الصداقة بوصفها حالة أنطولوجية

كتب بواسطة محمد ابت تعرابت

مما لا شك فيه أن الوحدة والانطواء على الذات تسبب قتلا رمزيا للذات، وفي مرحلة متقدمة تؤدي فعلا إلى ما لا تحمد عقباه، لذلك لابُد من نسج علاقات اجتماعية، وهنا تحضر بقوة مسألة الصداقة بوصفها مقوم جوهري، بل شرطا من شروط الحياة الأخلاقية ومقوم من مقومات الحياة الصالحة. فهي رباط مقدس بين الكبار والشباب والصغار وبين الدول، وما دامت المسألة بهذا الحجم أرى من الجدير الوقوف عندها منطلقين من مقاربة ميشيل حنا المتخصص في مجال فلسفة القيم والأخلاق.

لقد عدَّ ميشيل بداية أنه إذا كانت الصداقة حاجة أنطولوجية، وإذا كانت تنبثق عن هذا النوع من الحاجة، فنستطيع استنتاج أن العلاقة التي توحد كائنين في رباط الصداقة هي علاقة أنطولوجية أو إنسانية؛ وعليها أن تكون من المادة نفسها التي تشكل عناصر الطبيعة الإنسانية، وإلا فستكون شيئا خارجيا مفروضا عليها؛ ومن ثم سوف لا تكون استجابة أصيلة للحاجة. يقول ميشيل “إذا كانت الغاية من العلاقة هي أن تقوم بوظيفة الربك بين شخصين على المستوى الإنساني، يجب أن تكون علاقة إنسانية؛ وإلا فسوف لا تكون لها صلة بالحاجة المنشودة. وبالتالي، فإذا كانت الصداقة شريحة من حياة الإنسان، إذا أصبحت واقعة في إطار الفعل، فهي إذن نمط للوجود وبصورة أدق، نمط للوجود الإنساني”.

وانطلاقا من هذه الفكرة يرى ميشيل أن جميع الفلاسفة الذين تأملوا طبيعة وقيمة الصداقة تقريبا، بداية من أرسطو حتى يومنا هذا، ميزوا بين نوعين من الصداقة “الصداقة لمنفعة، والصداقة الحقيقية”. النوع الأول يرتكز على المنفعة؛ نفسية كانت، أو سياسية، أو دينية، أو مادية. هنا يعلق ميشيل أنه “إذا كانت المنفعة سبب وجود الصداقة بين الصديقين، ازدادت المحبة بينهما، فيمكن استنتاج أنه كلما ازدادت المنفعة التي يحصلها الصديقان ازدادت المحبة بينهما وازدادت قوة الارتباط بينمها، وسوف يعتمد عمق نوعية ودوام هذا النوع من الصداقة على حجم وثراء المنفعة”. هذا النوع من الصداقة يمكن أن نعدّها من أخطر العلاقات، لأن الصديق في هذه الحالة يعامل كصديق؛ لأنه مصدر منفعة فقط، أي هو وسيلة لغاية. وبتعبير دقيق يصبح الصديق مجرد شيء وليس ككائن إنساني، فلكما استفدنا منه جاملناه وابتسمنا له وإذا لم تعد لنا فيه منفعة سنرمي به في سلة المهملات ونبحث عن آخر.

ولكن من جهة أخرى إذا بقيت الحياة الباطنية للأصدقاء مستقر سعادتهم وإنسانيتهم ونمو وتطور هذه الإنسانية في بعدها الاجتماعي والنفسي والمادي، مصونة، غير متاحة للصديق في هذا النوع من الصداقة، فبحسب ميشيل “لا يكون لها تأثير متبادل بين الأصدقاء سوى المنفعة التي قد تؤدي دورا ضروريا مفيدا على المستوى الشخصي؛ مثلا، المساعدة التي أتلقاها من صديقي قد تفيدني في شراء بعض الحاجات المادية أو الحصول على حاجات أخرى”. ولكن إذا كانت هذه العلاقة وسيلة، وهي في الواقع وسيلة، يتساءل ميشيل: ألا يمكن القول إن هذا النوع من الصداقة ترتيب أو صفقة تجارية؟

في جوابه على السؤال يرى ميشيل أنه “من الصعب القول إنها تخلق رباطا حقيقيا بين الأصدقاء، لأن رباطا كهذا ليس موجودا بينهما في الواقع. إن ما يوجد بين صديقين من هذا النمط، في الواقع، هو نوع من العلاقة الاقتصادية أو الاجتماعية أو العقلية أو النفسية، أو نوع من الاتفاقية أو صفقة تتقاطع بها مصالح معينة، ولكن لا توجد علاقة إنسانية. تلك الصداقة التي يقف فيها الأصدقاء بعضهم أمام بعض ككائنات إنسانية، وينفتحون على بعضهم على بعض، ويتصافحون ويتواصلون وجوديا بطرق ذات معنى” ولهذا السبب ميز الفلاسفة مثل أرسطو وسنيكا وشيشرون ومونتين وبيكون بين الصداقة الحقيقة وغير الحقيقة وقالوا إن الصداقة المبنية على المنفعة غير حقيقة.

بعد هذا التمييز بين النوعين من الصداقة، يتقدم بنا ميشيل إلى الأمام وإلى العمق وهو حديثه عن المحبة، حيث تساءل بداية: ما العناصر الأساسية والبنيوية التي تؤسس المحبة (Philia) بوصفها حاجة ورباطا؟ يقول مجيبا: “المحبة بوصفها مقدرة تتكون، أي تصبح كلا متكاملا، من (أو غاية معينة و(ب) مقدرة على السعي وراء هذه الغاية وتحقيقها. هذان العنصران يشكلان الهيكل الأنطولوجي للمحبة؛ أما العناصر الأخرى التي تكمن في هذا الهيكل الأنطولوجي فتشكل، عندما تتحقق، نسيجها الواقعي، الهيكل يحدد وظائفها ويؤمن الحافز والقوة الدافعة لإنجاز فعلها. علاوة على ذلك، يشكل هذان العنصران البناء الأساس لتصوّر المحبة، حتى أنه من المستحيل التفكير بفكرة محبة من دون استحضار ذهني لهذين العنصرين كأساس لمضمون التفكير” هنا نقول إن المحبة بهذه الصورة ستولد لنا علاقات اجتماعية إنسانية واقعية فعلية بعيدة كل البعد عن منطق المنفعة.

انطلاقا من ذلك، يرى ميشيل أن أساس الصداقة، العامل الذي يدفع شخصين إلى أن يتصادفا ويحتفظا بصداقتهما، الذي يثير العاطفة التي تميز المحبة (Philia)، وهو الخير. فالخير جذاب بذاته، مرغوب فيه، بينما الشر منفر، غير مرغوب فيه. وهو ما قال به أرسطو “الناس عامة يقرون بأن المحبوب والمرغوب فيه عامة، هو الشيء الخيّر والممتع، وبالنسبة إلى الفرد، فهو الخير والمتعة للفرد نفسه؛ والإنسان الصالح الخير محبوب بناء على هذين الأساسين”.

ولعل هذا الأمر هو الذي دفع أرسطو للقول بأن الفضيلة هي أساس الصداقة. لذا، فلا يمكن لأساس الصداقة الحقيقية أن يكون عاطفة ذاتية، بل هو نوع من العاطفة المنبثقة من الإرادة الخيرة، وبشكل أكثر دقة، من الشخصية الصالحة الخيرة، يوجد الخير، عند الإنسان الصالح كحالة، يوجد كنزعة أو ميل، وهذه النزعة مستنبطة من قيم أخلاقية ذات صلاحية موضعية على الأقل بالنسبة للفرد نفسه. وهي تستخلص صلاحيتها من حقيقة إقرار المجتمع والتعقل بها. هذا ما نؤكد عليه هنا، هو أن الخير، كحالة أخلاقية، لا يمثل عند أرسطو شعورا ذاتيا، بل إنه يشّكل نسيج الشخصية الأخلاقية.

وعلى هذا يمكن القول مع ميشيل أن “فكرة الصديق، تتضمن فكرة التبادلية، لأن الشخص يدخل في علاقة الصداقة من إرادة خيرة، الخير هو العنصر المشترك بين الصديقين، ويشتركان فيه بالتساوي. بهذا المعنى هما متساويان بالخير. وهكذا يصبحان صديقين ويصبح كل صديق منها خير صاحبه. خير الواحد امتداد لخير الآخر. الخير ذاته يتدفق في عروقهما، والخير ذاته يحرك إرادتهما الخيرة. يوجد كل منهما في الآخر بفصل تماثل الخير في شخصيتهما. كل واحد منهما مرآة تعكس خير الآخر”هنا فعلا تظهر الصداقة الحقيقية في ألمع تجلياتها حيث تنتفي المنفعة والعلاقة المزيفة.

وفي الختام، لابد لنا من التنبيه والتأكيد كذلك على أهمية الصداقة الحقيقية التي تساهم دون شك في ترسيخ ثقافة التواصل والتعارف وتبادل الخبرات والأفكار، والجدير بنا كوننا باحثين أن نوجه الشباب ونرشدهم نحو ما يخدم مصالحنا الوطنية والهوياتية، لأن الصداقة لم تعد منحصرة في فضاء مغلق بل أصبحت في فضاء مفتوح بسبب وفرة وسائل التواصل، ولا شك أن ذلك يؤدي إلى إمكانية التأثير والتأثر سواء على مستوى الثقافة والدين.

أدب العدد الأخير العدد الثلاثون بعد المائة ثقافة وفكر

عن الكاتب

محمد ابت تعرابت