جلبرت هايت متحدثا عن المعرفة ومستقبلها

Avatar
كتب بواسطة بنعيسى النية

إن المستقبل هو مستقبل العقول المنتجة للمعرفة، وقوة هذه الأخيرة محكومة بقوة العقول التي أنتجتها، وهذه السيرورة عملية ليس هينة، فالعقول تستلزم الإرادة والعزيمة والحكمة من أجل توليد أفكار جديدة وفعالة في الزمان والمكان والحاضر والمستقبل. ولنقترب من هذا الموضوع ارتأيت التوقف مع جلبرت هايت وتصوره لمسألة: “المعرفة ومستقبلها”.
إن قوى المعرفة هي قوى فذّة ولا يعدلها أو يقاس بها شيء، فما هو مستقبل المعرفة، وإلى أية غاية هي خليقة بأن تسير بالإنسان؟ يتساءل جلبرت، مضيفا: ليس للمعرفة مصير واحد، بل ثمة ثلاث غايات قد تنتهي إلى إحداها.
الاتساع:
أما المصير الأول فهو الذي يرجوه الكثيرون منا، لا جميع الناس. فقد يتسع نطاق المعرفة وتنتشر رقعتها وتزداد قدرة العقل ويعلو شأن العمل يعمله، وأكبر ما يبشر بأننا صائرون إلى هذا المستقبل هو ازدياد المعرفة بالقراءة والكتابة في العالم وفي وسع مؤرخ أن يضع كتابا جيدا سليم الأركان في تاريخ الحضارة ويجعل محوره تقدم القراءة والكتابة ونشر الكتب وتوزيعها، ففي الأجيال الأربعة أو الخمسة الأخيرة خاصة، يرى جلبرت أن التقدم في معرفة الكتابة والقراءة بلغ مبلغا من السرعة وسعة النطاق، حتى ليعجز أكثرنا عن تقديره، فهو انتصار من انتصارات الروح.
وثمة ثلاث نواحٍ من مجهود البشر يحق لنا أن نتوقع فيها، خلال القرن المقبل، تقدما عظيما ينفع البشرية نفعا أكيدا، وهذه النواحي هي القراءة والكتابة، واستعمال الأرض، والصحة العامة والناحية التي يمكن أن يتم فيها أعظم تقدّم هي حتما ناحية القراءة والكتابة.
لقد كانت المؤتمرات العلمية الدولية، حتى عهد قريب، قليلة ومتفرقة، وكانت الهيئات التي تدعو إليها وتشرف عليها، غير راسية البنيان، وفي السنوات الباهرة الحافلة بالرجاء والسعادة، في مطلع القرن العشرين بدأت تتأسس جمعيات عالمية للتعاون الفكري، ولكن الحرب العالمية الأولى مزقت أوصاله، أما الحرب العالمية الثانية فقد شجّعت على المضي في إنشائها مرة أخرى. فمنذ سنة 1945 عقدت مؤتمرات دولية كثيرة كبيرة الفائدة، وعددها يزداد ازديادا مطردا كل سنة، كمثل مواسم الموسيقى، والأفلام، ومؤتمرات المؤرخين، وخبراء الطعام وعلماء الأوراق المخطوطة. ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والتعليم والثقافة تتوخى في طليعة الأغراض التي تتوخاها، أن تحفز الهمة إلى عقد هذه المؤتمرات وتنظيمها، فاليونسكو هي خلية جديدة في العقل العالمي.
هذا هو مستقبل المعرفة الذي يعلق به رجاء كثيرين منا: أن يتسع نطاقها في جميع أرجاء الأرض. غير أن هناك طريقين آخرين قد تسلكهما المعرفة في مستقبلها.
الانتحار:
أحدهما أن يقدم العقل البشري على الانتحار. يقول جلبرت: إن الكثرة الغالبة من الناس تجلّ المعرفة، ولكن ذلك لا يعني ضرورة أنهم يحبونها. وقد كان سويفت المتشائم يقول: إن قدرة الناس على التفكير هي كمثل قدرتهم على الطيران. ولنفرض أن مستوى الحياة مضى يرتفع في جميع أرجاء الأرض، كما تم له في القرن الماضي، وإن عدد السكان ازداد مطردا، وأن ساعات العمل قد قلت وساعات الراحة والفراغ قد زادت، وأن ما يقلق الناس قد خفّ، وأن فرص المتعة قد كثرت كثرى عظيمة- ترى ماذا يؤثر الناس يومئذ؟ أيفضلون المعرفة على المسكرات؟ أيأخذون الفن والموسيقى والكتب، ويدعون الميسر وسباقات الخيل؟
بناء على ذلك، يذهب جلبرت إلى القول بأنه يشقّ على المرء أن يقطع برأي؛ فالناس، بين رجال ونساء في جميع أقطار الأرض، لا يكادون يحرزون قليلا من مال وفراغ، وشيئا يرفعهم فوق ضغط الحاجة إلى الطعام خلال أسبوعهم المقبل، ومخاوف السنة التالية، حتى تراهم قد صاروا إل سخف وقرف فيما يؤثرونه من ألوان المتعة. وسواء أحسبت المال شيئا يمثل عملا إضافيا، (تجنيه في بضع ساعات)، أو مادة (كالنفط أو غيره من المعادن المستخرجة من جوف الأرض، أو نباتات وحيوانات تنمو على سطحها أو قدرة مولّدة من ألوان الطاقة المختلفة) فإنه مما يروّع النفس أن ترى ألوف الملايين من ساعات العمل ومقادير لا تحصى من المواد تبدّد وتبذّر كل يوم في جميع العالم، على المتعة السخيفة. وليس في لون واحد منها ما يزيد على متعة يوم وحسب، ومعظمها لا يؤتي حتى هذا، وكلها قائمة على فكرة “المتعة” وهي تعني حقيقة إشباع شهوة عارضة. فكأننا نمتّ إلى القردة بصلة لأن كثيرين منا لا يدركون أن المتعة هي غير السعادة.
فمن الممكن حسب جلبرت أن ينتهي الفكر البشري إلى هلاكه تحت سيل من السخف البشري. فالأمم والحضارات التي تكشف أنه أيسر عليها جدا أن تنصرف إلى المتعة العابرة دون أن تلقي بالا إلى شيء باقٍ في عالم العقول، سرعان ما تجد عضلاتها العقلية قد ضعفت أو استرخت، وأنها لا تستطيع أن تفكر مطلقا في بعض الموضوعات الصعبة، وأن تؤثر أن تُحلّ بعض الانتفاضات العاطفية المتفرقة محل النشاط الفكري المتصل، وإذا هي تلغي نفسها في آخر الأمر وقد استسلمت للهمجية استسلاما، أبهج في حسّها، ولكنه أكمل من استسلامها لغزوة من الهمج. ذلك أنها تصبح كالقبائل البدائية، عاجزة عن القراء والكتابة، وعن تنظيم الخبرة في صورة منطقية، وعن وضع الخطط للمستقبل أو تذكر عِبر الماضي والأخذ بها.
السيطرة على الفكر:
أما المصير الثالث فهو اللجوء العمد إلى القوة للسيطرة على الفكر البشري والحد من نشاطه، وهذا أيضا قد وقع غير مرة في التاريخ، وغرض الذين يحاولوا السيطرة على الفكر هو واحد لا يتغير، وجميعهم يتوسلون بمبدأ واحد، فهم يجدون تفسيرا فردا للعالم، أو ينشئون نظاما واحد للفكر والعمل، من شأنه –في ظنهم- أن يشمل كل شيء، ثم يسعون إلى فرضه على جميع الذين يفكرون.
وهنا يؤكد جلبرت على أن قدرة العقل البشري على العمل تفوق كل جهد قام به العقل على الإطلاق، والرجل السوي يستعمل جميع عضلاتها خلال حياته بعد البلوغ، ولكنه يدع أجزاء كبيرة من مخّه، قد تبلغ ثلثيه، في سبات عميق، ولن تجد بين كبار المبدعين رجلا شكا من قصور عقله عن مجاراة ما يطلبه منه، أو تجد مخه كان أداة غليظة مفلولة الحد، بل على الضد تجدهم يعترفون بأن الحياة تشرف على خاتمتها، قبل أن يتعلموا كيف ينتفعون بعقولهم أكمل انتفاع وأتمه.
ومن هذا المنطلق، يؤكد جلبرت مرة أخرى على أن العقل، على ما يحيط به من حدود، وينطوي فيه من مخاطر، ما يزال قوة لا غنى عنها من قوى الإنسان، ولكنه ليس سر كيانه الأوحد، فالإنسان ليس آلة تفكر، وينبغي له ألا يحاول أن يصير. ولا هو حيوان مفكر، فهو أكثر من ذلك كثيرا، أعظم وأشد تعقدا.
وجملة القول، إن المعرفة بمثابة الهواء الذي نستنشقه، فلا مفر من ممارسة التفكير وفق خطة واضحة من أجل المساهمة الفعالية في رقي وازدهار المجتمع والوطن والحضارة ككل، وهذه مهمة شاقة تتطلب حنكة أكاديمية حتى تكون نتائج التفكير نتائج في صالح العامة وتكون بذلك معرفتنا مبنية على أسس واضحة بها نخطو إلى الأمام.

أدب العدد الأخير العدد الواحد والعشرون بعد المئة ثقافة وفكر

عن الكاتب

Avatar

بنعيسى النية