ماذا يحدث في المسجد الأقصى؟

Avatar
كتب بواسطة عبد الرحمن محمود

مع انتصاف شهر رمضان وتحديداً باليوم الـرابع عشر الذي تقاطع مع مطلع عيد الفصح العبري، تحولت باحات المسجد الأقصى إلى ما يشبه ساحة حرب بين الفلسطينيين وقوات الاحتلال الإسرائيلي التي لم تتوانَ عن استخدام قنابل الغاز والرصاص المطاطي لتفريق المصليين وإخلائهم بالقوة، من أجل التمهيد لاقتحام مستوطنين متطرفين للأقصى المبارك وإتاحة الفرصة لهم لممارسة طقوس تلمودية.

سبق ذلك وعلى مدار أسبوعين، اندلاع مواجهات بين الشبان المقدسيين وشرطة الاحتلال في منطقة باب العامود-أحد أبواب البلدة القديمة- وذلك عقب كل صلاة تراويح، إذ اعتاد أهالي القدس الجلوس على مدرجات الباب كمتنفس لهم في ليالي رمضان، الأمر الذي لم يرقَ للاحتلال مما دفعه للتنكيل بالمواطنين وتفريقهم وتنفيذ حملات اعتقالات واسعة.

المشهدان السابقان يشيران إلى أن الواقع الذي تعيشه اليوم مدينة القدس المحتلة وخاصة المسجد الأقصى، يكاد يشابه تماماً وقائع العام المنصرم، التي بدأت في محاولات الاستيلاء على حي الشيخ جراح وإخلاء الفلسطينيين من منازلهم، ثم انتقلت إلى انتهاكات إسرائيلية جسيمة بحق المعتكفين في الأقصى، وصولًا إلى اندلاع حرب جديدة على قطاع غزة انتهت بعد 11 يوما بـ 21 مايو 2021.

وهنا تُطرح تساؤلات إلامَ يسعى الاحتلال من وراء تكرار السيناريو ذاتهعلى مدار عامين متتالين؟ وهل يخطط فعلاً إلى فرض التقسيم الزماني والمكاني في الأقصى المبارك بين المسلمين واليهود؟ على غرار ما عمل على تنفيذه وبات أمراً واقعاً بالمسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية المحتلة، حيث يمنع الآن رفع الأذان وإقامة الصلوات لأيام متواصلة.

الإجابة تتطلب الإحاطة بالمشاريع التهويدية، خاصة ما يعرف بخطة 2020 (القدس الكبرى) التي وضعتها الجمعيات الاستيطانية بدعم من حكومة الاحتلال والهدف الأساس منها تهويد البلدة القديمة وتعزيز المعالم الاستيطانية مقابل شطب أي وجود إسلامي عربي في القدس والأحياء القديمة منها خاصة.

ومن أهداف الخطة التي أعلنت تفاصيلها في عام 2009، وبدأ تطبيقها بعد عام واحد، على تقليص النسبة السكانية العربية لما بين 10-12% وتهجير المواطنين المسلمين والمسيحيين على سواء، وفي سبيل ذلك رصدت أموالاً طائلة بمئات ملايين الدولارات، بتمويل حكومي وتبرع كبير من بعض أثرياء اليهود حول العالم، بإشراف مباشرة من بلدية الاحتلال.

وقد عمل الاحتلال على تنفيذ الخطة من خلال زيادة معدل المشاريع الاستيطانية وتطوير البنية التحية لصالح المستوطنين مع التخطيط لضم المستوطنات الكبرى كـ “معاليه أدوميم” و “كفار أدوميم” إلى نطاق القدس، مع طرد الفلسطينيين من ذات النطاق مثلما حدث مع سكان قرية الخان الأحمر عام 2012 عندما أعلن الاحتلال نيته نقل السكان (50 عائلة) إلى منطقة شمالي أريحا بحجة البناء غير القانوني.

الهدف الحقيقي كان طرد السكان الذين يبلغ عدد أفرادهم 200 نسمة يعيشون على مساحة 40 دونماً، وذلك حتى يكتمل مخطط فصل شمال الضفة عن جنوبها وإحاطة العاصمة المحتلة بحزام استيطاني من الجهات الأربع ينذر الوجود الفلسطيني فيه، إلا أن قرار تنفيذ عملية بإخلاء سكان الخان الأحمر تأجل مرة تلو أخرى على وقع موجة الاستنكار العربي والدولي.

الشيخ جراح لم يكن بعيداً عن الهدف ذاته، وهو الحي الذي يقع على حدود ما يعرف بخطة الهدنة التي جرى ترسيمها عام 1949، بغاية الفصل بين شرطي المدينة الغربي والشرقي بعد النكبة، ومن ذاك التاريخ يتعرض لعمليات استيطانية كانت باكورتها إقامة مستوطنات ما يعرف بـ “التلة الفرنسية”.

وتصل مساحة الحي لنحو 808 دونمات، بينما يبلغ عدد العقارات الفلسطينية المهدد سكانها بالطرد 28 منزل يعيش فيها ما يزيد عن 500 مواطن، وهي التي أُنشئت في العام 1956، لإيواء الفلسطينيين الذين هجروا بنكبة 48، من خلال اتفاقية بين وكالة “أونروا”، والحكومة الأردنية، ولم يتم تسجيلها نتيجة حرب النكسة 1967.

بعد خمس سنوات من ذلك، بدأت معاناة سكان الحي، عندما زعمت جمعيات استيطانية ملكيتها الأرض منذ العام 1885، دون تقديم أي إثبات، وطلبت إخلاء أربع عائلات من منازلها، وهو ما حكمت به محاكم الاحتلال، ثم تتابعت عمليات الطرد وصولاً إلى نوفمبر الثاني 2008 عندما طـردت سـلطات الاحتلال قسـراً أولى الأسر الفلسطينية (الغاوي) من الحي ووطّنت بها اليهود.

الأمر ازداد تعقيداً في أكتوبر 2020 بعدما قضت محكمة إسرائيلية، بإخلاء سبع عائلات جدد، ليرتفع عدد العائلات المهددة بالإخلاء لـ 12، الأمر الذي واجه رفضًا فلسطينيًّا واسعًا تزامنا مع خطوات احتجاجية كانت إحدى شرارات معركة سيف القدس، التي تمر ذكراها السنوية الأولى بمايو المقبل.

السرطان الاستيطاني الذي يواصل التفشي منذ نحو ثلاثة عقود في حي الشيخ جراح، يندرج في إطار خطوة التهويد 2020، خاصة المسار المتعلق بتعزيز التفوق الديموغرافي اليهودي وصولاً إلى مليون مستوطن وأكثر، مقابل عزل التجمعات الفلسطينية خلف جدار الفصل العنصري وممارسة أساليب الضغط والتنكيل لدفعهم إلى الرحيل عن القدس.

فوفقاً لمعطيات 2021، فإن “إسرائيل” صرفت 3.5 مليار دولار على الاستيطان والتهويد في القدس المحتلّة خلال العام المنصرم، وصادرت خلال ذات العام 14 ألف و800 دونم من أراضي المدينة لصالح مشاريعها الاستيطانية، بالإضافة إلى المصادقة على 18 ألف و240 وحدة استيطانية جديدة في القدس.

وتشير البيانات المعلنة لوجود 220 ألف مستوطنًا في القدس المحتلة موزعين على ثلاثة عشر مستوطنة كبيرة.

ويتحدث الباحث في شؤون القدس فخري أبو دياب عن أن الاحتلال أقر خلال 2021، تسع مشاريع تهويدية في محيط الأقصى، بالإضافة إلى حفرية نفقين، أحدهما يبدأ من عين سلوان باتجاه باب المغاربة وحائط البراق بالأقصى، وآخر من منطقة القصور الأموية، مما جعله يصف العام بالكارثي والأصعب على القدس منذ عام 1967.
خطط الاحتلال لا تحمل فقط أهدافاً بالسيطرة على الأرض وطرد السكان وإحلال المستوطنين، بل تسير بالتوازي مع مشاريع أخرى للغاية ذاتها، كتعبيد الطرق الالتفافية وبناء الجسور وخدمات النقل، وفي سبيل ذلك صادقت بلدية الاحتلال بفبراير الماضي على 300 مليون دولار لتطوير بنى تحتية وربط شبكات المواصلات بين مختلف الأحياء الاستيطانية في القدس.
فضلاً عن مخططات لضرب الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية عند أهالي القدس (حرب الهوية والمصير)، وهنا يبرز سؤال جديد هل لملاحقة المقدسيين عند مدرجات باب العامود والتنكيل بهم ونصب الحواجز والنقاط العسكرية ونشر كاميرات المراقبة علاقة بتلك الحرب؟
الإجابة تأتي على لسان رئيس الهيئة المقدسية لمناهضة التهويد، ناصر الهدمي، الذي أكد أن الاحتلال منزعج من تحول باب العامود أيقونة وطنية واجتماعية ليس لأهالي القدس فحسب، بل للفلسطينيين كافة.
ويقول الهدمي في حديث صحفي: “هذا الباب يستخدمه اليهود للوصول إلى حائط البراق، واستمرار وجود هذا الكم الكبير من الفلسطينيين على مدرجه يشكل بالنسبة لهم خطراً أمنياً، لذا تسعى سلطات الاحتلال إلى تغيير هذا الواقع بشكل جذري”.
لساحة وباب العامود مكانة استراتيجية؛ كونها أحد أهم أبواب القدس القديمة وأشهرها وأوسعها والمنفذ الرئيسي للبلدة القديمة من الجهة الشمالية، حيث كان على مدار قرون الممر الرئيسي لجميع القوافل التجارية والأفواج السياحية المتجهة لمدينة للقدس.

ويعلق الهدمي على ذلك “يخطط الاحتلال لتدمير التدفق الاجتماعي عبر باب العامود لقتل ما تبقى من الأسواق، والسيطرة على عدد أكبر من العقارات في البلدة القديمة”.
فالمعطيات المختلفة تشير إلى أن استهداف منطقة باب العامود تأتي في سياق ترسيخ الوجود الاستيطاني العسكري عند أهم أبواب القدس، وتوفير حماية مضاعفة للمستوطنين، مما سيساهم في زيادة وتيرة عمليات التدنيس للمسجد الأقصى، وهو ما يترجم في شهر رمضان وبقية أيام العام باقتحامات مكثفة للأقصى، الذي بات عنصر ثابت برزنامة اعتداءات الاحتلال التي لا حصر لها.
وتكشف اقتحامات الأقصى في رمضان 2022 أن الجماعات الاستيطانية باتت أكثر جرأة في تدنيس الأقصى خلال المناسبات الإسلامية، وأن لا خطوط حمراء تقف أمام اقتحامات اليهود للأقصى في مناسباتهم المختلفة حتى وإن تصادفت مع العشر الأواخر من رمضان، وكل ذلك في طريق تحويل وجود المستوطنين في الأقصى إلى “أمر عادي”.
وقد نادت جماعات “بناء المعبد” من المستوطنين واليمين المتطرف في الأسبوع الثالث من الشهر الفضيل لأداء “قربان الفصح” وإدخال جِدِي إلى المسجد الأقصى عبر دعوات علنية، واعدة من يتمكن من ذلك بمكافأة مالية مقدارها عشرة آلاف شيكل “حوالي 3100 دولار”، ومكافآت مالية أخرى لمن يحاول ولا ينجح تماماً.
تلك النداءات، سبقها اقتحام مجموعة من كبار حاخامات مستوطنات الأقصى وعقدوا العديد من المحاضرات والنقاشات “التحضيرية” لـ”عيد الفصح” العبري ثم تنفيذ محاكاة لتقديم القربان ملاصقة للسور الجنوبي للمسجد الأقصى ضمن مساعي لاستكمال خطوات “التأسيس المعنوي للمعبد” التي شملت مسبقاً على ما يسمى بـ”السجود الملحمي”، و”خدمة التابوت”.
وبالطرف الآخر، خرجت دعوات فلسطينية وإسلامية لشد الرحال إلى الأقصى والاعتكاف فيه لحماية الأقصى ولقطع الطريق أمام محاولات تقديم الذبائح والقرابين أو ممارسة طقوس تلمودية في باحات الأقصى، وهو ما نجح به المرابطون بالأقصى رغم قسوة الهجمة الإسرائيلية التي تعرضوا لها خلال الأيام الماضية، من الاعتقال والضرب والملاحقة والإبعاد.
أخيراً وحتى إن فشلت محاولات ذبح القرابين، فإن الواقع يؤكد أن جماعات المعبد باتت أكثر جرأة في دعواتها لتحقيق حلمها في هدم المسجد الأقصى المبارك وبناء “الهيكل” مكانه، وكل ذلك يحدث بدعم إسرائيلي رسمي يشرف بشكل مباشر وغير مباشر على جملة مخططات تهدف في نهاية المطاف إلى إحلال المكون اليهودي بكل تفاصيله، عوضاً عن الحضور الإسلامي بكل قداسته وتاريخه في مدينة القدس المحتلة والمسجد الأقصى خاصة.

المصادر:
تقرير إحصائي: الاستيطان في 2021-حقائق وأرقام
معركة على هوية باب العامود

العدد الأخير ثقافة وفكر سياسة

عن الكاتب

Avatar

عبد الرحمن محمود