معاناة القوة بودريليارد The Agony Of Power Baudrillard’s

Avatar

مراجعة: أرفان إيجفاز
ترجمة: علي حمدان الرئيسي

لبودريليارد، الشر المطلق اليوم مصدره فائض الخير، من التنمية التكنولوجية للتولتارية الأخلاق، من الرغبة في فعل الخير دون معارضة ما. إن محاولة إدخال العالم بالقوة إلى مجتمع معولم ومتشابك يؤدي فعلا إلى نتائج عكسية. نتائجه الإيدلوجية هي: “محور الشر” عن طريق الإرهاب. لا يمكن أن يكون هناك محور للشر يصر بودريليارد، لأن الشر ليس لديه هدف، فقط الخير كمثال للهيمنة العالمية للسوق الحرة، إلخ…لديه هدف مستقبلي وباتجاه خطي.

الشر ليس سوى مخاتل، أو انحراف، ولذلك لا يمكن له أن يعارض الخير. الخير فقط يمكن أن يكون له محاور واتجاه. لذلك محور الشر هو مجرد إسقاط على الشر، وذلك لإضفاء مشروعية للخير كإيدلوجية. لذلك عندما تحارب الشر بالقوة العسكرية وتشن هجوما مباشرا من الممكن أن تخطئ الهدف.

كلما كان هذا الدمج بالقوة، عن طريق المجتمع المهيمن، كانت هذه الأحداث المتمردة أو الاستثناءات ستقوم بالرد. الناس في إيران أو فلسطين، سيقومون بعزل أنفسهم من النظام العالمي قبل أن يتم عزلهم. سنرى المزيد من الناس يعزلون أنفسهم من هذا المجتمع القسري، ويقومون بمهاجمة هذا المجتمع عن طريق الإرهاب. باختصار إننا ولجنا في عصر الياس لأننا نملك كل شيء. “إذا كان النقصان والاستعباد تميزان المجتمعات في الماضي، البذخ والسوق الحرة تميزان مجتمعاتنا، التي دخلت مرحلتها النهائية وهي مستعدة للولوج إلى العناية المركزة”.

الإنسان في النظام العالمي الجديد، قد أصبح دون فائدة تذكر، وذلك من خلال القدرة الفائقة لآلاتنا. “العالم لم يعد بحاجة لنا”، ذلك ما يقوله الإنسان، الذي أصبح الحلقة الأضعف في سلسة التطور التكنولوجي، لذلك نحن استطعنا تجاوز أنفسنا من خلال آلاتنا. الاختيار يبدو بين أن نختفي أو إعادة هندستنا كوننا بشرًا.

اختطاف ذكاء البشر من قبل الذكاء الصناعي وقع عندما رفضت الحكومة اقتراح مكارثر باستخدام السلاح النووي في الحرب الكورية، وذلك حينما أدخلت بيانات في الكمبيوتر لمعرفة كيف ستكون المخرجات، عندها كانت المخرجات سلبية، ومنذ ذلك الوقت كانت المحصلة النهائية هو سيطرة الذكاء الصناعي على العقل البشري. الإنسان أصبح بطريقة خطرة دون أي فائدة، في النطاق والحجم الجديد في هذا المجتمع المتسم بكفاءة الآلة.

بوديلاريارد، يصر في هذا الكتاب أن هدف العولمة الحقيقي، هو القضاء كليا على القيم سواء بالتوافق أو بالقوة.
الغرب، يطالب الآخرون بأن يلعبوا اللعبة نفسها، ويقوموا بالقضاء على قيمهم الخاصة أيضًا. نحن نخلق رغبات في الثقافات الأخرى ليدخلوا التاريخ، وبالسماح لهم للولوج إلى السوق العالمية، ولتطبيقهم لقرارات المؤسسات الدولية، خالقين بذلك صراعات وطنية، وإلخ، المشكلة أن الثقافات الأخرى لم تصل بعد للوعي بمرحلة “التاريخ” أو الواقع الذي تخطاه الغرب وتركه خلفه وهو يدخل مرحلة ما بعد الواقع.

في معاناة القوة، بودريليارد يعيد تموضع واقعنا العالمي الحالي، ليوضح أننا كوننا مجتمعات استوعبنا استعبادنا لدرجة أصبحنا حراسا لزنزانات سجوننا. قد يبدوا ذلك مبالغا فيه للوهلة الأولى. ولكن دائما مع بودريليار لديه طريقة مزعجة للكشف عن حقائق غير مريحة.

أولا، هناك اختلاف بين السيطرة والهيمنة. السيطرة يقول بودريليارد، هي الطريقة القديمة للسيطرة الاجتماعية، ولكن الهيمنة هي عندما يكون نظام التحكم يهرب من سيطرة أي شخص أو أي مجموعة، ويكون متأسس ومستوعب. بالنسبة لي مثال جيد على ذلك هو النظام المالي، محتمل أنه تم تصميمه ليخدمنا، الآن أصبحنا نحن في خدمته، بمعنى آخر رموزنا تم استخدامها ضدنا، وبأيدينا.

إنه يذكرني بما لاحظه آللن واتس عن الكساد العظيم:
تذكر الكساد العظيم في الثلاثينات؟ في أحد الأيام كان هناك اقتصاد استهلاكي زاهر. وكل واحد في صعود إلى الأعلى، وتاليا، بطالة، فقر، وطوابير للخبز. ماذا حدث؟ الموارد المادية للبلد- العقول، العضلات، المواد الخام لم تكن بأي طريقة استنفذت، فجأة المال اختفى، ما سمي بالركود المالي. أسباب معقدة لهذا لنوع من الكوارث يمكن شرحها مطولا من قبل المختصين في المصارف والمالية الذين لا يمكن لهم أن يروا الغابة عوضا عن الأشجار. ويمكن أن يكون أحدهم حضر لبناء بيت، وفي صباح يوم الكساد، رئيس العمال قال، آسفون، لا يمكن لنا البناء اليوم. لدينا خشب، لدينا حديد، حتى أشرطة القياس، موجودة صحيح، ولكن أنت لا تفهم العمل. لقد استعملنا بوصات كثيرة، ولا يوجد المزيد لعمل ذلك.

بودريليارد ينحو ليشرح كيف أن مرحلتنا الحالية من الهيمنة، لا تتيح لنا مقاومة القوة، لأنها متشابكة معنا، وهي إلى حد ما، هي نحن. نحن في حالة من التشابك مع علاماتها ومنغرسين في رموزها. في وضع يكون فيه القوي قادر على استعراض رعب قوته في وضح النهار، لأن العلامات التي علينا استخدامها للإطاحة به تم كسرها وتشويهها.

في الفقرة الماضية، بودريليارد يتناول نظرياته التي قام بتطوريها لاحقا (بطريقة ممتازة، وساحقة في (سمالاركا وسموليشن). سأتناول هذا الكتاب بتفصيل أكبر في مراجعة قادمة، ولكن يكفي أن أشير أن بودريليارد الذي يعتقد أننا نعيش في حالة محاكاة للواقع. ليست محاكاة للكمبيوتر رغم أن تلك استعارة صحيحة، ولكن هذه المحاكاة منشاؤها اللغة.

في هذا الواقع المشيد حيث أن العلامات أصبحت فاسدة. سينتهي بنا الحال كما هو واضح من الأمثلة، إلى بناء لغوي متناقض، مثل الفحم النظيف، أو تسليم استثنائي (يقصد تسليم المقبوض عليهم دون الطرق القانونية)، ومن ثم نصل إلى مراحل أخرى من التجريد اللغوي حينما تذهب الدول إلى الحرب مع اسم علم.

في معاناة القوة، الفيلسوف الفرنسي تكلم حول التحول من نظام السيطرة (معتمد على الاغتراب، التمرد، الثورة) إلى عالم للهيمنة المعولمة، حيث أن كل واحد يصبح في نفس الوقت رهينة وشريك في السوق العالمية. أن عدم الاستقرار السياسي الشديد، والقلاقل الاجتماعية، وعدم اليقين الاقتصادي، هي التي طبعت هذه الفترة من حياتنا المعاصرة.
في هذه المرحلة لم تعد فيه الثورة ممكنة، فإن مفاهيم النضال التراكمي من خلال التغيير المادي مرة أخرى أصبح ملائما. تقدم لنا العمارة طريقة مميزة للنقد الهيكلي والتأكيدات الإيجابية، إنها طريقة للفهم. في عالم البناء يتم تأكيد وإعادة تأكيد القوى الاجتماعية، وبشكل حاسم فكيف لنا أن نتدخل في هذه العملية.

في هذا الكتاب، جين بوريليارد، يوجه الضربة الأخيرة، للوضع غير المستقر الذي نواجهه، الذي حيثما نريد أن نخرج من نظام السيطرة، وندخل في نظام الهيمنة العامة حيث كل منا في الوقت ذاته رهينة ومتواطئ للسوق العالمية.

في سوق السياسة أو الحرية الجنسية، حيث احتمالات الثورة أو فهمها تختفي. جين بودريليارد يرى أن عملية الهيمنة ما تزال في بداياتها.

عندما تختفي السلبية فهي تعود إلينا من ذواتنا، كقوة مضادة، بكل وضوح كظاهرة الإرهاب، ولكن أيضا كسخرية، واستهزاء، وكونها رمز لتصفية لكل القيم الإنسانية.

في هذا المجال من الهيمنة والتي تتميز بالتداول بدون أي ضابط، رأس المال، والسلع، والمعلومات، أو البنى التاريخية، والتي تضع نهاية لمفهوم التبادل، وتدفع برأس المال إلى ما بعد حدوده، لدرجة تدمر شروط بقاءه ذاتها.

في نظام الهيمنة، هؤلاء المغتربون، المضطهدون، والمستعمرون، يجدون أنفسهم على هامش النظام، ويتمسك بهم كونهم رهائن.

في مفارقة اللحظة، حيث أن التاريخ يتحول إلى مزحة. السيطرة في ذاتها تبدو أقل الشرور.

بودريليارد موقفه من السلطة، والقانون، والثقافة، والسيادة، والسياسة، تغير بعد فترة البانك. معاناة القوة كانت حول قوة المعاناة. في مقدمة معاناته الخاصة لمعاناة القوة، لتونجر يعلن بقوة وباعتقادي أنه محق في ذلك، أن هناك فكرتان تهيمان في مجمل كتابات بودريليارد، الأولى هي غياب الواقع، والذي تم استبداله بالمحاكاة، والثانية أن هناك إمكانية رمزية لتحدي هذا الغياب. فترة منتصف السبعينات هي مرحلة مهمة في فهم أعمال بوديليارد، وبالذات تأثيرها السياسي علينا هنا، في مساراها التراجيدي (ريد هيد، 2011) في حاضرنا. الذي يمكن أن يعدّ مرحلة ما بعد “البانك” في أعمال بوديلبايرد تعبر بكل توهجها في معاناة القوة، كتاب امتدح من قبل لوتنجر على أنه ليس سوى شهادة على “عبقرية بوديليارد”. معاناة القوة لبودريليارد تعبير عن معنى آخر للسيادة والسلطة يختلف عن المعنى الكلاسيكي في قانون السلطة، والذي تم إعادة إنتاجه في معظم أعمال فلاسفة القانون وعلم اجتماع القانون. منظور بودريليارد يعدّ نوعا من باتا علم الاجتماع، والتي تم امتداحها من قبل جاكوز دونزلت، الذي عمل مع بوديليارد في جامعة نانتري، وحيثما هناك كتب مميزة عن نوماكو: هناك سلسلة لمفكرين نقديين تم إصداراها من قبل روتليدج، إن أرثوذكسية المفكرين النقديين الرسميين مختارين في القانون والسياسة والسلطة والمغايرون لأسلوب أعمال بودريليارد المتأخرة في هذه المواضيع. هناك كتب عن كارل شميث، وجورجيو أغامبين، ولويس التوسير، ونيكلس لومان، وجيل دولوز وفليكس كوتاري، بين آخرون، ولكن لا يوجد أي كتاب عن بودريليارد.
كل أعماله التي نشرت بعد وفاته، وبالذات كتابه معاناة القوة، يقدم فيها بودريليارد نظرية فريدة في السلطة، مدمجة بما يدعوه “بالرفض المزدوج”. السيادة التي ترفض السيطرة والفرد الذي يرفض أن يسيطر عليه. كما يشير هو في الكرنفال وآكلة لحوم البشر في عبارة يعيد تكرارها مرات عدة بنفس الكلمات في معاناة القوة، وجزئيا تم اقتطاعها من (سيمتاكوس وتم وضعه كاقتباس في الغلاف الخارجي الخلفي لكتابه معاناة القوة). جذرية تفكير بودريليارد حيث يزعم بأن السلطة ذاتها يجب أن تلغى. بودريليارد يزعم: أن السلطة نفسها يجب أن تلغى– وليس فقط مبدأ عدم الخضوع للتسلط، والذي هو جوهر النضال التقليدي، وفي نفس الوقت وبنفس القوة رفض أن يكون متسلطا. حيث أن التسلط يعني الأمران معا، وحيث أن هناك نفس العنف والطاقة في رفض أن تكون ضحية للتسلط. لقد توقفنا منذ فترة في الحلم بالثورة. وهذا يدل على أن من الصعب على الذكاء أن يستطيع أو يتمكن من أن يتولى السلطة، لأنه على وجه التحديد يمثل هذه الثنائية في الرفض. (بودريليارد 2010b:17-18).

رفض السيطرة، أو ممارسة السيادة، بناء على سلفيري لوتنجر، في محاولته لإيضاح نظرية بودريليارد، يمكن النظر إليها من خلال معاناة أولئك المنخرطين في تمرد مايو 68، أو في أنشطة ما بعد السياسية لمجموعة الأتنموس الإيطالية في السبعينات من القرن الماضي، وبناء على تفسير لوتنجر فإن نظرية بودريليارد، أن هؤلاء المتمردون كانوا على ثقة بأنهم يبغون ممارسة التسلط، كانوا يعانون من القوة، في كلا الحالتين: في مقاومتهم للسيادة، وفي ممارستهم لها. بالفعل كما يقول بودريليارد إن السلطة ذاتها محرجة، وليس هناك من يريد ممارستها حقا.

في آخر نصين له- كرنفال وآكلة لحوم البشر، ومعاناة القوة، كتبت قبيل وفاته في عام 2007، يقوم جين بودريليارد بوصف جديد لموضوع المحاكاة، إنها مرحلة المحاكاة الساخرة، ومرحلة كرنفالية. بودريليارد يطور مفهومه حول المحاكاة، وحول الواقع المفرط إلى تشخيص مقنع، إلى محاكاة ساخرة للنفس في المرحلة الحالية للمجتمع الغربي. المحاكاة أو الواقع المفرط لم تعد مرحلة مصطنعة بما يسمى بواقع من النماذج والرموز من المرحلة التي سبقتها. المحاكاة الآن مهزلة، إنها مسخرة كبيرة، حفلة تنكرية، بيت للفرح، تعبر عن تشوهات لقيم وأخلاقيات الحداثة: الحرية، والثقافة، والحقيقة، والإنسانية.

“كل دلالة تم إلغائها من خلال رموزها” كتب بودريليارد في معاناة القوة، وفرة من علامات المحاكاة الساخرة، التي لا يمكن من خلالها التعرف على الواقع. القوة هي المحاكاة الساخرة الوحيدة للقوة. تفكيك الواقع بالعلامات. قيم الغرب وأمريكا تتدهور إنه كاريكاتير لأوضاعهم، يلتهمون به أنفسهم.

العدد الأخير العدد الواحد والثلاثين بعد المائة ترجمات ثقافة وفكر سياسة

عن الكاتب

Avatar

علي حمدان الرئيسي