المشهد الفلسطيني بـ 2022 ما بين قرارات إعلامية وانسداد الأفق

Avatar
كتب بواسطة عبد الرحمن محمود

ثلاثة عقود تقريبًا هو عمر مسيرة المفاوضات بين دولة الاحتلال الإسرائيلي ومنظمة التحرير الفلسطينية التي انطلقت سرًّا بالعاصمة النرويجية أوسلو، قبل أن تخرج إلى اتّفاق مُعلنٍ وقع بـ 13 سبتمبر 1993 داخل البيت الأبيض الأمريكي، مُؤسّسًا لمرحلةٍ جديدةٍ من تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي.
في نهار ذلك اليوم التقطت عدسات الكاميرا لحظات تاريخية تمثلت بتصافح الرئيس الراحل ياسر عرفات ورئيس وزراء الاحتلال إسحاق رابين بحضور الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، بعدما وقّع الاتفاق عن الفلسطينيين محمود عباس (رئيس السلطة حاليا) وعن الاحتلال وزير الخارجية آنذاك شيمون بيريز.
شكّلت الاتفاقية نقطة تحوُّلٍ في مسار النضال الوطني ضد الاحتلال، والنتيجة اعتراف كل جانب “بالحقوق الشرعية والسياسية المتبادلة” للطرف الآخر، وما تبع ذلك من إنهاء المواجهة المسلّحة بين المنظمة و(إسرائيل)، وميلاد سلطة وطنية في الضفة الغربية وغزة تضمّ أجهزة أمنية ومؤسسة للرئاسة ومجلسًا تشريعيًّا كنواةٍ للدولة الفلسطينية على حدود عام 1967.
“أوسلو” نصّت على البدء في مرحلة مفاوضات الوضع النهائي بعد انقضاء المرحلة الانتقالية- لا تزيد عن خمس سنوات- لتبحث بعد ذلك القضايا الأساسية العالقة ووضع مدينة القدس، والمستوطنات، واللاجئين وحق العودة، والترتيبات الأمنية، والحدود، وذلك استنادًا إلى قراري مجلس الأمن 242 و338.
ونتج عن الاتفاقية تقسيم الأراضي الفلسطينية في الضفة المحتلة إلى أربع مناطق غير متجاورة (أ، ب، ج، د) وُزّعت فيها الصّلاحيات الإدارية والأمنية بين الاحتلال والسلطة، ومقابل ذلك انتهت مدة المرحلة الانتقالية ولم يجرِ البت في القضايا العالقة.
حاول الجانب الأمريكي تسوية الخلافات بعقد جلساتٍ تفاوضيةٍ جديدةٍ في اتفاقية طابا 1995 ثم اتفاقية شرم الشيخ 1999 وصولًا إلى مفاوضات كامب ديفيد في صيف 2000التي جمعت رئيس المنظمة “عرفات” مع رئيس وزراء الاحتلال آنذاك إيهود باراك.
المحاولات الأمريكية على تعدُّدها لم تنجح في الوصول إلى حلولٍ نهائية والسبب باختصار أنّ “أقصى ما وافقت إسرائيل على تقديمه للفلسطينيين على طاولة المفاوضات، كان دون الحد الأدنى عند الجانب الفلسطيني”.
في خِضمّ ذلك اندلعت انتفاضة الأقصى بسبتمبر 2000 ورغم ما شهدته الانتفاضة من بشاعة في العدوان الإسرائيلي، إلا أنّ اللقاءات الثنائية تواصلت حتى توقّفت الانتفاضة مطلع 2005 بعد توقيع اتفاق الهدنة بشرم الشيخ والذي جمع الرئيس المنتخب حديثًا محمود عباس وأرئيل شارون عن الجانب الإسرائيلي.
فلسطينيًا كان يُتأمّل أن يترتّب عن الاتفاقية الجديدة الانطلاق في مسارٍ تفاوضيّ جديدٍ ينتهي بوضع النقاط على الحروف بما يتعلق بقضايا الحل النهائي خاصة مدينة القدس والاستيطان الإسرائيلي وإقامة الدولة الفلسطينية، ولكن دون ترجمات حقيقية على الأرض.
تواصلت محاولات إحياء عملية المفاوضات، من خلال محادثات أطلقها الرئيس السابق بيل كلينتون بآخر عهده وقد عرفت بمفاوضات طابا 2001، لم يُكتب لها النجاح لتتهيّأ الظروف للإعلان عن مبادرة السلام العربية التي نصّت على ضرورة انسحاب إسرائيل إلى حدود 67 والسماح بإقامة دولة فلسطينية وإيجاد حل عادل لحق العودة.
وفي مقابل ذلك- حال التزام إسرائيل بالمبادرة- ستعترف الدول العربية بحق إسرائيل في الوجود، ثم تواصلت المحاولات بخارطة الطريق 2003 التي أشرفت على إعدادها اللجنة الرباعية المكونة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وروسيا، وتبع ذلك ما عُرف باتفاقية جنيف، ثم أنابوليس 2007، وجولات مكوكية من محاولات إحياء المفاوضات وتسوية الخلافات التفاوضية بين الطرفين.
وبعد كلّ ذلك يبقى السؤال مشروعًا هل وضع مسار المفاوضات النقاط على الحروف، وما هي الإخفاقات والمكاسب؟
لغة الأرقام يمكن أن تجيب، على سبيل المثال قفز عدد المستوطنين منذ عام 1992، من 107 آلاف مستوطن إلى 145 ألفَ مستوطنٍ خلال عام 2000، بالإضافة لبناء 4 آلاف وحدةٍ سكنيةٍ جديدةٍ في مستوطناتِ القدس، بينما كان عام 2020 الأسوأَ على القضية الفلسطينية بعد تسجيل معدلات غير مسبوقة بوتيرة الاستيطان.
فشهد 2020 بناء 6125 وحدة استيطانية جديدة، كما تمّ طرح مُخطّطات بناء 12 ألف وحدة استيطانية أخرى، استكمال تقسيم الضفة الغربية إلى “كانتونات” معزولة، بجانب تسجيل أكبر عملية استيلاء منذ أكثر من 25 عامًا نفّذها الاحتلال عبر مصادرة 11200 دونم وإعلانها محميّات طبيعية في مناطق “ج”.
وفيما يتعلق بالعاصمة الفلسطينية القدس، فالمفاوض الفلسطيني يطالب دولة الاحتلال الاعتراف بالجزء الشرقي للمدينة كعاصمة للدولة المُرتقبة، ولكن الجانب الإسرائيلي يرفض ذلك ويعدّ الأمر محسوبًا (قانونيًا ودينيًا) كون القدس عاصمة أبدية وموحدة لدولة إسرائيل، خاصة بعد الاعتراف الأمريكي بذلك، ثم نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس بـ 14 مايو 2018 في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب وفق أجندة (صفقة القرن).
المعطيات السابقة، تشير إلى أن الإخفاقات كان فيها نصيب الأسد للفلسطينيين طوال 29عامًا من مسيرة المفاوضات المباشرة ومقابل مكاسب تكاد تكون لا حصر لها عند الاحتلال في تعزيز سيطرته على الأرض وتنفيذ مخططاته التهويدية مع ضرب ما عُرف “خيار الدولتين” بعرض الحائط.
ويؤكد ذلك ما جاء على لسان رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو – يُعتبر صاحب أطول مدة كرئيس حكومة (لإسرائيل)- الذي صرّح في مارس 2019 أنه “لا حقوق قومية لفلسطينيي عام 1948، ولا للشعب الفلسطيني كلّه في فلسطين التاريخيّة المحتلة منذ النكبة. والعرب ليسوا بحاجةٍ لدولة جديدة فلديهم 22 دولة”، مؤكدا في تصريح آخر على “أحقية كل فرد يكون له بيتٌ وقبرٌ في الأرض المقدسة”.
وهنا تجدر الإشارة إلى وجود جملة من الأسباب التي تؤسّس لمرجعية المفاوضات لدى منظمة التحرير، أبرزها: انسجام مسار المفاوضات الذي تقوده المنظمة مع التغيير الذي طرأ على الميثاق الوطني في إبريل 1996 عبر إلغاء البنود التي تتعارض مع اتفاقية أوسلو، بما يعني نبذ الكفاح المسلح والالتزام بخيار السلام حصرا، وفق مقولة “الحياة مفاوضات” التي كان يرددها كبير مفاوضي المنظمة صائب عريقات.
وعلى ذلك علق الكاتب والأكاديمي عبد الستار قاسم في مقال له قائلا: “الجانب الفلسطيني لن يجد شيئا يعمله إن توقفت المفاوضات، وسيجد نفسه غائبا عن الإعلام والنشاطات الدولية إن توقفت، ولهذا ردّد رئيس السلطة باستمرار أنه مع المفاوضات، وإن فشلت فإنه سيفاوض، وإن فشل الفشل فإنه سيفاوض. فهو لا يملك خيارات ولا يبحث عن خيارات، ولا يرغب في عمل شيء غير المفاوضات”.
ويضيف قاسم: “الدخول في المفاوضات عند الفلسطينيين، افتقر للشروط الموضوعية والمهنية التي تقود إلى إحراز تقدم وذلك بسبب الضعف الفلسطيني، حيث ذهب الفلسطيني إلى طاولة المفاوضات وهو لا يملك أوراقا يلعب بها على الطاولة”.
وعلى ضوء انسداد المشهد السياسي وأفق التسوية من خلال المفاوضات، خاصّة في ظلّ سيطرة قوى اليمين الإسرائيلية على البرلمان الحاكم منذ قرابة العقدين والرافضة لحلّ الدولتين، نجد أنّ قيادة المنظمة والسلطة الفلسطينية لا تملك إلا التلويح بردودِ فعلٍ لم تخرج من نطاق “حبرًا على ورق”.
فللمرة الثالثة قرّر المجلس المركزي للمنظمة وهو (هيئة دائمة منبثقة عن المجلس الوطني الحامل للصفة التشريعية بمنظمة التحرير) إنهاء التزامات منظمة التحرير والسلطة بالاتفاقيات مع سلطة الاحتلال، وعلى رأس ذلك تعليق الاعتراف بدولة (إسرائيل) لحين اعترافها بدولة فلسطين على حدود حزيران 1967 بعاصمتها القدس الشرقية.
والمجلس المركزي سبق وأن اتّخذ ذات القرارات في اجتماعاته خلال 2018 و2015 دون تنفيذها، وكان الطلبُ الأخيرُ قد جاء عقب انتهاء الدورة الـ 31 للمجلس المركزي بمطلع فبراير الجاري، الذي لاقى انعقاده تباينًا حادًّا في الآراء بين من يرى أنّ نتائجه تُعزّز سياسة الهيمنة والإقصاء في ظلّ تعطيل الانتخابات العامة منذ 16 عامًا، وبين من يرى أنّ الجلسة سعت لضخّ دماء جديدة للمنظمة.
الكاتب السياسي عمر جعارة يعلّق على ذلك بالقول: “القيادة الفلسطينية برمّتها تعاني حالة ضعفٍ وانقسامٍ على ذاتها لم يسبقْ له مثيل، بعدما لم تُحدثْ مسيرة المفاوضات اختراقًا حقيقيًّا في مسيرة التحرُّر الوطني، وبدل ذلك زاد الأمر تعقيدا مع مزيدٍ من الاستيطان وعمليات التهويد”.
ويتابعُ جعارة في حديثه لمجلة “الفلق”: “تعلن القيادة بين الحين والآخر عن وقف العمل بالاتفاقيات خاصة أوسلو، التي لم تلتزم بها إسرائيل من الأساس منذ توقيعها، وهي من ناحية قانونية منتهية الصلاحية لأنها مرتبطة بمرحلة انتقالية، وكلّ ذلك على أمل أن تشكّل تلك الإعلانات ورقة ضغطٍ على المجتمع الدولي لتحريك المياه الراكدة ولكن دون فائدة”.
حول البعد المستقبلي للمفاوضات، يقول جعارة: “سواء انطلقت المفاوضات مجدّدا أو بقيت متعطّلة، فإسرائيل غير متضررة وتكسب المزيد من الوقت لتحقيق مكاسب على الأرض، بينما الطرف الفلسطيني يتكبد خسائر متزايدة ويتحول حلم دولته إلى كانتونات، كونه يعدّ المفاوضات خيارًا إستراتيجيًا ولا هدف بعده”.
والموقف الغربي الذي تتصدره الولايات الأمريكية لا يغرّد بعيدًا عن الرغبات الإسرائيلية- والحديث لجعارة- الذي أوضح أنّ الجانب الأمريكي لا يجد نفسه مُلزما ببث الحياة بالمفاوضات ما دام الاحتلال يحقق ما يريد، وتحديدًا بعد الوقائع الجديدة التي فرضها دونالد ترامب خلال فترة حكمه من تبنٍّ للرواية الإسرائيلية بالكامل وإغلاق الباب في وجه المفاوض الفلسطيني.
ويشير إلى أنّ الموقف العربي يبقى مرتبطًا بالتحركات الأمريكية ومُقتصرًا على المباركة دون المبادرة، مثلما تثبت ذلك في مسيرة المفاوضات المتكررة في المكان الزمان.
ويرى جعارة أنّ المشهدَ العام للوضع الفلسطيني يستلزم وبشكلٍ عاجلٍ فرزَ قيادةٍ جديدةٍ عبرَ إجراء انتخاباتٍ عامّةٍ بما يساهمُ في الاتفاق على إستراتيجيات للتحرُّر ِ وبناءِ الدولة وفقَ المُعيطاتِ الواقعيّة طوال الـ 30 عامًا الماضية، وبما يضمنُ إعادة إحياء منظمة التحرير كمُمثّل شرعيّ ووحيدٍ للشعبِ الفلسطينيّ بأطيافهِ كافة في الداخل والخارج.

مراجع:
مقال للدكتور عبد الستار قاسم بعنوان “استمرار المفاوضات الفاشلة”
https://bit.ly/3sV0CdR

العدد الأخير العدد التاسع والعشرون بعد المئة ثقافة وفكر سياسة

عن الكاتب

Avatar

عبد الرحمن محمود