تحذر من الهجمات الإلكترونية واختراق الخصوصية.. “شفرات القيامة” رواية معرفية بحسّ فلسفي

Avatar
كتب بواسطة نضال ممدوح

على خلفية هجمات 11 سبتمبر 2001 على الولايات المتحدة الأمريكية، أعلن الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش الحرب على الإرهاب، والتي كانت أولى محطاتها احتلال أفغانستان. وفي روايته “شفرات يوم القيامة”، يطلق الكاتب الروائي تامر شيخون صرخة إنذار وناقوس خطر تجاه هذه الظاهرة، من خلال أحداث الرواية التي تنطلق أحداثها في المستقبل تحديدا في العام 2036، حينما تصدر رئيسة الولايات المتحدة الأمريكية “إيزابيلا ستورم” قانون “رارات” لتقنين الأنشطة الدينية والذي بموجبه، تقسم العالم إلى معسكرين، معسكر الخير وهو الذي يقبل بالقانون ويوقع على الانضمام إليه، ومعسكر الشر الذي يرفضه.
لا يقف الأمر فقط على تقسيم العالم الخارجي إلى معسكرين، إنما تتخذ “ستورم” من القانون وسيلة لفرض السيطرة على المجتمع الأمريكي، والتجسس على المواطنين والولوج إلى معلوماتهم الشخصية، حتى أن الرواية تفتتح بخطاب يلقيه بطل الرواية ــ”نوح جوشواه” أستاذ التاريخ بجامعة كورنيل ــ وهو على حافة شرفة مسكنه قبل أن يلقي بنفسه من الطابق العشرين مستعيدا بتقنية “الفلاش باك” الوقائع التي أوصلته لحافة الانتحار.
فمن مظاهرة الطلاب بجامعة كورنيل ضد قوات الأمن التي اقتحمت مسكنهم الجامعي للتفتيش عن أية مواد دينية أو الترويج لأيّ من الأديان، وكيف دافع “نوح” عن تلاميذه، والحوار الذي يجري بينه وبين رئيس قوات الأمن، وعدم دستورية أو قانونية هجومهم على سكن الطلاب، بينما حجة الأخير أن هذا التفتيش المفاجئ لحماية الشعب الأمريكي من الإرهاب.
في هذه المظاهرة يتعرف نوح علي “جوردن جابريل” الكردي الأصل والذي يدرس برمجة الذكاء الاصطناعي، ورغم أن جابريل لا يؤمن لا بوجود الله ولا الأديان، إلا أنه يشتبك مع قوات الأمن التي اقتحمت سكن الطلاب الجامعي، حتى أنه يصاب بكدمات نتيجة اشتباكه مع قوات الأمن. يحرص جابريل على حضور إحدى محاضرات نوح، لتدور بينهما حوارات طويلة وشائكة حول الدين والعلم، ولماذا تحتاج البشرية إلى الأديان، إلى أن يصحو نوح والعالم كله ذات يوم على فيروس “باروسيا” والذي يخترق كل الأجهزة الإلكترونية حول العالم، لتظهر على الشاشات رسالة من “الناسك”، تعلن عن قيامة المسيح الثانية، فيتبعه الملايين حول العالم.
ــ “شفرات القيامة” رواية معرفية فلسفية
على الرغم من أن رواية “شفرات القيامة” تذخر بالعديد من الشخصيات والقضايا التي تطرحها، إلا أن النفس المعرفي أو المعلوماتية المكتوبة بها، لا تترك لمتلقيها فرصة للسأم منها ــحوالي 400 صفحة من القطع الوسطــ وعلى رأسها القضية الشائكة حول جدل الدين والعلم، حيث يستهل الكاتب تامر شيخون روايته بمقولة لألبرت أينشتاين: “العلم بدون دين كسيح، والدين دون علم أعمى”، من خلال ثلاث شخصيات رئيسية في الرواية، فبينما إيزبيلا ستورم تحرص علي الصلاة ومناجاة الله، إلا أن هذا لم يمنعها من إقرار وفرض قانون “رارات”، بل اتخذت من الإرهاب الديني ذريعة لتطبيقه للتجسس علي المواطنين واختراق خصوصياتهم، مما يدعونا للتساؤل أيهما السابق على الآخر، هل الحوادث الإرهابية كانت سببا لهذا القانون أم العكس؟.
أيضا شخصية “جوردن جابريل” الملحد الذي لا يعترف سوى بالعلم والمادة، يتخذ هو الآخر ستار الدين لجرائمه التي راح ضحيتها الملايين، ووصل إلى أتباعه من مدخل الدين فلا فارق بينه وبين من يقتل ويحرق أيضا باسم الدين، أو حتى إيزابيلا ستورم. بينما يبقي نوح جوشواه بصيص الأمل بين الفريقين، فهو يؤمن بالعلم كما يؤمن بوجود الخالق، ولا يجد تعارضا بين الإثنين: “وجود الله عند المتدينين منطق. أما تجليه فهو إيمان. هم موقنون بوجوده. آملون في رؤيته في نهاية الطريق” الرواية صفحة 45. (1)
ــ الأخ الأكبر يراقبك
في روايته 1984 خلق الكاتب الإنجليزي جورج أورويل أجواء كابوسية حول الأنظمة الشمولية التي تراقب الأفراد والمواطنين حتى في أحلامهم والأفكار التي تدور في أدمغتهم، فـ”الأخ الكبير” يراقب سكناتك وهمساتك وحتى أنفاسك، وربما كانت الرواية نقدا لنظام “هتلر” ومن هم على شاكلته. وربما يقول قائل أن هذه الفاشية كانت من الماضي، على أن رواية “شفرات القيامة” تحذر من شمولية جديدة أدهى وأمرّ، ألا وهي الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا الرقمية، التي قد تؤدي يوما إلى زوال البشرية برمتها، فما تحدثت عنه الرواية عن اختراق فايروس “”باروسيا” لمنصة البرنامج النووي الأمريكي مما ترتب عليه إطلاق صاروخي أباد جزيرة هاواي، ليس من قبيل الخيال العلمي، ففي كتابها “العبودية مقابل الأمن” تشير مؤلفته ندى فاضل الربيعي إلى أن العالم كان على شفا الدمار الكامل وانقراض الجنس البشري برمته في حادثة تشبه ما ذكرت في الرواية. تقول “الربيعي”: “وجد أحد التحليلات الاستخباراتية أن حوالي خمس الشركات التي تستخدم أجهزة الكمبيوتر للتحكم في الآلات الصناعية في الولايات المتحدة فقط تقوم بمراقبة أجهزتها للكشف عن الهجمات المحتملة، وأنه في 40% من الهجمات التي قاموا بصيدها، كان الدخيل يصل إلى النظام من أكثر من سنة. ووجد مسح آخر أن ما يقرب من ثلاثة أرباع شركات الطاقة وخاصة في المحطات الكهرونووية، قد شهدت نوعا من التسلل إلى الشبكة في العام السابق.” * (2)
لا يقف الأمر عند هذا الحد، فعشرات التطبيقات التي نستخدمها على أجهزة الهواتف النقالة أو أجهزة الكومبيوتر الشخصية، أو حتى خاصية تحديد المواقع المتصلة بالأقمار الصناعية، كل هذه التطبيقات التي نضغط على زر الموافقة لتحميلها على أجهزتنا، ونحن ندري أو لا ندري أن هذه التطبيقات تكون لها صلاحية الولوج إلى أجهزتنا وبالتالي تقتحم خصوصيتنا وتصل لأدق المعلومات الشخصية عنا، والتي يبيعها أصحاب هذه التطبيقات للشركات المتخصصة في تسويق المعلومات ونصبح مجرد أرقام داخل هذا العالم، حتى ولو هواتفنا مغلقة يستطيع القمر الصناعي- الذي صار هو الأخ الأكبر في عصرناــ تحديد أماكننا، وهو ما يلخصه الكاتب في قانون رارات.
ــ الهويات الملتبسة القاتلة
كما تطرح الرواية قضية “الهوية الملتبسة”، فـ “نوح” لاجئ سوري هرب من جحيم مدينته أدلب، يتزوج من إيطالية ويعيشان في أمريكا، وكان ولدهما “آدم” ضحية لهذه الخلطة العجيبة، فلا هو عربي مسلم بالكامل، ولا هو مسيحي أوربي، يحتاج لشرح نفسه طوال الوقت، لماذا يمتنع عن الطعام في أوقات معينة (الصيام)، ولما لا يشرب الخمر أو يمارس الجنس كأقرانه؟ هذه الهوية المتضاربة خلفت في نفس آدم العزلة عن محيطه والوقوع تحت تأثير جارته “سيندي”، مما أدى به في النهاية أن يقع فريسة للناسك الذي يغسل عقله ويكمل مسيرته من بعده.
في الوقت نفسه نجد أيضا “جوردن جابريل”، يعاني من هوياته القاتلة، فهو من أصول كردية، ولد متبنى لأمريكي كان يعذبه بالجلد طوال طفولته، يقاوم قبح العالم سواء من سوء عدالة توزيع ثرواته، أو حتى موازين القوي، التي تميل لصالح الأقوياء، فكانت ثورته التي اتخذت من الدين ستارا رغم عدم إيمانه بوجود خالق.
شفرات القيامة” رواية معلوماتية معرفية، تحفز العقل وتطرح العديد من الأسئلة حول شكل المستقبل والعالم وموقعنا منه ومن التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي وهل هو تقدم جديد تحرزه البشرية؟ أم نستبدل بها فاشية وشمولية رقمية إلكترونية؟

ــ الهوامش
( 1) الرواية صفحة 45 رواية “شفرات القيامة” من تأليف تامر شيخون. الناشر الدار المصرية اللبنانية للنشر ــ 2021 مصرــ القاهرة
(2) كتاب “العبودية مقابل الأمن”.. تكنولوجيات السيطرة علي البشر. من تأليف: ندي فاضل الربيعي و عباس الزبيدي ــ الناشر دار الرافدين للنشر بيروتــ لبنان ــ الطبعة الأولى 2020. الفصل السادس “الهجمات السيبرانية النووية. صفحة 150.

أدب العدد الثلاثون بعد المائة ثقافة وفكر

عن الكاتب

Avatar

نضال ممدوح