زبدة فيروسية

Avatar
كتب بواسطة إبراهيم بن سعيد

كان الكلامُ كأساً مُتْرَعَةً/ ثَمِلْنا بها/ في حين كانَ الصمتُ/
لحظةَ شعرٍ تقاسَمْناها بكثيرٍ من الأَثَرَة..

  • مبارك العامري.

توقف العالم عامين بفعل الإجراءات الوقائية، أقفلت على الناس طرقاتهم ومطاراتهم وبيوتهم، وفي أحيان كثيرة حتى غرفهم الخاصة، تكممت الأفواه آلاف المرات وغُسلت الأيدي ومنعت الملتقيات والتجمعات، حتى العائلية، وتوقفت ممارسات ما كانت تتوقف يومًا، قد نقول أن العالم كان يلتقط أنفاسه، لكن التقاط الأنفاس ذاك كان مشوبًا بالتوتر والخوف، بمفاعلات السيطرة المعهودة، تواكبها الإحصائيات المفزعة التي لم تهدأ، عن الإصابات والوفيات، بدا العالم في العامين مصابًا بنوع من الرهاب الشديد، في زمن مشحون بالقلق والتوتر، من الموت.

مات كثر وأصيب أكثر، وحين جاء اللقاح احتشد الناس لأخذه، بالترغيب والترهيب، وطُرح خيار عدم أخذ اللقاح، لكنه خيار صوري، كان مسيّجًا بالاستحالة، ديمقراطية شكلية، وكان آخر ما يريده المرء في تلك اللحظة هو ما يمنعه من الحياة الطبيعية التي كان ممنوعًا عنها بفعل الإجراءات، أخذ الناس اللقاح، ثم بدا لهم أن لا بُد من جرعة ثانية، وفشل اللقاح بدليل الحالات التي أصيبت مع أخذها اللقاح، بل وحدثت وفيّات بسبب الفيروس لمن أخذ اللقاح.

بعد كل ذلك بدا أن العالم أرهقه القلق، تعب من متابعة أخبار الفيروس، تعب من نصائح منظمة الصحة العالمية، تعب من توقف التدفقات المالية، تعب من تسريح المزيد من الموظفين والعمال، مثلما كان الموظفون والعمال المسرّحون بين ناري التسريح والإغلاق، أخيرًا بدون أسباب منطقية وموضوعية، ولا حتى صحية، توقف العالم عن متابعة أخبار الفيروس، تعب من القلق، وبقيت الكمامات على الأفواه كأنها كمامات منسية، تدل على حالة التردد التي يعانيها العالم ومن يديرونه، كمامات استعملت وألقيت، ليست على قارعة الطرقات فحسب، بل حتى على قارعة الوجوه.

في العامين الماضيين حدثت احتشادات بشرية هائلة، مظاهرات بيروت مثلًا، التي يتناولها وثائقي جيد على اليوتيوب في قناة جاد غصن عن مسببات انهيار النظام اللبناني تحت حكومات الطوائف، وحشود أخرى احتشدت كذلك في أمكنة أخرى من العالم لأسباب متعددة، مدينة صحار مثلًا التي لا يتناولها أي برنامج وثائقي، وبالنسبة لمن يعيش قلق الفيروس، قلق الموت، لم يكن السؤال عن سبب احتشاد الناس، بل كان السؤال كيف للناس أن تحتشد وسط هذا الرعب (الساكن فينا ليل نهار)؟

الإعلام بوصفه منظومة سيطرة وتحكم ظل يواصل عمله بالآلية نفسها، آلية ترجمة توجهات السلطات الحاكمة، ويتبعه الإعلام الجديد إعلام مواقع التواصل بالنبرة والخطاب والأولويات نفسها، وتفشل كل محاولة اختراق لتلك القبضة الإعلامية المحكمة والمغلقة والمستعصية على التحليل والتفكير، رغم أنها تدّعي أنها لا تفعل شيئًا آخر غير التحليل والتفكير، مع ذلك كله لم يعثر العالم على بر أمان حقيقي، فقد تتالت الموجات، موجات الفيروس، ولم ينزل المؤشر الإحصائي إلا ليرتفع ثانية، في حين كان المؤشر الاقتصادي ينزل وينزل، عدا مؤشرات بيع الأدوات الطبية التي يصدق فيها بيت المتنبي الشائع: بذا قضت الأيام ما بين أهلها مصائب قومٍ عند قومٍ فوائدُ. وفيها يقول: ألحّ عليّ السقمُ حتى ألفتهُ وملّ طبيبي جانبي والعوائدُ.

في النهاية تحرك السياسي، متعبًا من القلق، مدفوعًا لربما بالضغط الاقتصادي للكساد الناتج من الإغلاقات المستمرة، واتخذ قراره، لكن كان لا بد للسياسي الذي يتحرك بهذا الاتجاه أن يحمل مواصفات محددة حتى يمكنه التأثير، لم تفلح حركة الرئيس التنزاني الراحل جون مقفولي، الذي أنكر الفيروس وحاول قبل وفاته تحييد بلاده عن الحركة العالمية، وشيع في النهاية أنه مات بسبب الفيروس، كان لا بد من رئيس (أبيض)، غربي، وحبذا إنجليزي، لأن محاولة الأمريكي دونالد ترامب فشلت كذلك، وأشيع أنه خسر الانتخابات بسبب تراخيه مع الفيروس، ربما خانهم التوقيت، أخيرًا قام بوريس جونسون رئيس الوزراء البريطاني، وهو المشكك بداية بضرورة الإجراءات، باتخاذ الخطوة في حركة مسرحية شجاعة، وأقدم باتجاه إنهاء القلق.

فجأة لم يعد أحد يتابع الأخبار، توقفت الإحصائيات، لم يعد أحد يكترث من قتل الفيروس ومن أصاب، وكأن الناس تواطؤوا ضد “صحتهم”، وفي كل مكان من العالم أعيدت الحالات المصابة أو المشكوك بإصابتها إلى منازلها مع وصفة مسكن آلام شائع وخافض حرارة لا أكثر، عدا حالات الالتهاب الرئوي، وكأنما بسحر ساحر تخلص العالم من قلقه، وعاد للانشغال بالحرب الجديدة، آخر نسخة من الحرب، الروسية الأوكرانية، ووجدت نظريات المؤامرة مناخها، فيما من الواضح أن ثقة الناس فيمن يقودونهم في أدنى مستوياتها، ولا يرى فيهم الناس غير طغمة شرهة نهمة للمال، متواطئة لنهب العالم، وسرقة جيوب الناس.

ما الخلاصة بعد ذلك كله؟ ما الزبدة؟ هل لنا أن نستخلص شيئًا؟ هل حسب الإنسان لوهلة أنه وسط سيناريو آخر للقيامة، وأن حصاده بدأ، ومتى توقف أصلًا؟ أم أن الإنسان توهم، مندفعًا بمخاوفه، أن هذا كان الحصاد الأخير، وما معنى كل هذا القول الآن، أليس على الإنسان أن يتحسس بُعده واغترابه عن الطبيعة، جشعة المادي وما يفعل بنفسه وأخيه وبالأرض، غروره واعتداده بنفسه وبألعابه، هل كان ذلك كله، كل الحجر والحظر والمنع والاحتجاز ورنّانات الإسعاف والشرطة كل ليلة وفجر، يتردد صداها بين البيوت في كل مكان، أكان كل ذلك مجرد حركة حمقاء تدل على جهل الإنسان، وضعفه، وخوفه؟
لم يفضح الفيروس نفسه، انفضح الإنسان، لم ينكشف الفيروس بل تعرّى العالم من ثيابه الفاخرة، وظهر الوجه الموحش للطرقات الخالية، للمدن الكبيرة التي تحولت فجأة إلى مدن أشباح، وحده الإنترنت كان يزداد ويتمدد، فيما كانت الحياة تتقلص وتنكمش.

الآن وكأنها النتيجة في كل الأنفس، أرى كآبة طافحة، كأنها هي الزبدة، ضيق الناس وتبرمهم، وكأن الكل افتقد سعة البال، الكل ضيّق الخاطر ويحاول التنفس، من يستطيع السفر يفكر في السفر، ومن لا يستطيع يحاول بطريقته، وكأن السفر والغياب والخروج علاج سحري لانكسارات الزمن، كأنما أخيرًا أدرك الإنسان عمره الذي خسره، المقامر الخاسر بعد سهرة قمار أفلسته، تبخّر الزمن، ضاع، أشياء كثيرة ضاعت في الطي، إغلاقات الزمن أغلقت معها أشياء كثيرة، ورغم المقاومة الداخلية، انكسر شيء داخل الإنسان وهو الآن يحاول الخروج من انكساره، بالانطلاق مجددًا.

ليس الموت غريبًا عن الحياة، إنه توأمها، مع ذلك كلنا يشتهي الحياة ويخشى الموت، وعبر ما نحبه ونخشاه ندار ويجري التحكم بنا وبحياتنا، كانت الخلاصة الروحية في أزمنة الإغلاقات هي في الالتفات للعالم الشخصي؟ للحياة الحقيقية؟ للبيت والعائلة؟ كثيرون فعلوا ذلك إن لم يكن الغالبية، وتلك كانت الالتفاتة الثمينة، النادرة، كأنها إجابة الروح، تلك كانت الزبدة، الالتفات للحياة الأصيلة للإنسان، لأحلامه وآماله الحقيقية لا الزائفة، لأصالة حياته، تلك التي أهملها بفعل الركض من أجل إرضاء النظام، النظام الذي أفهمنا أن حياتنا الخاصة لا تستقيم ما لم ننخرط في الركض من أجله، من أجل رأس المال الذي لم يعد يستوعب الجميع، ويلقي بلا مبالاة بمن لا يمكنه استيعابهم أضحية للفراغ، لمزيد من المنافسة أو الخروج. مواجهة الأسد في حلبة رومانية، وحيدًا بعد تخرجك، وأنت ما تزال بقبعة التخرج.
أهي علامة عن الغد؟ ربما، لكن ما يشعر به المرء في أعماقه أن الإنسان لن يتحرر ويبلغ حياته الحقيقية قبل أن يحرر نفسه من الأحابيل التي صنعها لنفسه ولأخيه.

أدب العدد الأخير العدد الثلاثون بعد المائة ثقافة وفكر سياسة

عن الكاتب

Avatar

إبراهيم بن سعيد