإحصائيات التي لا تتوفر لغيره، الأمر الذي مكّنه من قراءة التحولات الديمغرافية التي تنخر مجتمعات أوروبا، مثل هجرات المسلمين بإعداد كبيرة، وتراجع نسبة المواليد في أوروبا، مما يجعل الأخيرة في مرمى خطر الأسلمة، وهو من الأخطار التي تُضاف للخطر الإسلامي على أوروبا كما يزعمون، من هنا كرّس برنارد لويس جل كتاباته ومقترحاته مناديا بتفتيت دول العالم الإسلامي على أسس دينية ومذهبية وعرقية وتحريك الأقليات، والملفت أن ذلك جاء بعد قيام دولة الكيان، ليصبح العالم العربي لوحة من فسيفساء ضعيفة، وذلك في زعمه ما يضمن للكيان الصهيوني البقاء لأطول مدة ممكنة، فقد أدرك برنارد لويس أن سرّ قوة المسلمين في وحدتهم بعد قوة رسالتهم وعالميتها.
هذا المستشرق الذي خدم في الجيش البريطاني خلال الحرب العالمية الثانية، وعمل لدى هيئة الاستخبارات عام 1940، تقدم بطلب لدى السفارة الإسرائيلية بباريس عام 1967 ليقبلوه متطوعا في الجيش خلال تلك الحرب.
تخرج برنارد لويس عام 1936 من كلية الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن متخصصا في التاريخ وتاريخ الشرق الأوسط والأدنى، وحصل على الدكتوراه عام 1939 متخصصا في تاريخ الإسلام . التقى برنارد لويس مع المستشرق الفرنسي (لويس ماسينون) في جامعة باريس طالبا وحصل على دبلوم الدراسات السامية.
أشرف برنارد لويس على كثير من رسائل الطلاب العرب في جامعة لندن وحصل في عام 1982 على الجنسية الأمريكية وأصبح أستاذا زائرا للعديد من الجامعات الأوروبية والأمريكية منها جامعة كاليفورنيا وجامعة كولومبيا وإنديانا وبرنستون.
ظهر عمق ارتباط برنارد لويس بالحركة الصهيونية من خلال موقفه الذي كان واضحا بعد عام 1967كهجومه على قرارات الأمم المتحدة عام 76برفضه إدانة الحركة الصهيونية بالعنصرية، ونبع ذلك إصداره لكتابه (الساميون- العداء للسامية)، واحتفاء مركز (موشيه دايان) لدراسات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا به على مدار يومين، وتبرعه بمكتبته بعد موته لهذا المركز، عند وقوع حادثة البرجين في سبتمبر 2011 إلى تل أبيب ولقائه بقيادات وزارة الخارجية وجهاز الاستخبارات الإسرائيلي، طارحا كل الخيارات للاستفادة من الحدث بما يخدم الصهيونية كاتهام العرب والمسلمين عبر وسائل الإعلام العالمية، وحث واشنطن للدخول في حرب ضد حركة طالبان تحت مسمى الحرب على الإرهاب والعمل على استنفار المجتمع الدولي ضد العرب والمسلمين.
تأثر برنارد لويس بالمدرسة الاستشراقية البريطانية والأمريكية وفي المقدمة منهم المستشرق الانجليزي (Gibb) الذي أشرف على رسالة برنارد لويس لمرحلة الدكتوراه وراجع له الكثير من كتبه قبل طباعتها والمعروف أن هاملتون جب من المروجين بعمق لكراهية الاسلام والعداء له خاصة في كتابيه:Whither Islam وModern Tends In Islam.
ركّز برنارد لويس في كتبه ومحاضراته على فكرة إنهاء الوطن العربي وتفكيك دُوله، بتكريس مبدأ التفتيت، رابطا ذلك بنظرية الفوضى الخلاقة، وهذا ليس بغريب على من يرى العرب والمسلمين فاسين مفسدين فوضويين، لا يمكن تحضرهم، وإذا ما تُركوا لأنفسهم فسوف يفاجئون العالم المتحضر بموجات بشرية إرهابية تُدمر الحضارة، وأن الحل الوحيد معهم هو إعادة احتلالهم واستعمارهم وتدمير ثقافتهم الدينية ( ص 64: برنارد لويس مهندس سايكس بيكو 2 لعادل الجوجري).
في ظل ما يعتور عالمنا العربي من عنف وصراعات دموية، وحروب طائفية تنهض على أسس دينية و عرقية، ومع تداول الكلام وانتشاره حول وجود مخططات كانت تحاك في الخفاء وبدأت تظهر علانية ضد العرب ومكونهم العقدي والحضاري/ الإسلامي ليتم ذلك ليس عبثا ولا محض صدفة بعد مائة عام على اتفاقية سايكس بيكو، التي قسمت الدولة العثمانية بمكر الإنجليز وتخاذل العرب.
المخططات الجديدة التي حمل لواءها وتزعم قيادتها المستشرق “برنارد لويس ” والتي تهدف لتفتيت الدول العربية وتحويلها إلى دويلات متطاحنة ممزقة تعتمد البعد الطائفي والمذهبي بوصلة للوجود والعلاقة بالآخر ، وذلك أملا بظهور كيان إسرائيل دولة مركزية وحيدة تتحكم في المنطقة تنفيذا لحلم توراتي، من النيل إلى الفرات، اعتمادا على نظرية الفوضى الخلاقة التي تضمنتها “وثيقة برنارد لويس”، والتي أقرها الكونغرس الأمريكي سنة 1983.
“برنارد لويس” المستشرق البريطاني والمؤرخ المختص في الدراسات الشرقية الإفريقية بلندن، يُنظر له كعراب أخطر مخطط في القرن العشرين لتجزئة العالم العربي لدويلات إثنية ومذهبية. وهو منظّر التدخل الأمريكي في المنطقة خلال إدارة جورج بوش وما سُمي زورا بحربه ضد الإرهاب بهدف أبعد يلتقي مع نظرية شرق أوسط جديد ينهض على أنقاض سايكس بيكو، وتولت كبر التبشير بها في حينه “كونداليزا رايس”، بدءا من 2006 ومرورا بما قيل أنه ربيه عربي.
توصّل “برنارد لويس” لهذا الخبث بعد دراسات معمّقة لبنى العالم العربي ووضعة الكثير من التصانيف الخاصة بالشرق الأوسط ووقف مليا أمام أنظمة الحكم خلال العهد العثماني، ويكفي أن نلقي نظره على بعض كتبه لنعرف توجهها ومضمونها ك “حرب مندسة و إرهاب غير مقدس” “أزمة الإسلام” “مستقبل الشرق الأوسط” “العرب في التاريخ” “لحداثة في الشرق الأوسط الجديد، ظانا أن القبلية و العشائرية في الدول العربية ستحول دون أن ينجح العرب ببناء دولة حديثة، ولهذا وجه أصحاب القرار في أمريكا ضرورة وأهمية استثمار التناقضات والعصبيات والطائفية لصالح مشروعها الإستراتيجي، ومن هنا ظل يردد مقولته: إن العرب والمسلمين قوم فاسدون مـُفسدون فوضويون لا يمكن تحضيرهم وأنهم إذا تـُركوا لأنفسهم فسوف يفاجئون العالم المتحضر بموجات بشرية إرهابية تدمر الحضارات وتقوض المجتمعات لهذا نصح بالعمل على إعادة تقسيم الأقطار العربية والإسلامية إلى وحدات عشائرية وطائفية.

المراجع:

  • أزمة الإسلام ترجمة حازم مالك حسن ،دار صفحات للنشر ، دمشق 2013.
  • العرب في التاريخ ترجمة نبيه فارس محمود ،دار العلم للملايين ، بيروت 1954.
  • لغة الاسلام السياسي ترجمة عبد الكريم محفوظ ،دار جفرا ، 2001. د م ن
  • اليهود في ظل الاسلام ترجمة حسن أحمد بسان ، دمشق 1995، مركز الدراسات العسكرية.
العدد الأخير العدد التاسع والعشرون بعد المئة ثقافة وفكر سياسة

عن الكاتب

Avatar

سمير أحمد الشريف