إنه لعمل غريب ذلك الذي يمكن به جعل الشرفاء يضحكون “.. موليير “
شهد المسرح الأوروبي محطات مهمة من تاريخه خلال القرن الثامن عشر، ولعل وفاة موليير هي إحدى تلك المحطات اللافتة، فما أن مات ذلك المؤلف العبقري، لم تجد فرقته طريقا لها للبقاء سوى الانضمام مع فرقة ماريه، ثم فرقة هوتيل دي بور جوني، لتتكوّن بعدها وبمرسوم ملكي فرقة الكوميدي فرانسيز. وطوال القرن الثامن عشر، لم يكن لهذه الفرقة إلا منافساً واحداً هو المسرح الروماني الذي امتص بعد عام 1750 مسرح الفوار لكي يشكل الاوبرا كوميك.
ولقد استوحي مؤلفو المسرحيات الكوميدية بأوروبا في القرن الثامن عشر مؤلفاتهم من موليير فاختار بعضهم تمثيلياته المضحكة التي يغلب عليها التهريج والمرح، فيما لجأ آخرون إلى التمثيليات التي تتناول السلوك والأخلاق، بينما عمد فريق ثالث إلى محاولة العثور على ذلك السر الكامن للمسرحية الكوميدية. وكانت مسرحية” زواج فيجارو “التي عُرضت عشية الثورة، واحدة من الأحداث المسرحية الكبري التي لم تعرف إلا تجديداً واحداً، هي المأساة البرجوازية لديدرو.
موت التراجيديا
لقد أُضيف إلى مفهوم الواجب الذي كان سائداً خلال القرن السابع عشر مفهوم آخر هو الخاص بالحقوق، ويتضمن أن الفرد المادي قد أصبح من حقه بالفعل أن يتمتع في هذه الحياة بالعدالة والهناء المادي وبالسعادة، فلقد اتخذت الحياة الاجتماعية أهمية كُبرى، وكل إنسان يريد أن ينسي المتاعب وأن يتلاشى لديه الشعور بالحزن، وقد أصبح الحب متعة بعد أن كان أحد المشاعر والأحاسيس وهذا هو السبب في أن ذلك قد انتشر تدريجيا رغم الجهود التي بذلها والمعالجة التي حاولها كل من كريبيون وفولتير لبعث التراجيديا من جديد.
ومع ذلك فقد مضى كريبيون في الطريق الذي رسمه راسين وكورناي إلا أنه لإثارة جمهور المشاهدين عمد إلى أن يدخل في مسرحياته -مثل راداميست وزنوبيا- بعض مشاهد الرعب التي جلبت له نجاحا كبيرا، ومنذ ذلك الوقت انتشر حب المسرح في كل أنحاء المجتمع، فلما جاء فولتير سرعان ما أصبح المؤلف التراجيدي الوحيد في ذلك القرن، فلقد كان ينوي تجديد الأسلوب الكلاسيكي باستخدام مصادر أكثر تنوعا.
وابتداء من عام 1718 حتى عام 1778 كتب حوالي عشرين مسرحية تراجيدية من بينها “زائير” عام 1732، و “موت قيصر ” عام 1735، و “ميروب ” عام 1743، وراح يبحث عن مزيد من الحقيقة في الجو وفي اللون المحلي للديكور والثياب وحاول اقناع الممثلين بتأدية أدوارهم بصورة طبيعية.
بين فولتير وراسين وشكسبير
ورغم أن فولتير كان من المعجبين بمسرح راسين فانه كان مفتونا بتمثيليات شكسبير وبكثافة العواطف التي تنبعث منها، وبقدر ما كان فولتير محبا للمسرح فإنه لم يكن مقتنعا به، فقد شعر تدريجيا أن التراجيديا تنخفض إلى حوار أجوف يدور بين خمسة فصول. وربما أخطأ حين عدّ المسرح منبراً يعرض من فوقه أفكاره الفلسفية.
إن التراجيديا ما كانت لتختفي في قرن كانت لديه صورة متفائلة عن الحياة ولسوف تُعبّر أنواع الكوميديا المختلفة بسهولة أكبر عن هذا التفاؤل.
كوميديا المكائد
ولقد جاءت بعد الكوميديا المرحة، الكوميديا الفكاهية التي أدخلها في بداية القرن كل من رينار ودانكور ولوساج، وقد قدم رينار بصفة خاصة كوميديا المكائد التي تتخذ طابع “الفارس” والتلاعب بالكلمات والمواقف المضحكة والمفاجأت المسرحية وخاصة في مسرحيته “الموصي له بالمال”، وأما دانكور الذي كان شاهداً على أخلاقيات نهاية القرن السابع عشر، فإنه يدين بالكثير إلى لابرويير أول كل شيء في نقده اللاذع للمجتمع في مسرحية “الفارس والمودة”، وبالنسبة للوساج فإنه أخذ الطراز نفسه من الكوميديا، وندد فيها بالفساد الذي أصبح عاما وذلك في مسرحيته التي أسماها “توركاريه”، وأعلن بيرون نشأة جيل الأخلاقيين الذي عاد إلى الكوميديا التقليدية، وجاءت الكوميديا المثيرة للدموع على أيدي دستوش فأصبحت بمثابة الموعظة العلمانية، وكانت تهدف إلى جعل الناس يحبون الفضيلة وقد انضم إلى ذلك التيار الذي سوف يؤدي فيما بعد ح الرومانسية والميلودراما.
إلغاء الضحك
وفي هذا الإطار ألغى نيفيل دي لاشوسيه الضحك من المسرحية الكوميدية، وذلك بمسرحية “يلانيد”، فلما كانت الكوميديا المؤثرة وهي تنحو نحو مزيد من الأخلاق ومزيد من الحقيقة، حصلت على مزيد من الإعجاب وأطلق ديدرو على هذا النوع اسم “الدراما البرجوازية”، وعرفت أكثر بالنظريات التي جعل منها موضوعا له أكثر من الأعمال المسرحية التي عرضت بها.
إعجاب حتى اليوم
إن العمل المسرحي الذي قدمه ماريفو معروف أكثر من قصصه، فابتداء من عام 1720 وحتى عام 1740، حصلت التمثيليات الاثنتان والثلاثون التي قدمها إلى الكوميدي فرانسيز، وإلى المسرح الإيطالي جميعها علي نجاح كبير وبصفة خاصة “لعبة الحب والحظ” وكذلك “الاعترافات الزائفة” وهما المسرحيتان اللتان احتفظتا بإعجاب الجمهور حتى اليوم.
فقد عرف فيهما كيف يتجنب تلك العقبة الخطيرة التي هي إثارة السخرية وكذلك الناحية المؤثرة، وركز على الابتسامة التي تدل على الاستمتاع والمشاركة في كوميديا الحب، وقد ابتدع كذلك نوعا جديدا بأن استبدل المسحة الصارمة التي تتميز بها الشخصيات وجاء بدلا منها بتحليل دقيق للعواطف كان يمزح فيه بين البطولة والرومانسية، كما في مسرحية “الأمير المتنكر” أو يعرض الإغراق في الإيمان بالأساطير في “انتصار بلوتوس” التي تضمنت نقدا عنيفا للدوائر المالية، أو قدم فيها الهجاء مثل مسرحية “وارث القرية”، وقد قدم ماريفو كذلك مسرحيات كوميدية عاطفية وأخلاقية مثل “الأم الحميمة والزوجة المخلصة”.
وهو يتجه في لغته المسرحية نحو الحب مثلما في “لعبة الحب والحظ”، أو في “الاعترافات الزائفة”، وكان حب الذات والخوف من رأى المجتمع والأنانية والرغبة في الحرية هي العقبات التي كان يتعين على أبطال مسرحياته التغلب عليها، وكانت الجوانب الصغيرة تخلق لعبة رقيقة، ولكنها مستحبة ينتصر في نهايتها الحب، ولم تتوقف شخصياته عن التأكيد بأن المشكلة المعروضة جادة وخطيرة، وأن المغامرة التي يقومون بها فريدة من نوعها ولا مثيل لها، وهكذا فإن التكلف في لغة الكلام كما في التعبير ليس من قبيل المزاح والدعابة الخفيفة أنه يتأرجح في فزع بين اللامبالاة والألم.
وكما هي الحال لدي راسين فان المحب يحاول في البداية أن يري بوضوح ما لدي الآخرين ثم سرعان ما يضطر الي أن يري بوضوح ما في نفسه، فينتهي به الأمر إلى ألا يبصر شيئا، حتى ولا الشمس الساطعة التي يكشف عنها الحب.
كوميديا الصالونات
وهناك موضوع آخر سيطر على مسرح ماريفو، هو العلاقة الطبقية التي لها وجودها والتي تعدّ شيئا حاسما في الكوميديا منذ بلوتس، إنها تصبح محور الدسائس نتيجة لارتداء بعضهم ثياب الآخرين، وهو ما يجعل العلاقات بينهم تتشابك ولكنها في نفس الوقت تتحدد وتتضح وعبر موضوع شعور الحب يرسي قواعد مبادئ الحرية والمساواة والإخاء، وهذه الحقيقة السيكولوجية المتضافرة مع التعبير والحوار، تخلق جوا يرضي جمهور القرن الثامن عشر الذي يهوى كوميديا الصالونات والاستمتاع.
وقد طرح ديدرو في تطويل الكوميديا المثيرة للدموع التي وضعها لوشاسيه نوعا أسماه النوع الجاد، أو”التراجيديا المنزلية والبرجوازية” هو الدراما وأسلوبه الدرامي الذي عرضه في مسرحية “دور فال وأنا” وفي مسرحية “حديث عن الشعر الدرامي” وهو قضية حقيقة للمسرح كله فهو يبين لماذا وكيف يكون المسرح “الجاد” أكثر تجاوبا مع الطبيعة، وهو يكشف عن زيف الممثل ويواجهه بصراحته المحتملة أن التمثيل يخفي اندماج الفن المسرحي بالشعر، وأخيراً فإنه يفسد اللعبة عندما يسوق عدة أمثلة ظلت شهيرة “إذ بينما الممثلان الكوميديان يمثلان في صوت مرتفع مشهداً مؤثراً يتبادلان الشتائم بصوت منخفض”.
اهتمامات الجمهور
وأما عملية الإخراج التي أدخل عليها فولتير تجديدا ملموسا، فإنها يتعين أن تنفصل عن كافة التقاليد لكي تلتزم بالإخلاص عن طريق تمجيد الإخلاص والصدق.
إنها لغة طبيعية تَعرض بعمل بسيط موضوعات قريبة من اهتمامات الجمهور، وهكذا فإن الاهتمام يتركز على النتائج الدرامية التي تترتب على العاطفة، وليس عاطفة مجردة وعامة، بالأسلوب نفسه، تبدو الظروف الاجتماعية للأشخاص الذين لا يضايقهم على الإطلاق إبداء رغبتهم في المال. إلا أنه من خلال هذه النظريات لا يخرج أي عمل عبقري ربما فيما عدا سيدان فى مسرحية “فيلسوف بدون أن يدري”.
إن تاريخ المسرح الفرنسي، سوف يلتقي بالطريق الذي أشار إليه ديدرو، ويجري الاحتفال بانتصار العالم البرجوازي الجديد وفي نهاية القرن، سوف يدخل بومارشيه كل ما يمكن من موضوعات الساعة في الحياة اليومية، كما في “الأم المذنبة”. وتُشكل مسرحيتا “حلاق اشبيليه” عام 1775 و”زواج فيجارو” عام 1784 النجاح العظيم للمسرح عشية الثورة.
وبومارشيه الذي تعدّ حياته قصة مغامرات حقيقية، يعبر في هاتين المسرحيتين عن الرغبة العامة فى الحرية السياسية التي أحيتها كتابات الفلاسفة، غير أنه بينما يفعل ذلك، يصطدم بعدم الإدراك الصحيح من جانب الجمهور، ثم بمعارضة الرقابة التي لا يستطيع التغلب عليها إلا بحركة واسعة، ولكنه يعود إلى الكوميديا الصريحة، وإلى “الفارس” القديم، وعند ذلك ترتفع الضحكات من جديد إزاء المكائد، وسوء التفاهم، والتنكر، وفن الحوار الذي يصل الي حد الإتقان.
الروح الثورية
إن فيجارو هو طفل باريس الأصيل، المحب للعدالة والحرية، الذي يهيم في كل المناسبات بنقد الحكومة، والذي يكون نذيرا بالحركات الكبرى في الثورة الفرنسية، وهو يمثل بطرازه هذا، الروح الثورية، كما أن حواره الخاص الذي يعدّ دفاعا حقيقيا عن الحرية ضد الاستبداد، وعن المساواة ضد الامتياز، يبدو كأنه يعلن عن “عرائض المظالم”، وبعد مسرحية “زواج فيجارو” نكاد لا نجد عملاً مسرحياً آخر يستحق البقاء.
وقد ألغيت الرقابة في فرنسا عام 1791، وفتح على إثر ذلك خمسون مسرحا، راح أغلبها يقدم تمثيليات موضوعاتها مستمدة من أحداث الثورة، وعند ذلك أصبح المسرح شبه مؤسسة حكومية إلا انه لم يلق سوى الفشل، إذ أن السائد كان البطولة والفخامة في الكلام، فتوارت أغلب هذه الأعمال في زوايا النسيان.

