“القوى والعروش”، التاريخ الحديث للعصور الوسطى

Avatar
كتب بواسطة سماح ممدوح حسن

بقلم: كيفن سترود
ترجمة: سماح ممدوح حسن

يتراجع العلماء أمام مصطلح “العصور المظلمة”ودان جونز يشرح لماذا.
غالبًا ما يكتسب هؤلاء ممن يكتبون عن تاريخ العصور الوسطى قناعة كبيرة بأن أفضل الطرق للتحدّث عن هذه الفترة هي أن تربط ما تحكيه بالقارئ الحديث، وإن على مؤرخ العصور الوسطى الذكي أن يجد طريقة لتكثيف السجل التاريخي الغامض لهذه الفترة في قصة موجزة ومقنعة متصلة بالأحداث وسهلة، وهي مهمة شاقة، لكن لحسن الحظ استطاع”دان جونز” إنجاز تلك المهمة في كتابه الأخير”القوى والعروش، التاريخ الحديث للعصور الوسطى”يسرد لنا جونز الأحداث والشخصيات الرئيسية التي عرّفت الألفية الممتدة من سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية وحتى فجر التاريخ الحديث.
لم يكن تناول جونز هذه الموحلة من التاريخ بالكتابة مسألة غريبة، فكتبه السابقة كانت عبارة عن كتب لاستكشاف موضوعات تاريخية مشهورة من بينها، أسرة بلانتاجانيت إنجلترا، وحرب الورود، والحروب الصليبية، لكن الآن توسع نطاق كتاباته ليشمل العصور الوسطى في كتابه”القوى والعروش” يقدم جونز موكبا من الملوك، ورجال الدين، والفاتحين المنتصرين، والفنانين، مما أنتج تاريخا حيويا غالبا ما سيقرأ كالرواية، لكنه يُثري روايته بالموازنة الدقيقة بين تدفق الشخصيات مع الحكايات التاريخية والأحداث المحددة للعصر، ولترسيخ قصص العصور الوسطى المنتشرة، ركز جونز على اللبنات الأساسية في العصور الوسطى وخاصة تلك التى وصلت إلى عصرنا الحديث كأنه مدير متحفا، ويبني عرضا مبهرا للجمهور العريض. ففي هذا الكتاب يقلل من مجموعته التي يبدو أنها لا تنتهي من القصص والحكايات والنوادر، والاستطرادات المحتملة والجذابة عن أساسيات تلك الحكايات، ويسلط الضوء على الخيوط المشتركة العابرة للعصور، وعلى هذا الأساس، يبين جونز في كتابه أن روما لم تكن مجرد قوة عسكرية قديمة ومهيبة فقط، بل كانت مصدر القانون الروماني، واللغات اللاتينية الحديثة، والإيمان المسيحي الذي سيهيمن على المجتمع الأوروبي.
وأيضا، الغزوات الجرمانية للأمبراطورية المنهارة، لم تكن مجرد جماعات بربرية، بل كانت عملية أنشأ من خلالها جزء كبير من السياسة الأوروبية الغربية. وحتى الفتح الإسلامي للعالم العربي، لم يكن فقط لموازنة ثَقل انتشار المسيحية في أوروبا، لكنه كان المصدر للعديد من الإنقسامات الدينية التي أبتلي بها الشرق والغرب على حد سواء إلى يومنا هذا.
أما وصول الفايكينج لم يكن فقط لنهب الأديرة والخزائن الملكية بل كان أول رابط أوروبي بأمريكا الشمالية، وهذا أيضا ما شّكل العلاقة الأنجلو_فرنسية، عبر إنشاء النورماندي.
لدى جونز العديد من المسائل ليغطيها لكنه استطاع التطرق إلى الموضوعات الأساسية، كما لو كان يلعب لعبة الأحجية، يضع كل قطعة في مكانها الصحيح ليظهر منها، بالتدريج، شكل العالم الحديث.
حتى هوامش الصفحات لديه، كتبها خصيصا لربط خيوط القصة بالعالم المعاصر. فمثلا، حدد فيها أوجه الشبه بين دور الهوية الإقليمية في إمبراطورية شارلمان وبين الطلاق السياسي الذي حدث فى البريكست.
وفي الهوامش أيضا قارن بين مدى تخطي الأديرة المبكرة وسلتطها خارج الحدود الإقليمية، وبين الإنطلاق الخارجي للأمازون وفيسبوك. أيضا قصة”بيتر إبيلارد” العالم الفرنسي المشهور، والذي قدمه كمثال لما يُعرف حديثا ب”ثقافة الإلغاء” وكلها ملاحظات كتبها بهدف إشراك القارئ، ونقل موضوعات الكتاب الأساسية إليه.
يتكئ كتاب”القوى والعروش” بشكل أساسي على تنظيم الوقائع التاريخية أو (الكرونولوجي) بعدة موضوعات تاريخية أساسية شّكلت وحددت العصر، لكن جونز تعامل مع كل موضوع من هذه الموضوعات على أنه موضوع مميز بتوضيح خلفيته، ووضعه فى سياق أكبر، ونتيجة لذلك كان السرد يزيد في بعض المواضع، مثل مناقشة لقب الفروسية الممتدة لما يقرب من ثمانية قرون، بدأ من التأسيس وحتى حب هنري الثامن للمبارزة (المجاولة بالرماح من فوق الأحصنة)، لكن بالنسبة لهؤلاء ممن يفضلون التزام التاريخ بجدول زمني صارم، يمكن أن يكون هذا المنهج القائم على الموضوعات محبطا لهم في بعض الأحيان، لكن هذا يسمح لجونز باكتشاف القضايا التي تحدد العصور الوسطى، ويوضح من خلالها كيف أن تطور كل خطوة منها أسهم في تطور أوروبا، وبطريقة تتيح للقارئ ربط جميع النقاط معا.
يذكّرنا كتاب”القوى والعروش” لما يتراجع العلماء المعاصرون عند الإشارة إلى مصطلح”العصور المظلمة”وذلك لآن الفكرة العامة عن هذه العصور، خاصة الفترة الأولى منها، تتسم بالبربرية والجهل، لكن مجموعة جونز من الأدلة تدحض هذه الأفكار وتثبت عكسها.
فهو يوضح الثقافة المتطورة للقبائل الجرمانية التي أنتجت الأمبراطورية الكارولنجية. والإرث المتواصل للأمبراطورية الرومانية البيزنطية، والمساهمات العلمية للكتاب المسلمين فى كل أرجاء منطقة حوض البحر المتوسط.
ولتكن متأكد أن كتاب”القوى والعروش” لن يخلو من القيود. فالكتاب يراجع كل القضايا المألوفة التي تناولها علماء كُثر، وأيضا على القارئ ألا يتوقع الغوص عميقا في التاريخ العسكري أو اللغوي أو الأدبي أو تارخ القانون لتلك الفترة. لكن في النهاية قام كتاب”القوى والعروش” بما يجب أن يفعله التاريخ العام لتاريخ العصور الوسطى بأن وفر للقارئ إطار لفهم موضوعات معقدة، وفي الوقت عينه يحكى قصة حقبة أساسية من تارخص العالم بمهارة وإبداع.
نشر هذا الكتاب فى ستمبر2021، وكان على قائمة الترشيحات لأفضل كتاب في صحيفة نيويورك تايمز، حيث نشر المقال الأصلى لهذه الترجمة.

العدد الأخير ترجمات سياسة

عن الكاتب

Avatar

سماح ممدوح حسن