مسقط الثقيلة

Avatar
كتب بواسطة إبراهيم بن سعيد

قراءة رواية دلشاد
للروائية بشرى خلفان
منشورات تكوين، ط٤، ٢٠٢٢م الكويت

        "إنها حكاية تستدعى كلما أراد أحدهم أن يشعر بشيء من القوة، خاصة عندما يزداد القلق في مسقط ويتعاظم، أو أن يخفف عن نفسه حقيقة أن مسقط خاضعة لتحكم الوكيل البريطاني، وأن قوة الإنجليز.. تخنق البلاد والعباد وحتى السلاطين." ص190

الزمن المسقطي:
بدت مسقط دومًا كأنها مندوس جغرافي، الميناء الخفي كما وصفها بطليموس، اليوناني القديم، المدينة المتحجبة بالجبال، بالقلعتين والمدافع، بالعقبتين عقبة سداب وريام، وبالسلطة التي تتركز فيها، وهذه الرواية تتقدم مدفوعة بروح مغامرة شجاعة لتفتح مغاليق المدينة ومصاريعها، فيرى القارئ فيها مسقط لا كما تبدو من الشارع والطريق، بل من الداخل، عبر تواطؤ القارئ مع مثاعيبها وولجاتها وحاراتها وناسها.

الرواية التي صدرت هذا العام، في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، تنطلق أحداثها من العقد الأول أو الثاني من القرن العشرين، بعنوان فرعي (سيرة الجوع والشبع):
نحن قدامى جوعى مسقط، نعرف الجوع ونفهمه ولكن لا أظن أننا سنفهم الشبع أبدًا. ص٥٦

وفي المفارقة التاريخية ينفتح جرح المكان أو جراحه وتجري إعادة النظر إليه من منظور فني خالص.

تنفتح الرواية على أحد رواتها والذي تحمل اسمه: دلشاد، حيث نتعرف عليه وهو ما يزال باسم فرحان قبل أن يتحول لاحقًا إلى اسمه الذي سيشتهر به: دلشاد، والذي لا يعدو غير ترجمة بلوشية لاسمه العربي، من هذا التحول ندرك الفلك الذي تنطلق منه الرواية حاشدة أصنافًا وأطيافًا متعددة من سكان مسقط، متحدثين بلسانهم الخاص، ناسجين عبر أسلوبية بارعة تقوم على لسان أبطال الرواية دون تدخل ظاهري من الروائي نفسه، المتواري كلية خلف شخصيات عمله، والذين يقومون بدورهم في سرد الرواية نفسها، كل من زاويته، وبتلك الزوايا المتعددة يتقدم القارئ فصلًا في تعرفه على مناخ الرواية، وهو مناخ حريّف، فيه من الغرابة والتناقض الكثير.

تعدد الأصوات:
ينهض هيكل الرواية على سرد شخصياتها، عبر لسانهم الخاص، وفي ذلك ما فيه من صدق وإخلاص أكبر للمادة الخام العمل، وهو ما يسمح بدقة أكثر، واقتراب أكبر من القارئ، فلا وجود لسارد عليم مجهول قد يكون الروائي نفسه، ولا لشخصية واحدة تستأثر لنفسها بالاقتراب أكثر من القارئ، بل الجميع على قدم المساواة، لكل واحد منهم صوته الخاص، وبالتالي روايتهم الخاصة لنفس الأحداث، حتى الشخصيات التي قد تبدو من جهة أخرى شريرة لها الحق في سرد روايتها الخاصة، وتبرير موقفها، وكل ذلك يقرب العمل من قارئه، ويتيح له عدة زوايا للنظر إلى نفس الفعل، وأكثر من ذلك أنه يسمح للقارئ بمساحة أكبر للاقتراب أو حتى للتموضع داخل العمل، ومعرفة أكبر بالشخصيات نفسها حتى حين تظهر في سرد شخص آخر، وهو ما يتيح بالنهاية أن يغدو جريان زمن الرواية جليًا لدى القارئ.

لكن السؤال الذي يتبادر لنا هو: لمن يسرد هؤلاء الرواة رواياتهم هذه؟ فلا أحد يصغي لهم في واقع العمل، يبدو كما لو أنهم يسردونها للمرآة، مرآة النص، الذي ينبئ عن نفسه كأنه شبه وعي داخلي بالذات عبر ذلك السرد، بالسرد تكوّن كل شخصية من الشخصيات صورتها الذاتية، وكأن كل بطل وكل شخصية في دلشاد لحظة سرده يسرد حكايته لنفسه، فليس هناك آخر يصغي للسارد داخل العمل نفسه، وكأنما ما تلتقطه الرواية ببراعة هو صدى النفس.

البطولة:
تخلو دلشاد من البطل المطلق، حتى دلشاد نفسه لا يبدو بطل الرواية وإن حملت اسمه، وأقرب منافس له هو مريم ابنته، مريم التي تستأثر كأنما بمركز ومحور الرواية وتقودها، وينتقل القارئ من الارتباط النفسي مع دلشاد إلى الارتباط مع مريم، في لحظة فاصلة، لحظة ترك الأب لابنته وتخليه عنها، عند باب بيت لوماه:
قاسٍ هو الجوع، قاسٍ وقبيح ومثلي يقف عاريًا بلا أب.
ص١٢٤

انعدام الأبوة ذاك الذي يمثل عقدة دلشاد المبكرة، الموّال الذي أنجبه، التعويبة التي ربته:
من لا أب له يبقى مسنودًا إلى الريح مكشوفًا ولا مأمن له.
ص١٢٣

سيكون هو قدر ابنته كذلك، لكن إذا كان في حالة الأب قدرًا غير اختياري فإنه قدر يجري اختياره لمريم اختيارًا بل والإصرار عليه من قبل دلشاد، ولكننا كوننا قراء نستطيع أن نرى الحدث نفسه، حدث التخلي منظورًا إليه هذه المرة من جهة مريم دلشاد، الابنة:
في داخلي كنت أشتم بالبلوشية والعربية، بكل الشتائم التي علمتني إياها دروب الحارات وبطون الوديان والتي صاغها الفقر وأنطقها الجوع والقهر. ص٩٦

هكذا يفلح الأسلوب في تفكيك الرواية ويسمح كما أسلفنا بمساحة كافية حتى للصدى نفسه، صدى العمل والمكان الذي تجري فيه الرواية، فنرى كيف يجري اجتماع الأب والابنة على القدر نفسه، وعلى الجوع بوصفه مفاعلًا قدريًّا خفيًا للأحداث.

صوت مسقط:
عبر ذلك التعدد والاختلاف في السرد نميّز صوت المدينة نفسها آنذاك، وبالأحرى أصواتها، ونتمكن بالتالي من التعرف على صوت المكان نفسه، ذلك الصوت كما نسمعه في صدى كلمات عبداللطيف لوماه الذي يبدو أكثر انشغالًا بحاضر مدينته ومستقبلها وماضيها:
مسقط لا تكاد تخرج من حرب إلا إلى حرب، وما بينها ثورات قبائل وانقطاع مطر وقحط، والإنجليز، ألا قاتل الله الإنجليز.
ص١٠٩

فإذا كانت مسقط في سرد بقية شخصيات الرواية تبدو مجرد خشبة مسرح لأقدارهم، فإنها تبدو أكثر وضوحًا ولها صوت مباشر وكأنه صوتها في سرد عبداللطيف لوماه:
مسقط الوادعة والخاملة والمهملة الآن.. كانت في زمانه (الأب لوماه) أهم مركز لتجارة الأسلحة في الخليج، ثم تحولت مخازنها إلى مستودعات سلاح بيد البانيان والإنجليز. ص١٤٩

حتى أن الحديث عن مسقط يقل عند غيره فيما يبدو اهتمامه هو بالمكان أكثر:
اللصوص أكثرهم في ولجات، ومسقط دايمًا منهوبة، مرات لصوصها منها وفيها، ومرات تغزا من الخارج، ومرات من داخل البلاد، يحاصروها ويدخلوا وينهبوا كل شي في دربهم.
ص١٧٩

رغم حقيقة أن عبداللطيف، من بين بقية شخصيات العمل، هو الأكثر سفرًا وتطوافًا خارج المدينة حتى بلغ به الأمر أن قال:
تعودت البحر، فصار هو البلد لا مسقط.
ص١١٥

لكن عبر سرده هو يصل القارئ لفهم مجريات الوضع السياسي آنذاك، عبره أو عبر مجموعته كما يظهر في سرد صديقه حميد بن عبدالله:
بحر مسقط عند انتصاف النهار، أزرق بلا رحمة.
٢٤٨

إن ذلك الصدى يتكثف وينفتح عبر مجريات حياة الشخصيات التي تطوّح بها مسقط بطريقة واقعية، تعبر عن الضد من شكلها، الشكل والحجم الذي تبسّطه مويزي بقولها:
كيف لإنسان أن يختفي في مسقط أو منها؟ ومسقط كلها كأنها لقمة صغيرة في كف طفل. ص٣١٨

لكن تلك اللقمة الصغيرة على رأي مويزي، والميناء الخفيّ على رأي بطليموس أيضًا، والبندر المشهور بين البنادر على رأي أحمد بن ماجد، يحكم عقد صلاته الخفية بل ويحكم بطريقته البلاد كلها، وينتصر على عواصم البلاد القديمة، ويبرز كل ما له من سحر وجاذبية غريبة، جاذبية الرحم، والمصب والميناء والجزيرة، لأهله وحتى للغرباء الذين يتحولون من غرباء إلى أبناء، ومن أعداء إلى مريدين، إذا ما تذكرنا البرتغاليين، وإذا ما تلمسنا ظهور الإنجليز كما يبدو في هذه الرواية:

  • أنا ما أعرف إن كانوا الإنجليز أصدقاء ولا سادة!
  • يعتمد على مصالحهم في كل وقت.
    والأكثر أنهم سادة ولو ما حد يريد يقر بهذا الشيء.
    ص١٨٥

بل وأحيانًا يبدو كما لو أنها مدينة خالدة كما يقول دلشاد في عودته:
اللعنة تعلمت الحساب في بومبي لكني لا أستطيع حساب مرور السنين على وجه مسقط؟ ص٤١٨

لا شك أن دلشاد حتى وهي تكشف بوضوح عن مشروع الروائية بشرى خلفان المتعلق بمدينة مسقط خاصة إذا تذكرنا روايتها السابقة الباغ، فإنها تبرز لنا في نفسه عمق وبراعة معالجة النص لموضوعه، بأسلوبية أكثر صدقًا، وبانسحار واضح وجلي بفن الرواية، كما يظهر في الهالة التي تحيط شخصيات حكواتية مثل سنجور وفريدة، ذلك هو الفن الذي يراهن هذا المشروع على قدرته في الكشف عن طبقات الجبال والأرض، عبر تأملات طويلة واشتغال جاد بنفس جدية الجبال والبحر والميناء والجزيرة.

أدب العدد الأخير العدد الثلاثون بعد المائة ثقافة وفكر قراءات

عن الكاتب

Avatar

إبراهيم بن سعيد