هل يمكن العيش بالأدب؟

Avatar
كتب بواسطة محمد الإدريسي

تشكل الكتابة الأدبية تحديا حقيقيا أمام الفاعلين في “الحرفة”. فعلى خلاف الكتابة العلمية، التي تظل في جزء منها عبارة عن صياغة تقنوية لنتائج تحليلات نظرية أو تطبيقات عملية تجعلها وسيلة أكثر منها غاية في حد ذاتها، تمثل الكتابة الأدبية تجربة وجودية بامتياز، بين صدمة الصفحة البيضاء، البحث عن المعنى بين الحروف والكلمات، إعادة تفكير العلاقة بين اللغة والفكر وتجديد الترابط بين الواقع والخيال، يجد “الأديب” نفسه يعبر عن ذاته، أو على الأقل جزء منها. ربما أسهمت صعوبات الكتابة وتحدياتها في وصم هذه التجربة، ضمن اللاشعور الجمعي، بوصفها “ترفا” فكريا ووجوديا مقترنا بشروط إنتاج “الثقافة العليا” بالضرورة. وعليه ظلت مقولة العيش بالكتابة والأدب محط نقاش وجدل كبير ازدادت حدته بالمجتمعات الثالثية وفرضت الثورة الصناعية الرابعة وصدمة الجائحة إعادة بسطه بين الجماعات الأدبية وفقا لمنظورات ورؤى مختلفة. فكيف أثرت صدمة الجائحة والثورة الرقمية على وضع الكتابة والأدب ومعيش الكتاب والأدباء؟ وإلى أي حد ما زالت التجربة الأدبية منحصرة بين شرطي الحرفية والمهننة؟
هل يمكن العيش بـ”الأدب”؟

ربما حري بنا إعادة طرح السؤال على الشكل التالي: هل يمكن العيش بالكتابة الأدبية أم أن الأدب نفسه هو الذي يساعدنا على العيش؟ بدءا، لابد من الإشارة إلى أن الحديث عن الكتابة الأدبية هو في الأساس خوض في شجون قطاع الصناعات الأدبية واقتصاديات النشر. لهذا، يتأرج جوهر المفارقة بين مقولتي “حرفية” الكتابة و”مهننة” عالم الأدب. إن الانشغال بالأدب هو بالضرورة محاولة للبحث عن معنى ما لتجربة وجودية شخصية في علاقتها بالذات، الآخرين والعالم. وعليه، تصبح الكتابة تعبيرا عن لحظات سعادة أو علاجا للحظات ألم [ورشات الكتابة] تأخذ طابعا إبداعيا خاصا يحاول تجسير الرابط الوجودي بين التجربة الشخصية والتجربة الاجتماعية للعموم؛ من منطلق أن قراءة الروايات -على سبيل المثال- غالبا ما تساعدنا في الحياة؛ لأنها تمنحنا إمكانية عيش تجربة غيرية، بمختلف تحدياتها وخصوصياتها، يمكن أن تكون امتداد لتجربة فردية مفترضة، بلغة “هيلويس ليرتي” (Héloïse Lhérété) . لكن، أصبح الأدب اليوم يتجاوز الحدود الضيقة للعوالم النفسية (تجربة الكاتب) والاجتماعية (القراء) نحو أبعاد اقتصادية (قطاع النشر) في المقام الأول. إن قوانين السوق قد عملت على تسليع الفعل الأدبي ليتماشى مع لغة الأرقام ونسب المبيعات، لا لكي يصبح العيش بالأدب ممكنا للكتاب أنفسهم وإنما لتسويق مقولة “أدب المساعدة الذاتية”، بوصفه علاجًا مفترضًا لحالة اللايقين، الخوف من المستقبل والخوف من الخوف نفسه الذي أضحى يسيطر على اللاشعور الجمعي. استنادًا إلى كل هذا، ما موقع الأدباء ضمن هذه المعادلة؟
أسهم الاقتران التاريخي بين الفعل الأدبي والثقافة العليا (High Culture) في تعزيز النظر إلى الممارسة الأدبية كتجربة إبداعية مفارقة للشرط الاقتصادي أو متعالية عنه إلى حد ما، بحيث لم يكن هم الكتاب العيش بالكلمة والقلم بقدر ما سعوا إلى استثمار حرفيتهم الفنية في التعبير عن هواجسهم ومخاوفهم وبناء عالم موازي تعاد في إطاره هندسة العلاقة بين النفسي، الاجتماعي والأدبي وفقًا لقوانين وشفرات تنتصر للرأسمال الثقافي العالي من جهة، وتحصر تلقي الإنتاج الأدبي بين فئات وطبقات معينة من جهة أخرى. لذلك، ربما ساعد الشرط الطبقي لجزء كبير من مؤسسي مختلف الأجناس الأدبية الحديثة والمعاصرة، وارتباط هذه الأجناس نفسها بانتشار التحضر والتمدين وتحولات الثورات الصناعية، في الحفاظ على الطابع “الحرفي” والفني للإبداع الأدبي المنفصل عن رهانات المهننة والربح الاقتصادي. بالإضافة إلى ذلك، وإلى حدود اليوم، مازال الشرط التاريخي يحد من تمثل العموم للأدب كمهنة يمكن العيش منها؛ وبلغة أخرى ما زال الأدب تجربة ذاتية متعالية عن الشرط المادي ولا يجب ربطها بالطلب الاقتصادي. يمكن تمثيلها بحرفة المعلم أو المربي، قبل ظهور المدارس العمومية خلال القرن الثامن عشر.
في الواقع، بين الثورة الصناعية الثالثة ونظيرتها الخامسة، التي نعيش بداياتها الأساس اليوم، ستتغير الكثير من التمثلات الاجتماعية والمهنية حول الكتابة عموما وعالم الأدب على وجه الخصوص. تبعا لذلك، وحالما تحولت الكتابة إلى مصدر رزق أو حياة، أصبح لها جانبًا أكثر قتامة لا يتم الحديث عنه كثيرًا، على حد تعبير “ديدييه ارنوت” (Didier Ernotte) الذي يميز بين فئتين من الكتاب والأدباء: أولا، أولئك الذين ينظرون إلى الكتابة كغاية في ذاتها. إنهم يشكلون نماذج تاريخية لمبدعين اعتنقوا الكتابة سبيلا للحياة واستطاعوا التماهي مع العوالم الأدبية التي صنعوها من خلال الإصغاء لصوت الباعث الإبداعي نفسه. لهذا، اتسمت أعمالهم بالأصالة الخالصة الأقرب إلى الحرفية منها إلى الصناعة (جورج أورويل وأرنست هيمنغواي على سبيل المثال). ثانيا، أولئك الذين يعيشون بالكتابة ويرونها كـ”أداة” لسرد حياتهم وتجاربهم في شكل قصة أو رواية على خطى الرواد، دون أن يتمكنوا من إعادة إنتاج “نماذجهم”. تساورهم الشكوك دائما حول جودة وحرفية أعمالهم ويبحثون عن معنى خاص لحياة منشطرة بين عالم الأحلام والواقع من جهة، والطلب الاجتماعي والاقتصادي من جهة أخرى. استطاعت الفئة الأولى فك تشفير معالم العيش بالكتابة ومن أجل الكتابة من خلال ركوب “أمواج” الإبداع الخالص، في حين أن الفئة الثانية تظل منشطرة بين العالمين دون أن تستطيع العيش بالكتابة أو العيش بدونها.
على عكس الموسيقيين، حيث من الممكن العيش من عائدات الأعمال الإبداعية (المبيعات المادية، الستريمينغ، عروض الأداء، وغيرها)، تنحصر استفادة الكتاب والأدباء من أعمالهم بعقود العمل مع الناشرين، رغم هشاشتها وغيابها في كثير من الأحيان. لا يحصل الكتاب سوى من عشر عائدات المبيعات الورقية، في غياب شبه تام لعائدات المبيعات الرقمية، إضافة إلى ضرورة التوافق مع قوانين سوق النشر والخط التحريري للناشرين. فضلا عن ذلك، صحيح أن موجة النشر الرقمي والفردي قد فتحت المجال أمام الكتاب لكي يصبحوا “أسياد” أعمالهم، من ناحية النشر والعائدات، إلا أن صدمة الجائحة قد أظهرت استمرار هشاشة القطاع. يفرض التكيف مع تحولات عالم الأنفوسفير والمنصات الرقمية الرهان على المجانية والستريمينغ لمجابهة شبح القرصنة، الأمر الذي يجعل من الصعب العيش من عائدات النشر الرقمي.
في سياقنا الثالثي، ما يزال الكاتب الشخص الوحيد الذي يصعد إلى منصة المهرجانات، الأمسية الفكرية وحتى المحاضرات دون الحصول على تعويض؛ ولا يحق له، لاشعوريا، التفكير في ذلك لمجانبة وصم التكسب بالأدب. وعليه، أضحى مجرد طرح مقولة “العيش بالأدب” دافعا نحو التشكيك في أعمال ومنجز الكاتب نفسه. إننا نرفع شعار مهننة القطاع بهدف تكوين أجيال جديدة من المبدعين على نهج الرواد والمؤسسين، دون أن نوفر الشروط الدنيا من حقوق النشر الخاصة بالكاتب ونرسم المعالم الأساس لـ”اقتصاد رقمي للأدب”. وفي الوقت نفسه، نطالب بحرفية الإبداع الأدبي وفصله عن الرهانات الاقتصادية دون التفكير في الشرط الاجتماعي للكاتب بالضرورة. وهكذا، يظل لزامًا على الكاتب بناء مسار مهني خارج دوائر الأدب والنظر إلى هذا الأخير من جانب “الهواية”، “التجربة الذاتية” أو العلاج والتعبير عن الذات، على خطى الرواد، وكأن قدره أن يحيا حياته بين حدي عالم الأحلام والخيال والعالم الوقعي من جهة، ويعيش تجربته الأدبية بين مطلب الحرفية ورهان المهننة من جهة أخرى، ليغرق داخلهما.

  • الهوامش:
  • Héloïse Lhérété, Pourquoi lit-on des romans ?, magazine science humaines, Hors-série N° 26 – Juin – juillet 2021.
  • http://www.slate.fr/story/194346/ecrire-aide-t-il-vivre-scenaristes-ecrivains
أدب العدد الأخير العدد الثلاثون بعد المائة ترجمات

عن الكاتب

Avatar

محمد الإدريسي