إن مجال البحث الميتافيزيقي مجال كبير، اتسع أكثر مع تطور الوعي البشري، فتنوعت الموضوعات مثله مشكلة الحياة: فتساءل الإنسان لماذا أعيش، وما معنى الحياة، وهل تستحق الحياة أن تعاش بكل ما فيها من ألم وعذاب؟ وما الكون وما مصدره، ومن يديره؟ وغير ذلك من الأسئلة ذات الصلة بالوجود، في هذه المقالة نسلط الضوء على جانب من الموضوع في حقبة تاريخية محددة تحت عنوان: “الميتافيزيقا عند اليونان ما قبل سقراط”.
فلاسفة أيونيا:
يعرّف الفيلسوف الإنجليزي برادلي الميتافيزيقا في مقدمة كاتبه “الظاهر والحقيقة” قائلا: “أنا أفهم الميتافيزيقا على أنها محاولة لمعرفة حقيقة الواقع في مقابل الظاهر المحض، أو هي دراسة للمبادئ الأولى والحقائق النهائية، وأنا أفهمها على أنها الجهد الذي يبذل لفهم الكون فهما شاملا لا على أنه أجزاء أو قطع متفرقة، بل على أنه كل بطريقة ما”.
ومعنى ذلك أن الوجود في حالة الدراسات الميتافيزيقية ينشطر إلى شطرين: الأول هو الوجود الحقيقي الكامن وراء الظواهر البادية للحواس، والثاني الوجودي الظاهري الذي تستطيع الحواس الخمس أن تدركه على نحو مباشر. وهكذا تكون “الميتافيزيقا غوصا وراء الظاهر أو الظواهر البادية أمامنا لمعرفة أساسها الحقيقي، ومن هنا ذهب بعض الباحثين إلى القول بأن الميتافيزيقا في الفلسفة الغربية يبدأ بفلاسفة الكسمولوجيا الأيونيين في القرن السادس قبل الميلاد، فهم أول من تساءل عن أصل الكون المادي والمادة الأولى التي صُنع منها، كما تساءلوا عن قوانين الاطراد التي تسري في الطبيعة في كل مكان”[1].
ومعنى ذلك أن أول الميتافيزيقيين في تاريخ الفلسفة هو “طاليس” لأنه أول من تساءل عن الأصل الذي صدرت عنه الأشياء جميعا وكأنه بذلك طرح جانبا الظواهر المادية وما ندركه من أشياء حسية ليغوص تحتها بحثا عن مصدرها، فارتفع بذلك عن المشاهدة الحسية، وقال بنظرة تقوم على العقل أساسا أن الكل واحد، أو الأصل واحد. وهذا الواحد الذي أرجع إليه طاليس جميع الأشياء هو الماء، ثم جاء تلميذه “أنكسمندر” فرأى أن تفسير استاذه غير مقنع؛ لأن من الصعب أن ترجع الأشياء إلى الماء لأسباب كثيرة، وإنما الأدنى إلى الصواب، في رأيه أن نقول إن الأصل النهائي أو المبدأ الأول الذي صدرت عنه الأشياء جميعا هو مبدأ غير محدد، وغير متناه. أما آخر ممثل لهذه المدرسة فهو “أنكسمنس” في آواخر القرن السادس ق.م، الذي حاول أن يجمع بين الفكرتين السابقتين، فرأى أن المبدأ لابُد أن يكون غير محدد من حيث الكم، ولكنه محدد أو متعين من حيث الكيف، إنه الهواء، منه نشأت الموجودات التي كانت وسوف تكون منه أيضا، نشأت الآلهة وكل ما هو إلهي، وتفرعت عنه باقي الأشياء.
غير أن الأيونيين في نظر إمام عبد الفتاح قد “وقع في مأزق بسبب تصورهم للحقيقة النهائية أو لهذه المادة الأولى، فهم لو حاولوا تحديدها على أي نحو (كأن يقولوا مثلا إن هذه الحقيقة الأولى هي الماء أو الهواء أو ما شابه ذلك من المواد المحسوسة)، وقالو إن جميع الأشياء تصدر عنها؛ فكيف يمكن لهذه المادة أن تكون سابقة في وجودها على الأشياء المحسوسة؟ كيف يكون الماء الذي هو المبدأ الأول سابقا على الماء المحسوس الموجود في عالمنا الحالي؟ فلو كانت المادة الأولى هي بحق المادة التي صُنعت منها كل الأشياء فإنها لن تكون مشابهة لأي شيء من الأشياء التي يمكن أن تُصنع منها أكثر من مشابهتها للشيء الآخر، بل لابُد في الواقع أن تكون خالية تماما من أي طابع جوهري”[2].
الفيثاغوريين:
أدرك فيثاغورس ما في الفلسفة الأيونية من صعوبات فاتجه إلى تفسير الطبيعة الحقيقية للأشياء تفسيرا رياضيا، وذهب إلى أن العلة الحقيقية التي تفسير جميع الموجودات ليست هي المادة بل “العدد” غير أن الأعداد التي ترد في ذهن فيثاغورس كانت على هيئة أشكال كما تبدو لنا هي زهر اللعب، وورق اللعب. كذلك كان فيثاغورس يتحدث عن أعداد مستطيلة وأعداد مثلثة وأعداد هرمية… وهلم جرا، وكان يقصد بذلك عدد الحصى المطلوب لتكوين هذه الأشكال.
لكن كيف تكون الأعداد هي الطبيعة الحقيقية لجميع الموجودات؟ يقول أرسطو: كان الفيثاغوريون أول من اهتم بالريا ضيات، وهم لم يطوروا هذه الدراسة فحسب، بل ذهبوا إلى أن مبادئ الرياضة هي مبادئ الأشياء جميعا، وما دامت الأعداد هي بطبيعتها أول هذه المبادئ فقد رأوا فيما يبدو، تشابهات كثيرة بين الأشياء الموجودة والأشياء التي تظهر إلى الوجود وبين الأعداد، أكثر من تشابهها مع النار التراب والهواء. كما رأوا أن الأعداد تُعبّر عن التوافقات والنسب في السُلم والموسيقا. وهكذا ذهبوا إلى أن الطبيعة الكلية لجميع الأشياء مصنوعة وفقا للأعداد، فالأعداد هي العناصر الأولى لكل شيء، بل إن السماء كلها عدد ونغم.
ويرى كولنجوود أن الفيثاغورية حققت أعظم نصر لها في مجال النظريات الموسيقية، لكنها مدّت هذا النصر إلى مجالات أخرى: “فإذا أمكن النظر إلى الآلة الموسيقية على أنها مركب إيقاعي من الأشكال الهندسية فما الذي يحول دون النظر إلى المغناطيس أو الدودة على أنها كذلك؟ لقد بيّن تاريخ العلم أن فيثاغورس كان على صواب من حيث المبدأ، فتعبير الكيمياء من خصائص الماء من حيث الكيف هو بالرمز: يد أ، ما هو إلا تطبيق للمبدأ الذي جاء به فيثاغورس كما يعد كل ما جاءت به الفيزياء الحديثة في نظرياتها الرياضية في الضوء والإشعاع وتركيب الذرة وما شابه ذلك سيرا في الاتجاه نفسه وبرهانا جديدا يؤيد النظرية الفيثاغورية.
ولعل النجاح الذي حققته الفيثاغورية يرجع إلى ابتعادها عن محاولة تفسير الأشياء بالرجوع إلى المادة أو الجوهر الذي صُنعت منه، لأن المادة الأولية الواحدة تتغاضى عن الاختلافات بين الأشياء، أما التعبير الرياضي الذي ذهبت إليه الفيثاغورية فإنه يفسر هذه الاختلافات بردها إلى نسب رياضية، فليس المهم المادة التي صُنع منها الشيء بقدر ما هو مهم أن تعرف النسب الصحيحة التي تألفت، فظهر منها هذا الشيء، خذ مثلا ذرتين من الهيدروجين واجمعهما إلى ذرة واحدة من الأكسجين تجد أن هذه النسبة الرياضية تعطيك ما نسيمه بالماء، لكن غَيِّر النسبة تُغَير الشيء، فذرتين من الهيدروجين وأربع ذرات من الأوكسجين (فضلا عن ذرات كبريت) تعطيك حمض الكبرتييك، وهكذا ربما وجدت المادة واحدة إلى حد ما، ومع ذلك تتألف بنسب مختلفة فتعطيك أشياء مختلفة.
الإيليون:
إن الفلسفة الأيلية تذهب إلى العالم الخارجي، هذا الظاهر، ليس هو الوجود الصحيح، ليس هو الواقع الحقيقي؛ بل هو غير حقيقي، وعلى ذلك فهي تتضمن التفرقة بين الحقيقة والظاهر، فما يوجد كالمنضدة والشجرة وكذلك التعدد والحركة، هو مجرد ظاهر، أما الوجود فهو وحده الحقيقي. لكن هذا الوجود لا يوجد وجودا فعليا؛ لأنه لا يوجد في زمان ومكان، وما يوجد وجودا فعليا لا بد أن يوجد على الأقل في زمن ما، إن لم يكن في مكان كذلك.
ويمكن أن نخلُص هذه النتائج في قضيتين: الأولى أن الوجود الفعلي غير حقيقي (المقصود بالوجود الفعلي هو العالم الحسي أو الموضوعات التي يمكن أن تدركها الحواس، في حين أن الوجود العقلي هو دائما كلي، ومن ثم فهو لا يمكن أن يوجد وجودا فعليا)، والقضية الثانية: أن ما هو حقيقي لا يوجد وجودا فعليا ونحن نعتقد أن هاتين القضيتين متضمنتان في فلسفة الأيليين.
وهنا نجد أول تصور للميتافيزيقا بوصفها محاولة لفهم الواقع الحقيقي ولتفسير الكون ككل باستخدام مبادئ غاية في العمومية، فإذا كان العالم يُقدّم لنا تفسيرا للكون، فإن تفسير الفيلسوف الميتافيزيقي يختلف عنه من حيث إنه لا يقدم لنا تفسيرا يعتمد على الملاحظة وإجراء التجارب؛ بل إنه يعتمد على تحليل التصورات.
وإجمالا نقول إن موضوع الميتافيزيقا وقضية الوجود كان لها حضور قوي في قلب الفلسفة العربية الإسلامية، فالفارابي مثلا تحدث عن واجب الوجود وممكن الوجود، موضحا أن معنى الموجود الواجب يعمل في ذاته البرهان على أنه يجب أن يكون واحدا لا شريك الله، وهذا الموجود الواحد هو “الله”.
– مدخل إلى الميتافيزيقا، إمام عبد الفتاح، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة1، 2005، ص: 91[1]

