ظاهرة زواج القاصرات

Avatar
كتب بواسطة أنيسة الكيومية

            في إطار الحديث حول بعض المشكلات المجتمعية أوضح تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام (2005) أن النساء العربيات لا زلن يتعرضن لمجموعة من المشكلات على أساس جندري، كسطوة  الثقافة الذكورية التي تجعل المرأة كائنا يحتاج رعاية ومراقبة في كل أحواله، وتجعل الرجل يستحوذ على بعض الفرص الوظيفية المهمة، أو مشكلة الانقطاع عن المدرسة بتأثير الأوضاع المادية للأسر، والتي  تؤثر سلبا في تعليم الإناث أكثر من الذكور، وأن نظرة الأسرة لأهمية تعليم الأنثى أقل من نظرتها إلى أهميته  للذكر، وأكد التقرير أن الفقر ما يزال قائما في بعض المجتمعات العربية فيؤدي إلى إضعاف النساء من خلال التأثير السلبي في عملية تمكينهن، كما أن هناك ضعفا في الخدمات المقدمة للمرأة العاملة كالخدمات المٌقدمة لمن ترعاهم المرأة كتوفر حضانات لأطفالها أو كبار السن المسؤولة عن رعايتهم.

وعلى صعيد زواج المرأة العربية، فإن الزواج يُعد في عُرف المجتمعات العربية وثقافتها مؤسسة اجتماعية، شجع الدين الإسلامي على إرساء بنيانها على قواعد متينة في كثير من الآيات القرآنية حيث قال: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً) [الروم: 21] غايتها نبيلة ومقاصدها عظيمة، أولها تحقيق السكن والطمأنينة للإنسان ومن بعد ذلك تكوين المجتمع من خلال الإنجاب، وانطلاقا من هذه الغايات فنجاح الزواج يعتمد على مراعاة مجموعة من الضوابط والمعايير مثل:  وضع الشخصين المرتبطين به، وتكافؤهما في العمر والفكر والوضع الاجتماعي والنمو الجسمي والنفسي لهما. على أن عقد الزواج لا يلتزم أحيانا بالضوابط والمعايير الآنفة الذكر، فقد شهدت المجتمعات العربية قديما زواج القاصرات على نطاق واسع، فكانت ممارسة مشروعة بدعم من العادات والتقاليد، وبعض التأويلات الدينية التي تُطوّع النصوص الشرعية لأفكار المجتمع.

وانطلاقا من ظاهرة زواج القاصرات في الثقافة العربية القديمة؛ نجد أنها تفاجئنا بعودتها مرة أخرى كما تؤكد بعض الدراسات وتلاحظها خبرة الكاتبة؛ إذ لاحظت في العام (2021) بعض حالات الزواج من قاصرات في المجتمع تعرضت إحداهن في أقل من سنة لزواج وانقطاع عن الدراسة وطلاق، وحالة أخرى تم تزويجها بسبب كثرة استخدامها لأحد برامج التواصل الاجتماعي، وأخرى تم تزويجها لأن من تقدم لها أخلاقه رفيعة وهو بذلك فرصة لتزويج الفتاة وإن كانت الفتاة قاصرة، وفي عام (2022) تواصل تزويجهن مما يجعل هذه المسألة قضية جديرة بالنقاش.

إن زواج القاصرات يعدّ تعديا على طفولة كائن حي وحرمانا له من التمتع بحقه في الاستمتاع بحياته بما يتوافق وخصائص نموه الجسدي والنفسي، فهو تعدٍّ على حقوق الطفل ويعدّه البعض صورة من صور الإتجار بالبشر، كما أنه خطر على المجتمع بأكمله كونه يهدد منظومة الأمن الاجتماعي بتأثيره في الأسرة واستقرارها لعدم أهلية أحد أطرافها. ومن هذا المنطلق ومن منظور نفسي، يذكر عالم النفس أريكسون Ericsson صاحب كتاب الطفولة والمجتمع (Childhood and Society) أن الطفل يمر بثمان مراحل نمو نفسية واجتماعية وفق خط زمني تطوري مستمر يصحبها تغيرات نفسية دائمة، حيث تؤثر كل مرحلة سلبا وإيجابا في المرحلة اللاحقة لها والتي تحمل توافقا وشمولية أكثر من سابقتها.

 ولا يخلو نمو الإنسان النفسي من فترات اضطراب تؤثر سلبا في بقية مراحل النمو إن لم تُحل، ويرى أريكسون أن نمو (أنا الطفل) يبدأ منذ الطفولة ويكتمل في مرحلة المراهقة نتيجة التفاعل بين الطفل ومحيطه الاجتماعي وما يتلقاه من معاملة وما يعيشه من مواقف يومية، وخلاصة القول من وجهة النظر النفسية: أن الكائن البشري يحتاج إلى أن يعيش مرحلة طفولته كاملة قبل أن ينتقل إلى مرحلة الزواج التي لها  متطلباتها ومسؤولياتها الخاصة بها، وأن التبكير بالزواج قبل أوانه من شأنه أن يلحق الأذى بالقُصّر من الأطفال المتزوجين، وفي هذا الصدد أكدت بعض  الدراسات تأثير الزواج المبكر على النمو النفسي والعاطفي للطفلة كونها تتعرض لتجارب لا تمتلك القوة النفسية للتعامل معها وغالبا لم يتم التطرق لها في البيت بدافع الجهل والحياء والعادات والتقاليد التي تجعل مثل هذه الحوارات محرمة، ولا في المدرسة لقصور المناهج الدراسية عن موضوعات التربية الجنسية، كذلك تؤكد بعض الدراسات تأثير الزواج المبكر على التحصيل الدراسي وانقطاع نهائي عن الدراسة، كما أن الزواج المبكر يؤذي جسد الطفلة إذ تدخل في مرحلة حمل ونفاس وربما إجهاض فضلا عن أنه أحد أسباب الطلاق.

وعلى الرغم من هذه المحاذير من الزواج المبكر والأضرار التي تنتج عنه وفي معرض التبرير لحدوثه، يذكر البعض بأن الواقع يشهد على  تجارب أسرية ناجحة لقاصرات لا سيما في السنوات الماضية، ورغم التسليم  بوجود هذه الحالات، بيد أن نجاحها لا يعني سهولة التجربة ولا ينفي وجود ضرر نفسي في ذات الوقت، كما أن انتشارها لا يعني صحة السلوك الممارس، كما أننا  إن تعمقنا فيها سنجد أنها كانت لطرفين قريبين في العمر ومتشابهين في التجارب، بعكس ما نشاهده من حالات تجتمع فيها قاصرة مع شخص يكبرها بعشر سنوات أو أكثر، وفي الوقت ذاته فنحن لا نرى زواجا لذكر قاصر وإنما لأنثى قاصرة، مما يعني تعرض الفتيات القاصرات لسوء معاملة لا يتعرض لها أقرانهن من الذكور، كما أن متطلبات النجاح في العلاقات الزوجية أصبحت أكثر صعوبة بسبب تعقيدات الحياة، وقد يقول قائل بأنها ليست ظاهرة وإنما ممارسات فردية تقوم بها بعض الأسر ولها أسبابها، وهنا يجب التأكيد بأن حق الفرد كحق الجماعة وأن الدولة يجب أن تسعى لحمايته كما تسعى لحماية الجماعة، وقد يرتكز البعض على موافقة القاصر على الزواج وعدم اعتراضها ، وهنا لا نُعوّل على صمتها فصمتها له معان كثيرة فربما خوفًا من مخالفة الأسرة وربما فرحًا بالزواج في ظل الجهل بمسؤوليته.

وعند البحث عن الأسباب التي تقف وراءه، أكدت معظم الدراسات أن الفقر والوضع المادي للأسرة أحد الأسباب الرئيسية لزواج القاصرات، يليه العادات والتقاليد التي تنظر إلى الزواج على أنه صيانة للعفة وحماية من التعديات السلوكية، وتتجلى هذه الأسباب بصفة أساسية في الأسر قليلة الحظ من التعليم، واللافت في الأمر أن معظم دول العالم ترتبط بمعاهدات دولية مثل سيداو التي تحرم زواج القاصرات، ولكن ما زال الأفراد يمارسونها.

أولت حكومة سلطنة عمان اهتماما كبيرا بالطفل وبالمرأة في الوقت ذاته، فانضمت للمنظمات الدولية المختصة ووقعت على اتفاقيات دولية كمعاهدة سيداو، وتتابعت الإجراءات الحكومية كإنشاء اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في عام 2008 وفي عام 2012 أُنشأت دائرة الحماية الأسرية التي من مهامها حماية المرأة وتلقي الشكاوى الخاصة بالعنف الأسري، وأصدرت في العام 2014 قانونا للطفل ، إلا أن الواقع يوضح استمرار انتهاك حقوق الطفل وخصوصا الإناث وذلك بتزويجهن قبل وصولهن لسن الثامنة عشر حيث أشار تقرير الأمم المتحدة الصادر عن اللجنة المعنية بالقضاء على أشكال العنف ضد المرأة أشار بوجود حالات زواج طفل في السلطنة، مع كون المادة رقم 7 من قانون الأحوال الشخصية تشترط أن يكون سن الزواج 18 عاما، وتشير إحصائيات الولادات الصادرة عن وزارة الصحة للعام (2020)  بأن أعداد الأمهات اللواتي يبلغ عمرهن 15 عاما بلغ (10) مما يعني أن الزواج تم قبل هذا السن، وفي ذات الوقت يستمر انقطاع الطالبات عن المدرسة لهذا السبب إلا أن وزارة التربية والتعليم للأسف لا تتبع هذه الحالات إلا من خلال تطبيق لائحة شؤون الطلبة التي لا تسمن ولا تغني من جوع في هذا الجانب، لذا لزم على السلطات الحكومية والأهلية تتبع هذه الظاهرة –إن صح التعبير- والقضاء على أسبابها، والتوعية بخطرها على الفرد والمجتمع، ونشر ثقافة قوانين حقوق الطفل بحيث تكون معروفة لدى الأطفال وذوي أمرهم والقائمين على التعامل معهم كالمعلمين والأطباء ورجال الدين، ومراجعة  بعض القوانين التي تُستغل من قِبل البعض وتعديلها فقانون الأحوال الشخصية يُحدد سن الثامنة عشر للزواج إلا أنه يسمح بأقل منه في حال موافقة القاضي مما يدفع البعض للتلاعب ،وفي بعض الأحيان يؤجل عملية التسجيل الرسمية لعقد الزواج، كما يجب تجديد آليات عمل لجان حقوق الطفل بالمحافظات التي تعتمد بالدرجة الأولى في عملها على البلاغات المقدمة لها دون وجود خطة استباقية لوقف هذه الممارسة أو الحد منها ،وتفعيل الخط الساخن لتقديم بلاغات فورية عن التجاوزات في هذا الشأن، وتفعيل برامج التوعية من خلال أجهزة الإعلام المرئي والمسموع ووسائل التواصل الاجتماعي والمحافل الأدبية والأمسيات الثقافية وتفعيل وتنويع سبل الرعاية الاجتماعية  للأسر الفقيرة والأسر التي تمر بأزمات عائلية ونفسية كوفاة أحد الأبوين أو تسريح أحدهما عن العمل أو تمر بحالات انفصال، وتسهيل إجراءات إقامة الدعوات القضائية المتعلقة بحقوق الطفل  والالتزام بتوصيات اللجان الدولية وتحويلها لواقع ملموس .

المراجع

الأمم المتحدة. (2017). اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.

المكتب الإقليمي للدول العربية. (2006). تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2005

راجح، أمل صالح سعد. (2021). زواج القاصرات في المجتمع اليمني الأسباب والآثار. مجلة جامعة عدن للعلوم الإنسانية والإجتماعية،2(1)،143-157.

زلط، ندى نبيل أحمد. (2021، أغسطس). آليات الحماية الاجتماعية للقاصرات من الزواج المبكر. مجلة القراءة والمعرفة،283، 181-205.

حمزة، إنجي خيرت. (2019). المخاطر المجتمعية لظاهرة الإتجار بالبشر: زواج القاصرات نموذجا. مجلة جامعة الآداب،36(2)، 893- 925..

قناة الوصال. (2021، نوفمبر،28). زواج القاصرات] فيديو [. يوتيوب. https://www.youtube.com/watch?v=IeaiVpGtYss

العدد الأخير العدد الثلاثون بعد المائة ثقافة وفكر سياسة

عن الكاتب

Avatar

أنيسة الكيومية