شيللر: هل هو شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء في ألمانيا؟

كتب بواسطة هشام عدرة

تجيب على ذلك الباحثة الدكتورة بشرى عباس من خلال كتابها الأخير: “فلسفة الجمال والفن عند الكاتب الألماني فريدريك شيللر 1759 ـ 1805م “

   يعدّ شيللر الأبرز بين شعراء ألمانيا بعد مواطنه غوته، ويمكن أن نعدّه شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء في ألمانيا كما يُعدّ رائد المتنورين في الفكر الجمالي.

 صدر قبل فترة عن الهيئة العامة السورية للكتاب كتاب يحمل عنوان (فلسفة الجمال والفن عند فريدريك شيللر) للباحثة الأكاديمية الدكتورة بشرى عباس، والكتاب الذي يقع في حوالي  300صفحة يقدّم إضاءة واسعة حول جوانب عديدة من حياة وفكر الشاعر والفيلسوف الألماني فريدريك شيللر(1759 ـ 1805)م والذي، كما تتحدث عنه الكاتبة عباس، حرّك أوتار الطبيعة الألمانية كلّها، وكان ارتباطه البالغ بحقوق الجنس البشري حافزاً لتعاطفه مع الأمم كلّها، فهو راهب العقل والحقيقة، إنه يشخّص التطور والمثال الإنساني بشكلين رئيسيين، فهو يحلم بإصلاح الفرد وفقاً للقانون الأخلاقي وبإصلاح المجتمع تبعاً للحق، ويطمح إلى تأسيس الإنسانية انطلاقاً من حقوقها، لكن من دون استخدام العنف، بل عن طريق تطوير الميول الكبرى للقلب الإساني تطويراً كاملاً، ولم يفقد شيللر ثقته في التطور الإنساني، لكنه رأى أن الخلاص الفردي هو من دون أي شك شرط أساس للخلاص الاجتماعي وأنه من الواجب أولاً أن يتحقق.

 في البداية تلقي الكاتبة الضوء على سيرة حياة شيللر فهو واحد من أبرز الشعراء في ألمانيا بعد مواطنه (يوهان فولفانغ غوته)، وقد عاش حياة قصيرة جداً (46سنة) لكنه كان غزير الانتاج في حقول الأدب فقد قدّم شيللر أكثر من ثلاثين ديواناً ومسرحية ورسالة أدبية، وما زالت كتبه تلك علامات بارزة في مسيرة الأدب الألماني حتى الآن، ويُعد رائد المتنورين في الفكر الجمالي.

 لقد عرّف شيللر الجمال بأنه التأليف بين الحياة والشكل، وهو الوحدة الجدلية بين اللاتناهي، وهو الشكل، وبين المتناهي، وهو الحياة، وهذه العلاقة يُبينها على أساس التفاعل المتبادل والمتوازن بين قوى الإنسان (الحسية/ المادية) و(الفكرية/ الصورية)، وائتلاف هذه القوى وتوازنها يشير إلى أنها قد استجابت لرغبة العقل الإنساني في وحدة الشخصية الإنسانية وتكاملها، وإن الإنسان قد حقق إنسانيته، ويُعلن شيللر: (إن الجمال هو كمال التحقق لإنسانية الإنسان)!

 تؤكد الباحثة عباس في كتابها عن شيللر الدور المفيد لرومانسية شيللر المعتدلة والحكيمة من خلال طريق التوسل بعلم الجمال لحل المشاكل السياسية لعصره، فقد كتب القصائد الفلسفية عام 1788/1789 ومراسلاته مع كورنر التي بدأت عام 1784 وكتابات نثرية مختلفة إلى جانب مقالته (عن الشعر الحساس والشعر الفطري)(1795/ 1796) تؤكد أن شاغله كان جمالياً بصورة صرفة، وتأليفه لكتاب حمل عنوان ( الرسائل في التربية الجمالية للإنسان) وهو يمثل ثمرة الجهود التي بذلها في أعماله، حيث تعد “الرسائل” ضرباً من الكشف والتنظيم المنهجي والعقلاني لمجمل التصورات الجمالية التي أثارها في ذلك الحين كما كتب روبير لورو leroux في مقدمته لكتاب الرسائل في التربية الجمالية للإنسان عندما ترجمها للفرنسية وصدرت عن دار أوبييه في باريس سنة 1992: (إننا نرصد في فكر شيللر منذ عام 1786تقريباً نزعة إنسانية إغريقية تصبو إلى تحقيق حالة إنسانية قوية ومتناغمة).

  تستعرض المؤلفة عباس آراء باحثين غربيين ومترجمين لأعمال شيللر ورأيهم في نظرته الفلسفية الشعرية للجمال فهنا على سبيل المثال لا الحصر نقرأ للمترجم والكاتب (فيكتور هيل) في كتابه عن حياة شيللر وأعماله الصادر سنة 1974في باريس:(إنّ أصالة شيللر في كتاباته النظرية تمثل جانباً مضاعفاً، فهي من ناحية تخص ما قدمه الشاعر لعلم الجمال وفلسفة الفن بصورة عامة، كما أنها من ناحية أخرى تخصّ التأمل في طبيعته الذاتية بوصفه شاعراً). كما أن (إيغلي EGGLI) في كتابه (شيللر والرومانسية الفرنسية) صنّفه شاعراً فيلسوفاً وتعمق في تراجيديات الشاعر حيث تعم بالفائدة الكبرى على البشرية جمعاء ففي مسرحيته (اللصوص) يتضح لـ(إيغلي) وجود الحقد على الاستبداد، وفي مسرحية (الدسيسة والحب) نلمس وجود تعارض بين المصلحة والحب، وتظهر مسرحية (دون كارلوس) مخاطر الطموح أما مسرحيتي (غيوم تل) و(عذراء أورليان) فهما يمجدان حب الوطن.

يتضمن الكتاب بعد المقدمة والتمهيد، أربعة فصول مع مجموعة العناوين الفرعية ففي الفصل الأول منه نتابع موضوع مأساة العصر وشرور الحضارة الحديثة وإقامة صيغة جديدة لحضارة غير قمعية، حيث كتب شيللر في كتابه عن الشعر الحساس والشعر الفطري (إننا نعرف أننا في الحياة اليومية بعيدون عن بساطة الكلمة وصدقها بقدر بعدنا عن براءة المشاعر) ويصف شيللر مأساة العصر في أن نرى طرفين، هناك وحشية وهناك عجز، وهما درجتان لسقوط البشرية ترافقنا في آن واحد) وحسب المؤلفة (عباس) في بحثها عن فكر شيللر بهذا الفصل عن سمات الحضارة الحديثة فإن شيللر يرى أن (الحضارة إذ تمنحنا الحرية، تظهر جوانب ضعف إذ يزيد ضغط الطبيعة على دوافع الارتقاء وينتج عن ذلك ظاهرة الخضوع والانصياع بوصفهما حكمة حياتية، وبذلك تتراوح نزعة العصر بين الفساد الأخلاقي والتردّي، بين العداء للطبيعة والارتماء في أحضان الطبيعة، بين الخرافة والرفض الأخلاقي لها، إنه توازن الشر الذي لم يزل صابغ العصر بصبغته) وتبحث المؤلفة عباس في الفصل الأول أيضاً موضوع التخصص لدى شيللر والذي أصبح قانوناً حتمياً لأولئك الذين يعملون، وهناك فلسفة(الاغتراب) لدى شيللر بكتابه الرسائل في التربية الجمالية للإنسان فيما يؤكد (هيل) أن شيللر في محاولته إصلاح المجتمع، يولي الدولة اهتماماً مثيراً للغرابة؟، تتابع المؤلفة في هذا الفصل استعراض أفكار شيللر في المسألة الدينية ففي قصائده الفلسفية يكتب شيللر قصائده عن ديانة الاغريق والآلهة في ذلك العصر فيقول في إحدى قصائده: (في تلك الأزمان، لم تتراءَ الأشباح العظيمة أمام المختصر، قبلة من ثغر نفحة الروح الأخيرة، روح تنكس مشعلها) وتختم المؤلفة الفصل الأول من الكتاب بالتحدث عن فلسفة شيللر في إقامة صيغة جديدة لحضارة غير قمعية.

 وفي الفصل الثاني تبحث المؤلفة في موضوع غاية الفن والتي هي المتعة وإشاعة الفرح وهنا يبدأ شيللر رسائله قائلاً: (أطرح نتائج بحثي في الجمال والفن عبر سلسلة رسائل، إنه مشروع مهم وعال لعلاقته بسعادة الإنسان مبيّناً السر الأخلاقي الذي تتحلى به الطبيعة البشرية) في إحدى قصائده الفلسفية يعبر شيللر في أبيات شعرية عن الإرادة بصورة شعرية جميلة وعبرة فيقول مخاطباً الإنسان:

“أتبحث عما هو جليل وعظيم؟

يمكن للنبتة أن تعلمك إياه

لأنها بلا أي جهد إرادي..

 كن مثلها أنت

بإرادتك”

 وتتابع المؤلفة في الفصل الثاني البحث بفلسفة وقصائد شيللر المتعلقة بالدور التربوي للفن من خلق اللذة الأخلاقية، مستعرضة ما كتبه باحثون أوروبيون عن هذا الجانب لدى شيللر ومنه كتاب راؤول ماسون (الدراسات السيكولوجية لشيللر من عام 1774حتى 1785) والصادر عن جامعة مينز سنة 1979، وهنا نتابع فلسفة شيللر والذي يظن أن العمل الفني يؤثر في النفس بوساطة الحساسية sentsibilite ويعترف أن للشعور فائدتين: العفوية والذّاتية.

 وفي الفصل الثالث من الكتاب نتابع مع المؤلفة عباس موضوع (المسرحية التراجيدية: المقاومة الأخلاقية للألم) تأخذنا المؤلفة عباس وبأكثر من سبعين صفحة في رحلة ممتعة مع مؤلفات شيللر المسرحية ومنها (اللصوص ـ دسيسة وحب ـ فييسكو) حيث نتابع فيها تراجيديا الأخلاق والقيم في التصدي للألم، فعلى سبيل المثال في مسرحية اللصوص (والتي ترجمها للفرنسية ريمون دالن وصدرت في باريس عن دار أوبييه سنة 1968هنا نتابع شخصية كارل: مجرم جليل، تمرد كارل مور في المسرحية ضد إنسانية ومجتمع فاسدين، الغلبة فيهما للظلم والكراهية، وقد كان مؤمناً بطيبة الطبيعة، لذا صرّح قائلاً: “يوجد تناغم كبير في الطبيعة اللاحية، فلمَ هذا التنافر في العقل؟”

 أما الفصل الرابع والأخير فيتضمن أربعة عناوين: اللعب: تناغم بين المتناقضات (العقل والإحساس) وموضوع (اللعب تحقيق الانسجام بين العالم الذاتي والموضوعي) وفي هذا الفصل تأخذنا المؤلفة عباس إلى مفهوم (النفس الجميلة لدى شيللر وهي: مصالحة متناغمة بين الغرائز والواجب) وهذا ما يؤكده في كتابه (عن الرقّة والكرامة)، أما القسم الرابع والأخير من الفصل الرابع والأخير فتبحث المؤلفة في مفهوم الدولة الجمالية لدى شيللر وهي كليّة الشخصية الإنسانية وهنا نرى كيف أن شيللر قد تصالح مع الحضارة والمجتمع ففي كتابه: (اعتبارات حول المجتمع الإنساني الأول)عام (1789) يقر شيللر أن بداية الإنسان كانت سعيدة ورقيقة، لكنه لا يعدّ الحالة البدائية من السعادة هي مثل أعلى ونلمس وجود ثقة كبيرة بالإنسان في بحثه (عن الشعر الحساس والشعر الفطري)وفي (رسائل في التربية الجمالية للإنسان).

في قصيدة له من قصائده الفلسفية تحمل عنوان:” المثل الأعلى والحياة” يشير شيللر بوضوح إلى شروط الدولة الجمالية:

 ” هل تريدون في هذه الأرض

 أن تكون أشبه بالآلهة؟

 هل تريدون أن تكونوا أحراراً في ملكوت الموت؟

 لا تقطفوا إذن ثمار حقيقته

 يمكن للنظر أن يرعى من عالم المظاهر

لكن أفول الرغبة

أنزَل العقاب بأفراح المتعة”

 وفي قصيدة أخرى له حملت عنوان” نشيد الفرح” يريد العالم أن يكون سعيداً مع أنه يعرف الحقيقة ويعرف أنها سوداوية-كما تؤكد عباس- وأن مصير الإنسان سيء. وعلى الرغم من أن القدر يعاكسه (أصيب بمرض رئوي تسبب بوفاته) إلا أنه يحب هذا القدر ويقبل به، فيقول في مقطع من قصيدته نشيد الفرح:

 ” سعداء كما تحلق شموس الخالق

 عبر فضاءات السماء العظيمة

 تابعوا دربكم يا إخوتي

 سعداء كبطل ذاهب إلى النصر”.

أدب العدد الأخير العدد الرابع والعشرين بعد المائة ثقافة وفكر

عن الكاتب

هشام عدرة