“التطبيع”… القصة كاملة 1/3

Avatar
كتب بواسطة نبال خماش

 هناك محاولات معرفية أنتجت العديد من التصورات النظرية لمفهوم “التطبيع”، ورغم حالة التوافق على المعنى اللغوي للمفردة، باعتبارها محاولة تغيير في ظاهرة غير طبيعية ومغايرة لما يعد مألوفا، لتصبح بالنتيجة العامة ظاهرة طبيعية، إلا أن حالة التباين والاختلاف في تحديد معنى هذا المصطلح تظهر واضحة عند معالجته معالجة سياسية، وخصوصا فيما هو مرتبط بالعلاقة العربية مع الكيان الصهيوني، ومن خلال تتبع بحثي لعناصر الاختلاف داخل هذه التعريفات في مجالها السياسي، اتضح أن عنصر الخلاف الجوهري كامن في تحديد الجهة التي يراد معالجتها وتقويمها، هل هو الجانب العربي، أم الجانب الصهيوني؟ وما هو المعيار الذي يمكن اعتماده لمعرفة الطبيعي والمألوف، وتمييزه عن الغريب وغير السوي؟، وهل يمكن من خلال هذا الفهم إجراء مراجعة شاملة لمظاهر الصراع بين الجانبين ومضي العلاقات بشكل طبيعي بالاعتماد على مبدأ أن لا عداوة دائمة ولا صداقة دائمة؟ وبالعموم فإن هذا الفهم الأخير للمعنى، يكاد يكون هو السائد في الأوساط كافة، سياسيين، مثقفين، وحتى الناس العاديين.

   غير أن جهودا بحثية ذهبت إلى أماكن أبعد مما ذهبت إليه الشروحات العادية في تحديد معنى “التطبيع”، ونجد في التعريف الذي قدمه عالم الاجتماع المصري، صاحب “موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية”، الدكتور عبد الوهاب المسيري، نموذجا يمكن البناء عليه في محاولة الفهم هذه. ويوضح المسيري أن التطبيع هو:” تغيير ظاهرة ما بعد اختراق نسيجها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، بحيث تتفق في بنيتها وشكلها واتجاهها مع ما يعده البعض طبيعيا”. وبالنظر إلى حالة الغيبوبة الحضارية التي تعيشها الدول العربية، فإنها تصبح الجهة المستهدفة والمراد اختراقها، في بنيتها وشكلها وفي اتجاهها، ويفهم من شرح المسيري لهذا التعريف، أن المطلوب من عملية التطبيع، وفق المعطيات الراهنة، النزول بالواقع العربي، بكامل عناصره، ليتوافق مع بنية الكيان الصهيوني وشكله واتجاهه. 

   أما الرهان الذي يعول عليه دعاة “التطبيع” في المرحلة الراهنة لتحقيق حالة الاختراق هذه، فيكمن في هذا المستوى الحرج من التفتت والانقسام الذي يعيشه عرب اليوم، ورغم هذه الحالة الكارثية التي تعصف بالأمة، إلا أن أحدا من المنظرين أو راسمي السياسات والاستراتيجيات، مهما أوتي من مبررات العداء والكراهية للعرب، إلا أنه لا يمتلك الجرأة المعرفية ليعلن أن هذا النسيج العربي غير طبيعي،  أو أنه حديث الصلة بأرضه، أو أنه يفتقد إلى هوية متجانسة والواقع ماثل أمامه: لغة مشتركة، ودين الأغلبية العظمى من أبناء هذا النسيج واحد، الهويات الإقليمية والمحلية متقاربة، وهناك العديد من مظاهر التي يمكن عدّها وإدراجها ضمن ما يعد طبيعيا ومألوفا، وهي العناصر ذاتها التي يراد اختراقها والتلاعب بها، لتصبح في وضع موائم ومنسجم مع حالة غير طبيعية، هي حالة الكيان الصهيوني.

   هل في إطلاق صفة غير طبيعية على جانب المعادلة الآخر، الكيان الصهيوني، استعجال وعدم تريث. ربما، ولكن، ومن خلال إلقاء نظرة خاطفة على نسيج هذا الكيان في بنيته وشكله واتجاهه، فإن واقع هذه العناصر يفضي إلى حقيقة من الصعب إنكارها، وهي أننا نواجه ونتعامل مع كيان يستمد قوته وخطورته، وكذلك ضعفه وهشاشته، من عنصر واحد، أنه كيان غير طبيعي:

في البنية: فهو كيان مؤسس على صيغة إحلالية استيطانية، وسالب لحق السكان الأصليين في التمتع بوطنهم، من خلال الإبادة والتهجير.

في الشكل: كيان قائم على فكرة عنصرية، ركيزتها فكرة يهودية الدولة، وهو التعبير الأكثر مفارقة لما هو طبيعي لمعنى الدولة العصرية.

في الاتجاه: كيان يسعى إلى السيطرة والهيمنة على الإقليم بأكمله، من حيفا حتى مسقط، كما هو مصرح في أدبياتهم السياسية المنشورة، ومجالات الهيمنة تشمل الاقتصاد، السياسة، الأمن، الثقافة؛ كيان لا يعترف بمبدأ الشراكة أو التعاون.  

   إن معنى التطبيع في المفهوم الصهيوني يعني إخضاع والنزول بالحالة السوية الطبيعية لتصبح عناصر وظيفية لصالح المشروع الصهيوني، فيما يعنى التصحيح الموضوعي للمفهوم، معالجة الاختلالات العميقة التي يعاني منها الكيان الصهيوني ذاته في بنيته وشكله واتجاهه، ليصبح الحديث بشأن التطبيع في مرحلة لاحقة أكثر انسجاما مع طبيعة الأشياء.

  “الأرض”… أصل النزاع

   عاش الفلسطينيون قرونا لا انقطاع فيها فوق أرضهم. ورغم الحالة المدنية المتقدمة نوعا ما التي شهدتها المدن الساحلية وعدد من مدن الداخل، إلا أن النسبة الساحقة من الفلسطينيين هم فلاحون، يكسبون رزقهم من خلال ممارسة الزراعة للأرض التي هي بالأصل أرض الدولة، وهو النمط الاقتصادي الذي استقرت عليه المنطقة قرونا طويلة، وفق محددات النمط الآسيوي للاقتصاد، الذي لم تكن المنطقة، وكافة القارة الآسيوية تعرف نمطا سواه. غير أن هذا النمط الطبيعي والمألوف في الاقتصاد بدأ يشهد تبدلات عميقة في عناصره نتيجة تدخلات الدول الغربية، والتي تزايدت على نحو واضح في أواسط القرن التاسع عشر حيث أخذ العالم الغربي يمارس ضغوطا على الدولة العثمانية لإحداث تعديلات عميقة في هوية الدولة الإسلامية بمختلف جوانبها. وعرفت هذه المرحلة بـ “عهد الإصلاحات”، والتي كان من أهم مظاهرها إعادة تشكيل مفهوم ملكية الأرض، فصدر “قانون الأراضي” و”قانون الطابو” المماثلة للقوانين الغربية.

    وبعد صدور فرمان سلطاني يقضي بحق الأجانب، من غير رعايا الدولة العثمانية، في التملك، أخذت الكتل اليهودية تتسرب بشكل جماعي إلى فلسطين، والإقامة فيها على شكل “بؤر استيطانية”، وأعطت الحكومة العثمانية لليهود في البداية كامل الحرية في التملك في أي منطقة من مناطق السلطنة، إلا أنه مع تزيد الاستهداف اليهود الوافدين من أوروبا الشرقية لفلسطين بشكل محدد، قرر السلطان عبد الحميد وضع حد لتفشي هذه الحالة، فأصدر فرمانا يقضي بوقف هجرة اليهود إلى فلسطين، والسماح لهم بالإقامة في أي مكان آخر، وتحت وطأة ضغوط أمريكية بريطانية فرنسية، إضافة لضغوط مؤسسات مالية تعتمد عليها الإمبراطورية لتأمين مصادر الإقراض المالي، وفي مقدمتها بنك روتشيلد اليهودي، أمام هذه الضغوط الدبلوماسية والمالية، تراجع السلطان عن قراره، وأصدر تعديلات على فرمان المنع، فتح بموجبها باب الهجرة إلى فلسطين ضمن قيود تتعلق بأعداد المهاجرين، إلا أن إجراء السلطان يعد في الحقيقة شكليا يهدف لحفظ ماء الوجه، فعادت هجرات الكتل البشرية اليهودية إلى سابق عهدها بموافقة حكومية، وبذلك يتزامن التغلغل الصهيوني في فلسطين مع بدايات التغلغل الرأسمالي “الكولونيالي”، تحت غطاء حالة الإصلاح.

   في تلك الآونة من الحكم العثماني، أخذت الأرض الفلسطينية تتسرب بشكل تدريجي وممنهج من بين أيدي سكانها الأصليين لصالح الحركة الصهيونية العالمية، التي توسعت كثيرا في إبرام صفقات شراء مساحات واسعة من الأراضي، والسؤال المنطقي الذي يتبادر إلى الذهن مباشرة عند إثارة هذه النقطة تحديدا، هو المرتبط بالجهة أو الجهات التي عقدت معها المنظمة الصهيونية هذه البيوع؟، وهو تساؤل يستدعي التنويه إلى أن نسبة غير قليلة من الأراضي تعود ملكيتها لرعايا في الدولة العثمانية ولا يقيمون في فلسطين، وتعود انتماءاتهم إلى المجتمعات المحلية في لبنان وسورية بصورة أساسية، أما الفلسطينيون العاملون في هذه الأراضي، فكانوا يعملون مقابل أجر سنوي يوازي ربع المحصول، وعليه عرف الفلاحون باسم “المرابعية”، ولم يعد سرا يداري أسماء العائلات التي كانت رائدة في عملية البيع مساحات واسعة من الأرض الفلسطينية  للحركة الصهيونية، وفي مقدمتها عائلة سرسق، تليها عائلة خوري وتويني سلاّم، فرحات، زعرب، التيّان…أما العائلات السورية التي ثبت مشاركتها في عمليات البيع: القباني، بوظو، وورثة أبناء الأمير عبد القادر الجزائري…وبموجب هذه العقود تملكت المنظمة الصهيونية مئات الآلاف من  الدونمات وفي أكثر المساحات خصوبة، وعن الضرر الذي لحق بالفلسطينيين في هذه الفترة، تكفي الإشارة إلى أن صفقة واحدة من هذه الصفقات قد فرّغت 22 قرية فلسطينية من سكانها، الذين يقدر عددهم بثمانية آلاف نسمة، وهي إحدى صفقات آل سرسق للمنظمة الصهيونية، وبموجبها باتت الصهيونية الجهة المالكة لمرج ابن عامر، الذي يعد من أخصب البقاع الزراعية في فلسطين. وطيلة فترة الحكم العثماني، لم يثبت أن أحدا من الملاّكين الفلسطينيين باع أرضه أو جزءا منها لأي من الجماعات اليهودية أو للمنظمة الصهيونية.

      حالة الاختراق للوضع الطبيعي بدأ يأخذ مدى أوسع مع خضوع فلسطين للوصاية البريطانية أواخر عام 1917، حيث أخذت ظاهرة تدفق أعداد المهاجرين تتزايد على نحو واضح، وكذلك ظاهرة الاستيلاء على الأرض وإنشاء بؤر استيطانية عليها. ولم يقتصر الأمر على ذلك، إنما بدأت “اللجنة الصهيونية” في اختراق النسيج الاجتماعي في الفلسطيني بهدف خلق حالة من تطويع الحالة الراهنة وإخضاع عرب فلسطين الذين كانوا يشكلون ما نسبته 90% من مجموع السكان، وتعزيز قابلية التعايش مع الوضع الجديد الذي أصبحت الجماعات اليهودية الوافدة حديثا إلى البلاد، ولا تتعدى نسبتها 10% من مجموع السكان، المكون البشري الوحيد الذي تنظر إليه القوى الدولية كونه “شعبا”، عملا بمضمون “وعد بلفور” الذي أطلق على اليهود صفة “الشعب” فيما عدّ الأغلبية العربية المطلقة كونهم “طوائف غير يهودية”، وهذه واحدة من مظاهر إنزال ما هو طبيعي ليتوافق مع حالة غير سوية.

   في تلك الفترة، وبدأت “البعثة الصهيونية” وهي لجنة مؤلفة من عشرين صهيونيا، وكلهم من أصحاب القدرة والكفاءة في مجالات عدة، في استقطاب كل من استطاعت توظيفه لخدمة أهدافها من وجهاء فلسطين وزعاماتها التقليدية وكبار موظفيها، ويبدو أن التركيز كان موجها بالدرجة الأولى باتجاه رؤساء البلديات ومخاتير القرى، لتأثيرهم واحتكاكهم المباشر مع الناس العاديين. علما بأن المزاج الفلسطيني العام في تلك الفترة تحديدا، كان متقبلا لفكرة الانتداب البريطاني على أرضه، إلا أنه كان رافضا لمظاهر توسع الهجرة وإقامة مستوطنات، حتى الزعامات التقليدية المحلية، كانت رافضة للنشاط الصهيوني، لدوافع وطنية ولدوافع أخرى خشية تراجع مظاهر نفوذهم المحلي، أمام الإمكانات الكبيرة التي كان يتمتع بها زعماء وقيادات الحركة الصهيونية في فلسطين. 

    وبالفعل تمكنت اللجنة الصهيونية، ومن خلال الإغراء بالمال وبالمناصب الرسمية لدى حكومة الانتداب، من تطويع عدد قليل من الشخصيات التي تباشر مهام إدارية وتنظيمية داخل المجتمع الفلسطيني، وللمرة الأولى في تاريخها، بدأت تظهر أصوات محلية تدعو مجتمعها الفلسطيني للتعايش وقبول الكيان الاستيطاني اليهودي، والتأقلم معه، بكون الفائدة التي سيجنيها الفلسطينيون جراء هذه العلاقة ستكون أكبر بكثير من الفائدة التي سيجنيها الجانب اليهودي. ولم يكن تبني هذه المجموعة لطروحات التعايش والتفاهم بهدف التقرب للجنة الصهيونية فحسب، التي أخذت تفتح عدة مكاتب بمختلف المجالات في أنحاء فلسطين، إنما كان هدفها التقرب من السلطة والجهة الداعمة للمشروع الصهيوني، وهي حكومة الانتداب البريطانية، كونها الجهة الضامنة والداعمة لإنجاز هذا المشروع، وهذا عنصر إضافي من عناصر لا طبيعية الكيان الصهيوني، كون نشأته كان نتيجة جهود طرف آخر، وهي مسألة أدركها ذوي المصالح والتطلعات الذاتية من الفلسطينيين في اقتناص تعقيدات هذه المرحلة لتحقيق مكاسب ذاتية، بالتودد للجنة الصهيونية وتشبيك العلاقة معها.

   من الشخصيات الفلسطينية التي لعبت دورا أساسيا في هذه المرحلة المبكرة من الصراع، رئيس بلدية مدينة نابلس، حيدر طوقان، ورئيس بلدية حيفا حسن شكري، وحاول كلاهما تشكيل قوى ضغط اجتماعي لدعم حالة التعاون مع المستوطنين اليهود، ويحتوي الأرشيف الفلسطيني على عدد لا بأس به من وثائق هذه المرحلة والأدوار التي تخللتها، وفيها توضيح لمبررات النظرية التي دفعت هذا التيار إلى تبني فكرة التعايش وبناء جسور الثقة مع المستوطنين اليهود من ضمنها وثيقة أعلن فيها طوقان وعدد من مخاتير شمال فلسطين تأييدهم فتح باب هجرة اليهود إلى فلسطين على مصراعيه، للاستفادة من خبرات الوافدين اليهود في عملية تطوير البلاد، وبالإضافة إلى حماسته وتشجيعه لاستقبال أعداد أكبر من اليهود المهاجرين، أخذ حسن شكري في مهاجمة كل جهد تبذله الحركة الوطنية الفلسطينية في موجهتها لكل مظهر من مظاهر  التهويد لبلادهم، وبلغت به حماسته للمشروع الصهيوني، هذا التحريض الذي مارسه على مواطنيه الفلسطينيين، أعضاء الوفد المفاوض في مؤتمر لندن 1921، وتشكيكه بصفتهم التمثيلية في هذا المؤتمر، ومن خلال عريضة وقع عليها عدد من المخاتير وأصحاب المصالح، أعلنوا للحكومة البريطانية أنهم لا يعدّون ” الشعب اليهودي عدوا يريد المساس بنا، بل على العكس، إنا نرى في الشعب اليهودي أخا يشاركنا مشاكلنا وأفراحنا، ومساعد لنا في وطننا المشترك. إننا مقتنعون إنه بغير الهجرة اليهودية وبغير الدعم الاقتصادي لا تتطور البلاد اقتصاديا”. وبذلك بدأت تتشكل النويات الجنينية في التطبيع مع الكيان الصهيوني وفق محددات هذا الأخير.

   إلا أن خطر هذه المجموعة التي أفصحت بشكل واضح عن موقفها إزاء العلاقة المنشودة بين الفلسطينيين والمستوطنين اليهود، لم يكن شيئا مقارنة بالخطر الأكبر الذي يمكن تلمسه في سلوك نسبة مهمة من أعيان ووجهاء محليين، والمجموعات الخدمية التي تحيط بهؤلاء. ففي وقت مبكر من فترة الانتداب البريطاني أظهر عدد من ملاّكي الأرض المحليين استعدادا لبيع مساحات من أرضهم لصالح المنظمات الصهيونية واليهودية بصورة سرية، وحققوا نتيجة هذه البيوع مكاسب مالية وفيرة، وعلى أطراف هذه العلاقة بين البائع الفلسطيني والمشتري الصهيوني، برزت وتوسعت شرائح خدمية، مثل السماسرة والوسطاء، كذلك كان لعدد من المحامين الفلسطينيين والمسّاحين والمحاسبين ووكلاء الأملاك من الذين يعملون في خدمة كبار ملاك الأراضي الفلسطينيين دور لا يمكن الاستهانة به في هذا المجال، ومنذ عام 1925 كان بيع الأراضي والسمسرة منتشرا بشكل كبير بين العائلات صاحبة الأملاك الواسعة، مما دفع محرر “جريدة الكرمل” الوطنية ليكتب هذه السطور:” يجب أن لا نلوم الحكومة البريطانية لعدم اكتراثها لمطالبنا لأننا نحن الملامون، لأننا سلمنا زمام أمورنا للذين هم غير جديرين بالثقة، وللبائعين والسماسرة والذين يسعون وراء المناصب…”. وفي عام 1933 قال القنصل الألماني بخصوص مسألة بيع الأراضي، أن هناك بين العرب من “يطلق الصيحات ضد الهجرة اليهودية في النهار، ويبيع الأراضي لليهود في الليل”.

   غني عن القول إن استثمار الحركة الصهيونية في شريحة هشة من المجتمع الفلسطيني لديها قابلية الخضوع للمستعمر الاستيطاني، لم يكن بهدف “التطبيع” مع المجتمع الفلسطيني، إنما كان هدفه مسألة أخرى تتعلق باكتمال صيغة إحلال الجماعات اليهودية وتوطينها مكان السكان الأصليين، وصولا لمرحلة يهودية الدولة، يتخلل هذه المرحلة، ويعقبها أيضا الاستمرار في التخلص الممنهج من الشعب الفلسطيني، أو القسم الأكبر منه، من خلال عمليتي الإبادة والتهجير، أما “التطبيع” فهي ظاهرة تستهدف الإقليم المحيط بفلسطين، ابتداء بالأكثر قربا.

 ولأن المشروع الصهيوني هو في حالة دائمة من الاستعجال، فإن مقدمات التطبيع لم تكن تحتمل بوجهة نظر مفكريه الانتظار حتى إعلان قيام الدولة اليهودية العالمية، وفي الوقت الذي كانت معالجة الإحلال الاستيطاني ماضية على قدم وساق، أخذ المفكرون الإستراتيجيون في الحركة بالانفتاح المبكر على إقليمهم المحيط، تحت مبررات وشعارات مضللة بحقيقة الفكرة الصهيونية ودوافعها، وكان “شرقي الأردن” المجال الجغرافي الأقرب والأكثر إلحاحا لاحتياجات المشروع التطبيعي بصورته الجنينية.

   تنظر الأدبيات الصهيونية إلى “شرقي الأردن” كونه جزءا من فلسطين، وأنه كان مشمولا ضمنا بـ “وعد بلفور”، وأن استثناءه من الوعد وإخضاعه للوصاية البريطانية، أثار غضب الصهاينة، وبدأوا في العمل بهدف استرداد هذا الجزء والحاقة بوطنه الأم “فلسطين”، ولكن بأساليب وأدوات لا تعتمد الإخضاع المباشر، وإنما الإخضاع من خلال الاستثمار بحالة الضعف في الكيان الأردني حديث النشأة، ورغبته في تمكين وجوده بمختلف الوسائل والأدوات المتاحة. ومن الناحية التاريخية يعد ظهور “شرقي الأردن” الحلقة الأخيرة من المسلسل الاستعماري في تمزيق سوريا “الطبيعية”، والقضاء على حالة الانسجام التاريخي بين مجتمعات الإقليم، والتي تشكلت على مدى أكثر من ألف عام…ليبدأ الإعلان عن ظهور كيانات جديدة، وإلحاقها مستقبلا مع الكيان الصهيوني المصطنع، ووفقا لهذه النظرة جرى الاجتماع التاريخي في القدس بين وزير المستعمرات البريطاني، تشرشل، والأمير عبد الله بن الحسين في آذار/مارس 1921 وأعلن بموجب هذا اللقاء عن قيام كيان سياسي جديد شرقي نهر الأردن، من ضمن محددات واجبات ومسؤولياته أمام الحكومة البريطانية، حماية الجبهة الغربية وضمان أمنها، والمقصود بذلك الكتل والتجمعات الاستيطانية اليهودية، مقابل جعالة سنوية يتلقاها الأمير قدرها خمسة آلاف جنيه، إضافة إلى إخضاعه لفترة تجربة مدتها ستة أشهر، تقرر إثرها الحكومة البريطانية مدى صلاحية النظام الجديد من عدمها.  

   هذا البند الأخير في الصفقة التاريخية بين وزير للمستعمرات وحاكم عربي جرى عيّن للتو، كان القصد منه تأكيد إحساس الحاكم بأهمية الغطاء الغربي لضمان استمراريته في الحكم، وهذا يستدعي بالضرورة الاستجابة لكافة متطلبات وحاجات السيد البريطاني وفي مقدمتها تقديم كافة أوجه الدعم، سرا وعلنا،  وتوفير مظاهر الحياة لكيان جنيني مصطنع ما زال العمل جار على رفده بكافة عناصر الحياة والاستمرارية، وهي رسالة أدرك الأمير عبدالله، منذ بدايات حكمه، هذه العلاقة العضوية بين طرفي المعادلة، لذا لم يكن مستغربا بعد عام واحد من لقاء القدس التاريخي، أن يكون الأمير عبدالله وراغب النشاشيبي، رئيس بلدية القدس، الوحيدين بين المسؤولين العرب، ممن شاركوا في حفل تنصيب اليهودي الصهيوني، ثيودور هرتزل، كأول مندوب سام على فلسطين.

   هذا الاهتمام الذي أظهره الأمير عبدالله بالحركة الصهيونية، قوبل باهتمام مضاعف من الصهاينة الذين رأوا فيه مدخلا ملائما لاكتمال الحلم اليهودي الذي يعد “شرقي الأردن” جزءا من فلسطين. وإذا كان الأردن قد استثني من وعد إقامة الوطن القومي لليهود، فإن فرصة السيطرة على هذا الإقليم ما زالت متاحة، وفق الاستراتيجيين الصهيونيين الأوائل، وفيهم رئيس المنظمة، حاييم وايزمن، الذي عبر عن موقفه من القرار البريطاني كون أن:” الطريق إلى جسر اللبي- إحدى نقاط الوصل بين فلسطين والأردن- التي ستتبعها للعبور إلى شرق الأردن لن تكون مرصوفة بالجنود، بل بالعمل إليه ودي والمحراث اليهودي”. وبالفعل، وخلال سنوات قليلة تمكنت الصهيونية من تنفيذ مشاريع تعتبر عملاقة وفق اقتصاديات الأردن في تلك المرحلة.

   ففي عام 1927 دشن الأمير عبدالله “مشروع شركة كهرباء فلسطين” في الباقورة الأردنية، وكانت حكومته قد وافقت على تأجير ستة آلاف دونم لمدة 93 عاما لصالح الشركة التي تعود ملكيتها للصهيوني بنحاس روتنبرغ. وكان استئجار هذا الموقع بهدف الاستفادة من مصادر المياه في توليد الكهرباء والبدء بتوزيع الطاقة الكهربائية على المدن الأردنية والفلسطينية. وبدلا من استخدام المياه في استخراج الطاقة، كما صت الاتفاقية، اعتمدت الشركة اليهودية على المولدات الكهربائية لتحقيق هدفها، وجرى سحب حصة المياه المخصصة لتوليد الطاقة إلى المستوطنات اليهودية.

   لم يكد الأردنيون يشعرون بالرضى لسياسة حاكمهم الجديد وانفتاحه المبكر مع الخطر الذي بات يهدد فلسطين ويهدد مصالحهم ووجودهم هم أنفسهم في مرحلة لاحقة، فقاطع السكان كهرباء الشركة اليهودية، واستعاضوا عنها بمولدات صغيرة. وفي عام 1929 منحت الحكومة الأردنية مستثمر يهودي امتيازا لمدة 75 عاما لاستخراج مادة البوتاس من البحر الميت. وقبل إقدام اللجنة الصهيونية على تنفيذ هذه المشاريع الكبرى في الأردن نفذت عددا من الأعمال والمشاريع المحدودة، التي لم يعلن عنها رسميا، وكشفته لاحقا الوثائق البريطانية، مثل تقديم المستوطنين يد المساعدة للحكومة الأردنية في إعادة بناء العاصمة عمان ومدينة السلط بعد الزلزال المدمر الذي تعرضتا له عام 1927، ووجد المستوطنون في هذه الحادثة فرصة ملائمة لطرح عدة مشاريع أمام الحكومة الأردنية في مطلع الثلاثينيات، مثل تخطيط المدن وتأمين الطاقة الكهربائية التي قاطعها الأردنيون، إضافة إلى خدمات الصرف الصحي.

  وما زالت وتيرة “التطبيع” المبكر بين شرقي الأردن ومنظمة الصهيونية في تصاعد تدريجي، وإذا كانت أعين المخططين الاستراتيجيين الصهاينة قد توجهت في البداية نحو أمير البلاد، وإقامة مشاريع اقتصادية كبيرة في البلاد لها طابع النفع العام، فهي في مرحلة ثانية اتجهت نحو ملاّك الأرض المحليين، وتحديدا الممثلين لمناطقهم في المجلس النيابي، وكانت الفكرة تتلخص في استنساخ التجربة الاستيطانية في فلسطين عبر توظيف الرأسمال اليهودي من خلال شراء أكبر قدر من المساحات وإقامة مشاريع زراعية عليها وتوطين اليهود فيها. وكان هذا المجال من اختصاص “الشركة الفلسطينية لتطوير الأراضي”.

    نجد في الوثائق البريطانية بدايات هذا المشروع والعقود التي أبرمها الجانبان بصيغة استئجار أو بيع للأراضي، وأول صفقة أبرمت في هذا المجال، شملت أكثر من مائة ألف دوم في منطقة الجيزة، جنوب عمان، التي تعود ملكيتها لواحد من أهم الزعامات البدوية المحلية. وفتحت هذه الصفقة شهية وجهاء وزعماء آخرين، لينضم اثنان من زعماء منطقة الكرك. وبالفعل فقد استقبل هذان الزعميان عشرات الخبراء الزراعيين من مستوطنة “بتا تكفا” القريبة من مدية يافا الفلسطينية. وقدموا النصائح الفنية الخاصة بتطوير الأساليب الزراعية. وما لبث أن اتسع عدد الراغبين في “التطبيع” بالمجال الزراعي ليرتفع عدد الزعماء المحليين المشاركين في هذه العملية إلى ستة من الزعماء المحليين، وبالإضافة إلى النصائح التي تلقوها من الخبراء اليهود أقدم هؤلاء جميعا، بما فيهم الأمير عبدالله، على إبرام صفقات تأجير/ وبيع لمساحات من أراضيهم لصالح الحركة الصهيونية. اللافت في المسألة أن هذه الصفقات كانت تتم بسرية تامة، ولم يتناه إلى الرأي العام خبر أي منها عدا الصفقة التي أبرمها الأمير عبد الله التي أثارت الرأي العام المحلي في الأردن وفلسطين، وباتت هذه القضية تعرف بقضية “أرض الكبد”، وهو اسم المكان الذي جرى تأجيره. ونتيجة تصاعد موجة الاحتجاج اضطر الأمير عبد الله إلى نشر تكذيب رسمي، إلا أنه في المقابل طمأن شركاءه اليهود أن الصفقة ووثيقة التعاقد نافذة.

   كان الأمير يدرك تماما أن نشر تفاصيل صفقة الكبد من شأنه أن يلحق ضررا بصورته أمام الفلسطينيين الذي يسعى إلى إلحاقهم بإمارته ضمن كيان سياسي واحد، يشمل حكما ذاتيا لليهود داخل مستوطناتهم، إلا أن ردود الفعل هذه لم تكن تعني له الكثير مقابل تأكيد علاقته بالحركة الصهيونية، وتوجيه الأموال التي يتلقاها منهم بإنفاقها في تعزيز وتمكين حكمه محليا.  

    يتبع 2/3…

العدد الأخير العدد الواحد والثلاثين بعد المائة ثقافة وفكر سياسة

عن الكاتب

Avatar

نبال خماش

كاتب أردني