قراءة النقش

Avatar
كتب بواسطة إبراهيم بن سعيد

إلى روح الدكتور عبد العزيز الفارسي

ثأر السرطان:

بالرحيل تكتسب الكلمات الباقية وزنًا آخر، مرور الزمن والفقد يضفي عليها ضوءًا خاصًا وينعكس منها معنى جديدًا، ومع الرحيل المفاجئ والصادم والخسارة الكبيرة في وفاة الدكتور والأديب عبدالعزيز الفارسي تحاول هذه القراءة العودة إلى تجربته المتفردة مع السرطان، المرض الذي استغرق جهده وتفكيره وحياته، فبنظرنا كانت تلك المواجهة مواجهة قدرية أكثر مما يبدو على السطح:
“أحترف هذا التخصص لأني خسرت جدي بسبب سرطان الرئة”

ألا نقرأ في اختياره هذا التخصص علاقة ثأرية؟ ينهض الحفيد ليأخذ بثأر جده، من السرطان، يا له من رهان ويا لها من معركة رهيبة كانت تدور فصولها وتتكرر في مركز الأورام، كل يوم، كل حالة:

“طبيب السرطان يواجه المراحل الأربع (للمرض) كل يوم مع مختلف مرضاه. يفتح روحه على مصراعيها ليرى كيف يتشكل الإنسان في مواجهة خطر الفناء، ودون أن يشعر الطبيب، أو ربما يتجاهل ملاحظة ذلك عن عمد، يكون في اليوم ذاته الشاكّ غير المصدق، والغاضب، والمحبَط، والمارد الذي يقوم من تحت الرماد ليقاتل حتى آخر رمق. يحمل الوجوه كلها داخله. يأخذ نفساً عميقاً كل صباح، يجمع كل شتاته، ويأخذ أدواته ليواصل المواجهة. إن مهمة كهذه تستلزم قدراً كبيراً من الشعر، والفلسفة، والسرد، والقصّ، والتصوير، والرسم وغيرها من الفنون التي تتجلى عظمتها في مواجهة الفناء المحتوم، والسعي للخلاص”.

هي المعركة إذًا وفصول هذه المعركة استنزفت منه خسائر كثيرة، من أرواح مرضاه، الذين كان يدعوهم أبطالاً، في إشارة للمعركة المحتدمة، ولكنه كذلك يدعوهم معلميه:
“كل مريض معلم وأنا تلميذه في الحياة”

أرواح المرضى المعلمين هي الخسارات، ولكن بما أن أرواح المعلمين تذهب، فكذلك ستأتي ليلة يرحل فيه التلميذ هو الآخر، وهذه كلمات هذا التلميذ:

“هؤلاء الذين نحتوا درب صعودهم نحو المعنى الخاص بهم، المعنى الأعمق والأكبر. أراني حين أكتب الآن، أصعد دربهم، وأحاول النحت وأبحث مثلهم عن المعنى الذي ينتظرني. كانت قصصي الأولى سوداوية، وغارقة في ذاتيتها، ومعجونة بالكثير من زوائد اللغة. هؤلاء الأبطال هم من لفت نظري للجهة الأخرى من العالم، للسماء والشمس، ورؤية الحياة بمنظور متجدد. لقد منحوني لغة جديدة وألهمتني ملاحظاتهم، وتعلمت من نبراتهم الساخرة الكثير، وسأظل أدين لهم ما حييت”.

هل تخاف الموت؟

هناك إشارة لافتة يشير إليها عبد العزيز الفارسي في أحد حواراته عن انعطافة مهمة في مجريات علاقته كطبيب بالسرطان، حالة خاصة أعادت صياغة الإنسان داخل الطبيب، وتلك الحادثة برأينا ربطت الإنسان المتشظي وجعلته واحدًا، وحّدت الطبيب والأديب في عبدالعزيز، وهما في الأصل واحد، ولكن التصنيفات كانت تقيم سدًا حاجزًا، حالة مرضية يكتفي عبد العزيز بالإشارة إليها بالاسم وحده: خالد

“لقد كان خالد إنساناً من طراز خاص وضعتني الأقدار في دربه المتجه نحو الموت وهو رابط الجأش، غير متردد ولا نادم على ما مضى. لقد عشنا معاً مفارقات عجيبة، وتعلمت منه الكثير. وأجزم أن حياتي (كإنسان وطبيب وكاتب) قبله تختلف عنها بعد معرفته ومفارقته، لقد جعلني أعيد النظر في الإنسان والمرضى والكتابة من جديد، وجعلني أعيد النظر في الحياة، وجدواها، وأعتقد أن كل مريض بالسرطان أشرفت على علاجه، وكل إنسان تعاملت معه، وكل نص كتبته بعد خالد قد تأثر كثيراً بتلك التجربة. لقد صرت أفكر كثيراً حين أمشي في أي درب: من من هؤلاء المارّة له قلب كقلب خالد، وقصة تشابه قصته؟ ولقد وجدت أن من قرأ ذلك النص عن خالد قد تأثر، بل حين يلاقيني عدد من القراء يخبروني بأنهم أحبوا خالد كثيراً وتمنوا لو كانوا قد عرفوه قبل أن يموت. وأنا نفسي تمنيت لو أني عشت معه فترة أطول”.

الإشارة إلى النص تعني قصته القصيرة بعنوان: (أخائف من الموت يا أبا هاجر؟) والقصة اشتهرت وفازت ونشرت في مجموعة (لا يفلّ الحنين إلا الحنين)، وبإعادة قراءة تلك القصة المحورية نجد أنها بالفعل عن شجاعة تفطر القلب، قصة معلم حقيقي، يفتتح علاقته مع طبيبه من عينيه:

تلاقت أعيننا فسألني دون مقدمات:” أنت تحب فيروز، أليس كذلك؟” سألته:

  • كيف عرفت؟
  • لعشاق فيروز عيونٌ تكشفهم.

نكتشف في خالد قارئًا نهمًا للأدب، ولكنه لا يعرف إلا متأخرًا أن طبيبه أديب هو الآخر، في إشارة إلى اختفاء الأديب داخل الطبيب، وتلك العلاقة الفريدة تتطور وتتعمق وينصهر في أتونها عبدالعزيز الفارسي ليخرج إنسانًا آخر، وفي أوج تلك العلاقة تولد هاجر ابنة عبدالعزيز، ومن تلك الولادة نعرف أن سؤال العنوان لا يتوجه إلى آخر، بل إلى الأنا:

“قال الاستشاري: “إنها النهاية، صارحوه”. واتجهت الأنظار لي: ” أنت الأقرب فأخبره بطريقتك”. قضيت قبلها يومين دون نوم. كيف أخبره؟ أي البدايات أختار؟ وحين استجمعت عزيمتي ودخلت ابتسم لي. جلستُ صامتاً، سالت دموعي ثم أجهشت بالبكاء. اقترب مني وأزال كمامة الوجه: “أبو هاجر .. هوّن عليك . هذا قضاء الله، أخذت كفايتي من الحياة ولا أهاب الموت. أفهمها جيداً، وتشبثت بها كثيراً. واكتفيت. صدقني لست حزيناً، هيا امسح دموعك”.
قلت:” كيف عرفت؟”.
ردّ:” أنا أعلم بجسدي من أي شخص آخر، أخبرني أنه سيتوقف عن الحياة، لكني لست حزيناً، لم أرتكب كبيرة فمم أخاف؟بالعكس أشتهي الآن سماع فيروز. هيا نغني معاً:” أنا عندي حنين …”، شهقت بالدمع ولم أستطع الغناء”.

قمة الألم والأمل:

من تلك اللحظة الحاسمة وبخسارة خالد بتلك الطريقة الفريدة والنادرة، وبالوقفة الشجاعة للإنسان في وجه الموت والفناء، يصعد عبدالعزيز درجات عديدة في وجوده/ معركته، يعيد النظر إلى الأشياء من حوله بعين جديدة، تعزز الوقود الحيوي في روحه، بل وأصبح أكثر التفاتًا للروح وتمييزًا لها:

أنا لم أزل أرى أني أواجه كل حالة لأول مرة، لأن الأرواح لا تتشابه أبداً.

في هذا الخضم الوجودي العميق، أمام صرعى معركته المستمرة، وبإصرار الطبيب الذي لا يفتر عن التشبث بالأمل رغم الألم، لإيمانه أنه ما من سبيل آخر لدحر هذا الألم غير الأمل:

“ما أروع أن تبذر الأمل وتسترجع ابتسامة إنسان، ما أقوى أن تتحدى الألم وتلغيه، ما أعمق أنك تمشي كل يوم دروباً متوازية كثيرة تقاتل مع أخيك وألا تستسلم. تستطيع أن تغيّر وجه العالم لمريض واحد أو مئات المرضى، وقد لا تستطيع فعل شيء وتواسي نفسك بأنك حاولت بصدق قلبك، والآن: أليس كل هذا ينطبق على الكتابة أيضاً؟”

تطابق الكتابة الذي يشير إليه يؤكد حدث التماهي بين الطب والأدب كما أسلفنا، إلى الحد الذي تتشابه فيه الكتابة والسرطان:

“كلاهما –الكتابة والسرطان- تحد متجدد؛ صعود على جبال تطهير الروح؛ صعود شاق له متطلباته التي لا يعرف الإنسان أنه يمتلكها حتى يبدأ الرحلة ويواصل الارتقاء. كلاهما يستلزمان الجرعة نفسها من القدرة على التخلص مما يثقلنا ونحن نرتقي آملين الوصول لنكتشف الحقيقة الأسمى. كلاهما يمنحانا الفرصة للنظر خلفنا بتجرد، بلا ندم على ما مضى، بابتسامة واثقة أن ثمن الصعود الباهظ لا يمكن دفعه دون تضحيات، وتصالح مع المعنى الأعمق لوجودنا الذي كان وسيكـون”.

تلك الجملة عن صعود جبال تطهير الروح، لا تقال إلا على قمة عالية، وقد كان عبد العزيز هناك، وما تزال آثاره باقية، على قمم الحياة تلك، قمم الألم والأمل.

التطهير بالسرطان:

إن الجمع بين الكتابة والمرض، وبينها وبين السرطان تحديدًا يجب ألا يمر علينا مرور سطحيًا، من عانى بأي شكل من السرطان يعرف، غموض الموت داخلك، تتآكل الخلايا نفسها،، والعلاج الوحيد المتاح الآن هو الكيماوي، الموت، نوع من الوسم القديم لكنه الآن بالأدوية، الإحراق من الداخل، وكما في حالة خالد قد لا تفلح كل المحاولات ولا يبقى غير التسليم، لكن هذا كلام طبيب في الكتابة وفي السرطان أنهما تحدٍّ متجدد، صعود على جبال تطهير الروح.

تذكرني التّحورات السرطانية الآن بأغنية البلجيكي سترومي Stromae عن السرطان، ومع طول الزمن والعلاقة بينهما اكتسب السرطان مع عبدالعزيز الفارسي هيئة جديدة، غير معروفة، لكنها خاصة وفريدة، يمكننا أن ندعوها التطهير بالسرطان، فمن يصاب بالسرطان يدخل في حالة كشف:
تتساقط الوريقات عنك، وتشع روحك لتطل عليك دون إضافات أو تورية.

تساقط الوريقات يشبه انكشاف آدم وحواء بعد أن أكلا الثمرة المحرمة، درجة جديد من المعرفة، ومن هناك يبدأ مريض السرطان بالأسئلة، كما يقول عبدالعزيز:
“لماذا كنا نبحث عن الألم فيما مضى باستمرار؟ أكان من الضروري البحث عنه؟ تهطل الأسئلة دون هوادة وستفتش عن إجابات كثيرة، وقد لا تملك الوقت للحصول عليها كلها. تفعل هذا في صمت. تتعلم أن تنصت وأنت تحدق في كل الكون من جديد؛ الأرض والأشجار، والماء، والسماء، والمخلوقات حولك. تبحث عن تقاطعاتك معها. تختار الكلمات بعناية، لأنك لا تحب أن تقول أكثر مما ينبغي أو أقل. هكذا تستعيد توازنك وتتصالح مع كل ما حولك. تعود كائناً حراً آخر”.

وجوه الموت:

من الأشياء اللافتة للنظر والتي تجعلنا نقف عندها الآن طويلًا هو حديث عبدالعزيز عن الاشتياق للموت والذي صرّح في قصته المركزية هل تخاف الموت؟
“أخبرته اشتياقي لملاقاة الموت ورغبتي الجامحة في مكافحة السرطان حتى يستل أحدٌ منا الآخر”.

إن الجمع بين السرطان وبين الموت في نظرنا ليس اعتباطيًا، إشارة روحية عميقة، في نص مركزي مثل هذا، حين نكرر صداه اليوم يبدو أكثر وضوحًا، تبدو الكلمات مخيفة في أحايين كثيرة، ها هو عبدالعزيز في لحظة مصارحة مع مريضه الأثير، لحظة رقة وضعف، يخبره عن اشتياقه للموت.
لننظر لما يقوله في موضع آخر، بعد سين طويلة من تلك اللحظة عن وجوه الموت:
“الموت ذاته لم يقنعني يوماً بأنه حادث مكرر. أنا لم أتعود على مشهد الموت أبداً. كل مرة أتعرف على وجه جديد له. أطارده ولا يكف عن مخادعتي، ويعلمني درساً جديداً، ولقد تعلمت حتى الآن آلاف الدروس منه”.

إنه الموت المتجدد، له وجوه لا تكف عن التناسل، وهو الموت المعلّم، في تحول لافت لصورة الموت، ولندقق هنا في فعل المطاردة، أطارده ولا يكف عن مخادعتي، المطاردة تعني الرغبة في الإمساك به، إن هذه القصة تفرض علينا أن نتبعها إلى النهاية، إن كل معركة مكتملة تهدف إلى الموت بشكل من الأشكال، تندفع أو تدفع نحوه، إنها تحت إشرافه، والسرطان من جهته يدفع الأجساد نحوه، نحو الموت، والعلاج الكيماوي نوع من الموت المضاد للموت، وقد ذهب كل المرضى المعلمين وأخذهم الموت المعلم، فما الذي على التلميذ، تلميذ الاثنين فعله سوى أن يلحق بهم، ذلك الشوق إلى الموت لم يكن كاذبًا، كان تعبيرًا يصدر بلا وعي، لكنه يعبر عن رغبة داخلية عميقة.

لا شك تتعدد الأسباب والموت واحد، لكن هذه القصة لا يمكن أن تغفل عن السبب لذلك الرحيل تحديدًا، وفي النهاية رحل عنا عبدالعزيز الفارسي، بسبب غير متوقع أبدًا، وكما تكرم صديق مشترك بإطلاعي على سبب الوفاة، فإن رحيله جاء إثر مضاعفات عملية في المعدة، وهي عملية ما تزال محل شكوك بنجاحها، حصدت أرواح كثيرين، ولا شك أن دخول تلك المغامرة الخطرة نوع من المقامرة، يدركه الطبيب أكثر من غيره، فهل كانت رغبة الموت واشتياقه هي الدافع الخفي لتلك الخطوة الخطرة؟ لا ندري، لكن الرجل في النهاية غادرنا بعد أن انهارت أجهزته الحيوية، أدت الأدوية لتليف الكبد، والكبد أثرت على الكلى التي توقفت عن العمل قبل يومين من رحيله، أدخل إلى العناية فجر يوم الأحد وفاضت روحه في الساعة الحادية عشر ليلة الأحد التاسع من رمضان العاشر من ابريل ٢٠٢٢م.
على روحه وعلى خطاها الشجاعة على القمم وعلى نقوشه الباقية فيوض السكينة وأمواج السلام. هو القائل:
“دعنا ننقش على هذا الصخر ما نفكر به الآن، ثم نمضي”.

*(كل الاقتباسات لعبد العزيز الفارسي ومصدر الاقتباسات حواران مع الكاتب منشوران بمجلة نزوى.
نص قصة هل أنت خائف من الموت يا أبا هاجر؟ موقع عاشق عمان)

أدب العدد الأخير العدد الثلاثون بعد المائة

عن الكاتب

Avatar

إبراهيم بن سعيد