روسية بيضاء تراقص أنسام الزمن

Avatar
كتب بواسطة إبراهيم بن سعيد

في الوقت الذي تتصدر فيه روسيا وروسيا الصغرى (أوكرانيا) نشرات الأخبار على التوتر السياسي المعروف، تقدم دار الاوبرا السلطانية لجمهورها عرض باليه فاتن، مستلهم من تاريخ اختيهما روسيا البيضاء (بيلاروسيا) في القرن السادس عشر، يظل ينبعث التاريخ في المستقبل ما دام الحاضر هو الحارس الوحيد للماضي والمستقبل.

يحضر الزمن في هذا العرض من أكثر من زاوية بيد مخرج العرض أسطورة رقص الباليه البولشوي يوري ترويان الذي احتفل قبل عامين بدخوله السبعين، وعلى أنغام المؤلف الموسيقي فياشسلاف كوزنتيسوف الذي يمضي إلى عامه الثامن والستين، تقدم فنهم دار الأوبرا التي تحتفل بعامها العاشر، كل هذه الأعوام مجسدة برقصات فرقة المسرح الوطني البيلاروسي ومقدمة لجمهور الأوبرا السلطانية في عرض باليه بارع، حالم، فتان. ومغوي. في قمة أخرى من عروض الدار للفنون الغربية والعالمية، مقابل تضعضع العروض العربية.

يفتتح العرض تعزف الموسيقا تتقدم الغيوم على الشاشة، لتوحي بالسفر عبر الزمن، إلى الماضي، وترفع الستارة عن جسم جامد وسط خشبة المسرح يحير الجمهور، يتجمد الزمن برهة كافية ثم يتكشف الجسم الجامد الملقى على خشبة المسرح عن راقصة، تنبعث من ذلك الجمود وتلك الحيرة، زهرة تراقص النسيم، ولاحقًا يتعرف الجمهور في راقصة الباليه تلك على الراقصة الرئيسية (فيكتوريا ترينكيا) وبطلة العرض نفسها، هكذا يبدأ العرض ويدخل الجمهور للقصة؛ تقديم البطلة وهي جامدة على خشبة المسرح كقطعة ديكور محيرة، تبدو لنا التقاطة بارعة مثيرة للتساؤل من مخرج العرض، الغرض الملقى هذا هو البطلة نفسها، بطلة هذا العرض، بطلة كل العروض، بطلة الحياة: المرأة، تجسد الإنسان الذي قد يكون مجرد جسم جامد أو يكون نابضًا بالحياة.

يمكن لكل فرد من الجمهور رؤية قصة العرض من أكثر من زاوية، والفن بشكل عام له طابع مرآوي، عاكس، وهو يعكس ليس وحسب منفذيه بل وحتى جمهوره، كل فرد منخرط في العمل، وهكذا يمكن لكل منا أن يرى في نفس هذا العرض قصة حب، وقصة وفاء، مثلما يجد معاني الطمع والخيانة والأمومة والأبوة والوطنية والحرب والثأر وكرامة النفس، وغيرها، لكن في صلب القصة تقف هذه الأنثى في أطوارها، منبع الحياة، الفتاة العاشقة الزوجة الأم الأرملة الملكة الثائرة التي تنقذ المملكة، المرأة المرتبطة بالولادة، هنا في هذه القصة، لنظام متوارث صارم، لأسرة ملكية، حيث على المرء الانصياع التام للمنظومة الغالبة، وتغليب المصلحة العامة ولو على حياته الخاصة، حياة مرهونة سلفًا، وكل خروج مسوّر ومدجج بالحراس النفسيين والحقيقيين.

والقصة كما يشير المؤرخون قصة واقعية تعود شخصياتها الواقعية للقرن السادس عشر، عن أنستازيا أميرة مستسلاف الفتاة التي أحبت الأمير ميخائيل جلينسكي ولكنها تزوجت أمير سلوتسك سيمون أوليالكوفيتش، لتنجب منه، ويموت الأمير في مواجهة التتار الهاجمين على بلاده بالحيلة والإغواء ليسقط الأمير بخنجر زيرا ابنة أمير التتار الخان أحمد، في رمزية أخرى، حسب رواية العرض، وتسقط مملكته وزوجته أناستازيا في الأسر لصالح التتار وميخائيل جلينسكي الحبيب السابق الذي تحول لخائن متحالف مع التتار، وتقدم الأميرة الأرملة كهدية لميخائيل الحبيب السابق الذي يستيقظ ضميره أمام ذلك المشهد ويحرر الملكة، التي تعود لتنهض وتقود أرضها من جديد للتحرر وهذه المرة بمعونة الحبيب النادم.

ينقسم العرض إلى فصلين بمشهدين لكل فصل وكل مشهد بعدد من اللوحات الراقصة، يبرع في تقديمها طاقم العرض والراقصين، فمن لوحة الحب والعشق بتعابيرها الراقصة عن الالتحام الجسدي تعبيرًا عن الرباط القلبي، إلى لوحة حفل التعرف البهيج بالأزياء الجميلة والرقصات الباروكية بالملك الشاب والتوافق على الزواج، ولم يضعف مستوى الراقصين في أي لوحة ومشهد من تلك المشاهد الراقصة، ولعل أكثر مشاهد العرض التصاقًا بالذاكرة مشهد اللقاء الحار بين الزوجين المجسد ببراعة، حيث التسامي عن الإسفاف والابتذال لكن مع إيلاء المشهد حقه التعبيري القوي والحاسم، ولكن مشهد الزوجة الثكلى في الفصل التالي يبدو وأبرع، إذ نرى الزوجة التي فجعت بزوجها ترفع يداها بكل الحيرة الثكلى للسماء، بكل تعابير العجز والتقلب الجسدي على الجسد الذي فارقته الحياة، لتصوير الرغبة الحارقة في إعادته للحياة ثم كل التعابير الجسدية عن العجز والانهيار والضعف في لوحة بارعة أدتها الراقصة الرئيسية، ومما يبقى في الذاكرة كذلك إحدى اللوحات التعبيرية المؤثرة للأميرة التي تبعد طفليها عنها لأنها مشغولة بإنقاذ المملكة، لبراعة المشهد في تصوير النوازع الطبيعية المتضاربة التي تتناهش قلب الأم، بين الأمومة للطفلين وبين الأمومة الملكية للبلاد ككل، كل ذلك متحقق ببراعة فاتنة في مشهد تعبيري آسر، إن مسعى كل لوحة هو صهر كل تلك الطاقة وتخليدها في لوحة فنية، لكنه لوحة فنية غير جامدة يمكن اقتناؤها وبروزتها وتعليقها على الجدار، بل هي لوحة فنية حية، تتجسد من التيار تبقى برهة ثم تذوب مع تيار الزمن، ملتحقة بالماضي، ولا يبقى لها غير صورة، مجرد ذكرى.

نجحت بلا شك فرقة باليه المسرح البولشوي الوطني ببراعة رقصهم وانسجامهم وصدقهم الشعوري اللافت، في تحقيق رؤية هذه القصة التاريخية لوطنهم وسط الاشتغال الكوريغرافي الخبير بكل إيماءة جسدية، إلى الأزياء الزاهية المنسجمة مع كل مشاهد المسرحية، كل ذلك تنبعث فيه الحياة أمام مرأى المشاهد، تلك الحياة التي تمضي على أنغام موسيقا فياشسلاف كوزنتيسوف (بقيادة المايسترو نيكولاي كوليادكو) المتناغمة والمتجذرة مع كل حركة راقصة وكل تحول في الأحداث وتهيئته للأحداث القادمة، والتي لا تنفصل عن العرض والممتزجة به امتزاجًا لا ينفك، وتضفي على العمل كله روحًا سماوية.

مدة العرض ساعتان، ساعتان من التعرض الفني، يذهب المرء أساسًا لهذا الغرض، ليعكس داخله تجلي الجمال الفني ساعة من الزمن، أيًا كان الحدث الفني، نوع الفن يأتي تاليًا، موضوعه يأتي في درجة ثالثة، تنفيذه وشكله ومرماه ومغزاه كلها مباحث تالية، أما الأساس فهو تلك الساعة والساعتان من العمر التي يقضيها المرء في محراب فني، وسط حضرة فنية، في تركيز قلبي مطهر على الجمال، والإبداع.

أدب العدد الأخير العدد الثلاثون بعد المائة ثقافة وفكر

عن الكاتب

Avatar

إبراهيم بن سعيد