نضوج ما بعد الصدمة، “رينيه تريدر”

Avatar
كتب بواسطة شيرين ماهر

تحت وطأة استمرار الوباء، وفي محاولة لكسر الحلقة المشتعلة والحد من فرص الانهيار النفسي الذي بات يهدد فئات مجتمعية ليست قليلة، أجرى موقع “شبيجل أونلاين” حواراً مطولاً مع “رينيه تريدر”، الكاتب الصحفي والإخصائي النفسي المتخصص في تحليل القياسات السلوكية، الصادر له في سبتمبر 2020 كتاب بعنوان “هكذا الحياة.. لكني أتمسك بها”، إذ يقدم مجموعة من النصائح التي تعزز أليات المرونة في مواجهة نوبات الإجهاد والقلق، التي عصفت بالعالم قاطبة جراء رفض الوباء حزم حقائبه والرحيل قريباً، كذلك يرسي “تريدر” بعض الدعائم النفسية لحياة أكثر استقراراً في مواجهة الوباء من واقع متابعته للتغيرات السلوكية التي طرأت على الأفراد على مدار الأزمة منذ بدايتها وحتى الأن.

أجرى الحوار: ستيفاني مايك

ترجمة عن الألمانية: شيرين ماهر 

سيد تريدر، بحكم عملك وتقييمك للدفاعات العقلية والنفسية التي يمكن التَسلٌح بها لتجاوز الأزمات، هل تظن أننا نتعامل مع الوضع الوبائي حالياً، بصورة أفضل أم أسوأ مِن التي كُنا عليها في بادئ الأزمة؟

لقد باتت الإشكالية الأكثر تعقيداً من تكرار الأزمة ذاتها، هي الطفرة السلوكية والنفسية الكبيرة لدى الأفراد مقارنة بما حدث خلال الموجات الأولى من الوباء. في البداية كنا جميعًا في القارب نفسه ونعضد بعضنا البعض. بالنسبة للعديد من الأشخاص، كان الأمر بمثابة مغامرة واحدة يخوضها الجميع: لقد قاموا بالانغماس في تجارب جديدة، مُتلمسين قدراً من الأمل، كالعمل عن بُعد والتواصل الإلكتروني وقضاء أوقات أطول مع أفراد الأسرة تحت وطأة الإغلاق. وعلى الرغم أنه في ذلك الوقت كان هناك أيضاً توتر مفرط، ولكن رافقه قدر كبير من المغامرة. لقد ظنّ الجميع أن هذه الأوقات ستمُر وكل شيء سيصبح على ما يرام. ولكن العودة إلى الركن المظلم نفسه، هو أمر مُحبِط للغاية، جعل البعض يشعرون أن كل ما سبق مجرد “هراء” يُسيطِر عليه اللاجدوى. الأغلب يتساءلون الآن في يأس:” لقد مررنا بذلك من قبل، ولم نتوصل إلى حل”. الآن أصبحت العديد من سبل العيش مهددة، ومع الأسف لا نملك حالياً سوى تلك الإجراءات القاسية التى لا بديل لها؛ ما يعني أننا مهددون بمزيد من تقييد الحريات في المستقبل. لقد راكمت هذه الاحتمالات مزيد من المشاعر السلبية على حساب نظيرتها الايجابية التي سادت في بادئ الأزمة، وهذا هو الفرق الجوهري فيما نحياه الآن.

إذن الافتقار إلى منظور زمني لإنقضاء هذا الكابوس هو ما يجعل التجربة تزداد سوءًا …

بالضبط، الجميع قلقون بشأن عودة الحياة العامة إلى طبيعتها، فحتى مع ظهور اللقاحات، لا يبدو ذلك قريباً . كثيرون مُنهَكون بفعل مشاعر التخبُط وضبابية الوضع. ما نفتقده الآن هو “خطة واضحة للمواجهة” لم تقدمها الحكومات بعد، أو بالأحرى عجزت عن بلورتها. يحتاج كثيرون إلى منظور جديد يتم النظر من خلاله إلى الجائحة، بطريقة تساعدهم على احتمال هذه التدابير. كذلك لا يمكن تجاهل التغيرات الطارئة على الاستجابة النفسية للمواطنين تجاه هذا التهديد، والتي اختلفت عن ذي قبل. لدى الناس الآن وجهات نظر متباينة بشدة حول الوباء، وهو ما يصعب توحيد صفوفهم.

إذن هذا التغير هو مزيج من الإرهاق والانسحاب والمخاوف بشأن المستقبل وعدم اليقين الذي نعلَق داخله … بصفتك  المهنية، ما الذى يؤرقك حالياً؟

يتراوح المنحنى الانفعالي الذي أراقبه لدى الأفراد، ما بين طرح أسئلة مشروعة حول “كيفية المضي قدمًا” وبين التعاطي بصورة متطرفة مع المخاطر: هناك مَن لم يغادروا منازلهم إلا نادراً وسيطرت عليهم حالة من الانزواء. وهناك مَن تعاملوا بشكل جيد مع الوباء وحققوا درجة مقبولة من المرونة أثناء ممارساتهم الحياتية، حيث يقولون لأنفسهم: “لقد مررنا بذلك من قبل وسنفعل ذلك مجدداً”. ولكن على المستوى الاجتماعي، الأمر أكثر تعقيداً، فما يقلقني هو نبرة الحديث- على سبيل المثال على شبكات التواصل الاجتماعي- التي أصبحت أكثر خشونة وفظاظة، الأمر الذي يعكس بقوة “تآكل المرونة” داخل المجتمع بصورة مؤرقة ونفاذ صبر الجميع. والواقع لن يُحقق المجتمع المرونة المطلوبة في ظل أزمة كهذه، إلا عندما يُسمَح للجميع بالتعبير عما يشعرون، ولكن في سياق التفاعل المحترم. نحن جميعًا خائفون . ولكن ينبغي أيضاً ألا نُغفِل أن هناك أشخاص يعانون بالفعل من ضغوط نفسية سابقة تفاقمت بسبب كورونا، فضلاً عن نشوء عوامل ضغط جديدة ذات آثار سلبية على الصحة النفسية.

ما هي ملامح التجربة النفسية التي نخوضها بالفعل بعد أن واصلت الأزمة ركضها خلف الجميع؟

بغض النظر عن فقدان مصادر البهجة في الحياة، فإننا نواجه عبئاً نفسياً لا نعرفه من قبل، كما أنه يولد أنماطاً سلوكية غرائبية نتاجاً لذلك الخوف والضغط والعجز. في العادة، ستتشكل دفاعات نفسية لذلك على المدى القصير، ولكن ليس لفترات غير معلومة، إذ يفرق علماء النفس بين الخوف المباشر من مسببات لحظية والخوف غير المباشر، كالمتفشي بيننا حالياً. فالخوف غير المباشر ليس له حواجز تقيد زحفه، لأنه لا يتعلق بمسبب واحد، وإنما ينسحب على مخاوف ثانوية ذات صلة، فهناك شىء يحدث خارج نطاق السيطرة. ومن أجل دعم الاستقرار النفسي في مثل هذه الحالة، نحتاج دائماً إلى الشعور بالسيطرة. الخوف الذى نحياه في الأساس يكمن في فقد السيطرة. ونتاجاً لذلك، تتضاءل فرص التحكُم في الأعباء الأخرى.

هل هناك خيارات يُمكننا من خلالها ترويض ردود أفعالنا القادمة؟ لقد صار لدينا تراكم للخبرات. في رأيك، هل يساعدنا ذلك؟

يتوجب علينا تلخيص الذكريات الخاصة في بدايات الأزمة؛ واستنباط نقاط ذات مغزى من ذلك. قد لا يمكننا صُنع تأثير ملموس على نطاق واسع، لكن بالطبع يمكننا تشكيل عالمنا الخاص خلال هذه المرحلة. السؤال الأهم الذي علينا طرحه: ماذا يمكننا أن نفعل؟ عن نفسي، أنصح بأن نضع لأنفسنا مقاييس شخصية لتقييم مدى التكيف مع الأزمة. وللقيام بذلك، يجب أن نستخلص القواعد الخاصة بنا التي اتبعناها وبالفعل ساعدتنا. لذا فإن التمرين الأول، هو أن نخلَد إلى ذواتنا ونستخلص، بإيجابية، الأشياء التي نجحت -بصورة جيدة- في بادئ الأزمة. يجب أن ندون ذلك ونعيد تقييمه. علينا أن نسجل الأشياء التي تجادلنا حولها، في السابق، وتوثيق ثبوث صحتها من عدمه، حتى يمكننا تحديد الطريقة التي سنعيد التَصرف بها في ضوء ذلك الاستقراء الذاتي.

ما هي الأشياء التي يمكننا الانتباه إليها من أجل التصالح مع الواقع الحالي؟

أولاً وقبل كل شيء، من المفيد إدراك أنه لا بأس من أن نخاف و نعبر عن هذه المشاعر، لا أن نَكبِتها. وإذا اِنتاب البعض حالة من الإعياء والإحباط، أوصي الجميع بتعلُم تقنيات التنفس وممارستها. عندما نكون شديدي الانفعال أو الغضب، ستساعدنا تمرينات التنفس في تخفيف التوتر، بطريقة فسيولوجية؛ أبسط طريقة للتنفس هي الشهيق المنتظم وإطالة الزفير. هناك أيضاً إناس يعانون هموماً نفسية أخرى أو بعض الأمراض. هؤلاء عليهم الاعتناء بتقلبات المشاعر وقبولها كخطوة أولية. من الضروري أيضاً أن يُخطط الجميع لتخصيص مساحة من الوقت يمنحونها لأنفسهم، على أن نضع احتياجات كل فرد في الاعتبار.

في رأيك.. ما هي النقاط الحاسمة الأخرى التي يجب التوقف عندها في ظل استمرار الأزمة؟

من المهم للغاية مراقبة أطفالنا. هُم الفئة الأكثر تَضرُر نفسياً.. يمكننا أن نعرض عليهم تجاذب أطراف الحديث، والتأكيد على أنه يمكنهم طلب المساعدة وعدم الشعور بالخزي أو الضعف عند ذلك. علينا أن ننبه لأهمية حقهم في التعبير عن ذلك بوضوح. كذلك ينبغي أن نمارس منهجيات المرونة، لأنها عنصر مهم للغاية يضمن كفاءة إدارة الأزمات.. فعلى سبيل المثال، إذ لم يرغب أبناؤنا في التحدث إلينا لأي سبب، علينا أيضا بمواصلة مساعدتهم و إرشادهم للتواصل مع مَن يُقدمون لهم المساعدة. هناك خط ساخن لمساعدة الأطفال والمراهقين من خلال عروض الدردشة مع متخصصين. كذلك يجب على أي شخص يلاحظ أنه لا يمكنه الحفاظ على روتينه اليومية أن يبحث عن المساعدة الطبية من خلال طبيب الأسرة. وهذا يعني أن نتعاطى مع الأمر بقدر من المسؤولية والإيجابية. أنصح أيضاً بمطالعة مستمرة للإرشادات المضادة لنوبات القلق والتوتر: إذا حاولنا استكشاف المزيد؛ كالقراءة عن الاختبارات السريعة للفيروس أو كيفية درء خطر الإصابة بالعدوى من المرضى الذين لا تظهر عليهم أعراض، سنشعر بأمان نسبي ومساحة، و لو محدودة، من السيطرة التى نفتقدها. علينا أيضا بممارسة الرياضة لمواجهة رد الفعل الجسدي على التوتر والقلق، فالحركة تُحسِن من الوضع النفسي وتٌخلص الجسم من الأفكار السلبية وتضعه على مَقربة من عالمه المفقود. يمكن على أقل تقدير السير حول المنزل أو مقر العمل قبل وبعد ساعات العمل. أنا شخصياً أمارس ذلك، حيث تمنحني هذه الدقائق إطارًا ضاماً لأي خلخلة شعورية قد تعتريني.

هل لديك اقتراحات آخرى نعزز بها تجربة العزلة التي باتت تتكرر دون التنبؤ بميقات؟ ماذا عن التعلم؛ تعلم لغات جديدة، على سبيل المثال؟

عامل المتعة ضروري للغاية. لا بأس أن نتعلم لغات جديدة. عن نفسي هذا الخيار يروقني كثيراً، هكذا تعضد التجارب الجديدة السُبل الدفاعية النفسية، لأنها تَصرِف الانتباه عن الأزمة الكائنة بالفعل، وتخلق محيطاً من التفاصيل التى يمكننا إدارتها والتحكم بها، على عكس الواقع… سأخبرك شيئاً، في عام 1816 شهد العالم ما سُمى بـ “عام بلا صيف”، حيث تسبب نشاط بركاني في إندونيسيا في اختلالات مناخية شديدة و كَسَا العالم سماء رمادية، فقد احتجبت الشمس لأشهر، مما أدى إلى حدوث مجاعة، بسبب موت المحاصيل والخيول. في ذلك العام تم اختراع “الدراجة” وألفت الكاتبة السويسرية “ماري شيلي” روايتها العظيمة “فرانكشتاين”.. الدرس المستفاد هو، أن الإبداع يولَد من رحم الأزمات. وبقدر ما تبدو العزلة أمراً مثيراً للأسف، يمكننا على الجانب الأخر رؤية أننا نمتلك فرصة ثانية علينا استثمارها. بالطبع كورونا هي ضربة القدر التي عصفت بمصير العالم وجعلته في مهب الريح. ولكن لن نظل نبكي على اللبن المسكوب، وعلينا تحويل دفة أفكارنا الآن إلى وجهة إيجابية تتمثل في السعي إلى تأمين حياة كريمة نجد فيها بعض نقاط للقوة والأمل رغم الوضع السلبي.

ما الذي تقدمه أبحاث “المرونة” فيما يخص التجارب المصيرية القاسية؟

تتعامل أبحاث المرونة مع العثرات الشخصية للأفراد، وليس مع الضربات العالمية القاسمة. وإن كان هناك بعض الانسحابات التي يمكن الاستفادة منها في الوضع الراهن.. ليس مستغرباً أن يواجه بعضنا الكثير من الخسائر المستمرة على مدار حياته: يمكن أن نمرض ، ننفصل عن شركاء الحياة، نفقد وظائفنا.. يمكن أن يحدث كل ذلك في الوقت نفسه، حتى وإن كان أمراً غير مألوفاً، لكنه وارد. تقدم أبحاث المرونة في هذا الصدد، نصيحة واضحة، وهي أن الأفراد يتجاوزون الأزمات، بشكل أفضل، إذا لم يتبنوا “موقف الضحية” ولا يلوموا الآخرين على معاناتهم. بل على العكس، يمكن أن يصبحون أكثر صلابة ونضوجاً جراء ضربات القدر المتكررة، وكذلك أكثر استقرارًا إذا ما واجهوا أزمات جديدة. في خضم الأزمة، لا يمكننا غالبًا تخيل أن الأمور ستتحسن على الإطلاق. لكن في أبحاث الصدمات، هناك مصطلح يُعرف بـ “نضوج ما بعد الصدمة”، ما يعني أنه يمكننا استخلاص دوافع للقوة والاستقرار من الأزمات التي يتم التغلب عليها. فعلى سبيل المثال، لن تفيد المشاعر السلبية تجاة الأثرياء، في حال فقدان أشخاص لوظائفهم. الأحرى هو التفكير في حلول بديلة و التوقف عن إلقاء اللوم سواء على أنفسنا أو على مَن حولنا.

أليس من الطبيعي أن تغضب الناس وتريد الدفاع عن أنفُسها؟ من منظور اجتماعي وليس نفسي، غالبًا ما تؤدي الأزمات إلى اضطرابات.. كيف ترى ذلك؟

التعبير عن المشاعر ملمح جيد و صحي بشكل عام، حتى السلبية منها. يجب أن نقبل بعضنا البعض ونقدر مشاعرنا على اختلافها في كل الأحوال. الغضب ليس شعوراً سلبياً، لكنه لا ينبغي أن يقتصر على ذلك، إنما هو محفز استثارة يعبر عن الرفض، وهو يمنحنا الشجاعة والقوة للدفاع عن قناعاتنا. التحدي هو أن نستخدم الطاقة التي تزودنا بها العواطف بشكل بناء وليس هدَّامًا ، كما هو الحال عندما يؤدي الغضب إلى عنف لا معنى له أو احتجاجات غير مبررة. التعامل بمسؤولية مع العواطف يعني التعامل مع مشاعر المرء والتفكير في خطوات تساعده على الخروج من الحلقة المشتعلة وليس توسيعها.

كل هذا يبدو وكأننا نتبنى موقفاً “لحظياً” تجاه الحياة. هل تنصح بتبنى هذا الرؤية بالفعل؟ وما نصائحك خلال المرحلة القادمة؟

أتفق تماماً مع ذلك. تحت هذا الشعار، استطاع البعض الحفاظ على حياتهم الروتينية، حتى في ظل الوباء. لدينا قوى استشفاء ذاتية هائلة، وعلينا أن نتمسك بالحياة والفرص المتاحة بها. ومن أجل التعامل مع الأزمات بصورة ناجحة، نحتاج إلى النظر إلى الأمور البناءة والايجابية. “ماذا يمكنني أن أفعل الآن؟”. السؤال المهم في هذه اللحظة والذي يستوجب تكريس الجهد والطاقة. لابد أن نذكر أنفسنا كل يوم بأننا مازلنا على قيد الحياة، وأن الحياة ستنتهي يوماً ما حتى بعد أن تذهب الكورونا إلى غير رجعة؛ لذا، علينا أن نفكر كيف نشكل حياتنا في هذه اللحظة فقط، وليس فيما بعد، لأننا لا نعرف القادم ولا نملكه ولا داعي أن نٌعجِل بخسارته بالسقوط في براثن القلق.

المصدر: موقع “شبيجل أونلاين/ Spiegel Online

رابط الموضوع :

https://www.spiegel.de/psychologie/shutdown-durchstehen-ich-empfehle-persoenliche-corona-massnahmen-zu-etablieren-a-6d23158e-fad4-4258-bd98-5b37a4ec641d

العدد الأخير العدد التاسع والعشرون بعد المئة سياسة

عن الكاتب

Avatar

شيرين ماهر