الأقوال المأثورة والحِكَم من كونفوشيوس إلى تويتر

كتب بواسطة أحمد الزناتي

انتشر فن الأقوال المأثورة أو الأمثال منذ عهود بعيدة، فنراها متناثرة على صفحات التراث الإنساني من كونفوشيوس إلى تويتر، ومن بوذا إلى الكتاب المقدس، ومن هيراقليطس  إلى نيتشه. وبرغم ذلك ظلَّ فـن كتابة الأقوال الماثورة هو الفن الأدبي الأقل نصيبًا من البحث والدراسة. ما أصوله؟ وكيف تطوّرت؟ وكيف نشأت حركات دينية أو فلسفية من قلب الشذرات الغامضة لبعض الفلاسفة والمُفكرين؟ ولماذا يستخدم بعض أشهر فلاسفتنا المعاصرين شذرات من قول مأثور لنقل أعمق أفكارهم؟  في كتابِه الصادر حديثًا (نـظرية في الأقوال الحِكمية المأثورة) يتقصّى المؤلف “أندرو هوي” ثقافات العالم المختلفة للإجابة عن هذا السؤال، موضحًا كيف اشتلمت الشذرات/الأقوال الفكرية والأدبية، بدءًا من الصين واليونان القديمة والحضارات التوراتية وصولًا إلى عصر النهضة الأوروبية والقرن التاسع عشر، برامجَ فكرية شاملة وعاجلة. اتخذت الأقوال المأثورة شكل الشذرات، ففتحتْ بذلك بابًا لعدد لا يُحصى من التأويلات والتفسيرات، وقدّمتْ نفسها باعتبارها الأب الروحي أو الأسلاف الكبرى للأنساق الفلسفية الكبرى بما في ذاك الآداب وفقه اللغة وتاريخ الكتاب وتاريخ القراءة.  

النظرية التي يقدمها الكتاب هي أن الأقوال المأثورة موجودة قبل الفلسفة وموجودة ضدها، حيث يأتي هيراقليطس قبل أفلاطون وأرسطو وضدهما، وباسكال بعد ديكارت وضدّه، ونيتشه بعد كانط وهيجل وضدّهما. من ناحية أخرى يمكن سرد الكثير من تاريخ الفلسفة الغربية على أنه سلسلة من المحاولات لبناء الأنظمة أو الأنساق الفكرية/الفلسفية المستقلة، سواء أكانت أنساقًا مُكملةً أو معارضةً لمن سبقها.

يطرح المؤلف نظرية مؤداها أن كثيرًا من الحِكم والأقوال المأثورة في تاريخ الفكر يمكن أن تُـروى باعتبارها انعكاساً لفكرة العداء ضد الأنساق الثقافية المهيمنة، من حيث هي أشكال أدبية/فكرية تبتغي الابتعاد عن الأنظمة السردية الكبرى السائدة من خلال كتابة الشذرات الخاطفة التي تخفي أكثر مما تفشي وتلمح إلى المعاني من بعيد. على مدار آلاف السنين وُضعتْ آلاف الأقوال المأثورة وجُسدّت وشُوّهت واقتُبستْ اقتباسًا خاطئًا فشكّلت شبكتها الثقافية الخاصة، ومن ثم فمحاولة فهم الأقوال المأثورة ضروري ضرورة فهم الفلسفة ذاتها، وينبغي على الدارس لا أن يفحص فقط معناها الداخلي، وإنما أن يستقصي ظروف إنتاجها المادي ونقلها واستقبالها على مدار التاريخ. والسبب أن الحِكَم/الأقوال المأثورة هي واحدة من أكثر الأشكال الأدبية ديمومة وأن كثيرًا من الثورات/الحركات الاجتماعية أشعلتها منشورات/نصوص مُؤلفة من 140 حرفًا (المقصود هنا تغريدات تويتر)

في مقدمة الكتاب يقول المؤلف:

هذا كتاب مختصر حول أشد الأجناس الأدبية تكثيفًا: الأقوال المأثورة. وقد استمرّ هذا الشكل المختزل باعتباره وحدة بنائية أساسية للفكر عبر حضارات العالم المختلفة من كونفوشيوس إلى تويتر، ومن هيراقليطس إلى نيتشه، ومن بوذا إلى يسوع، كشكل مناوئ لثرثرة الحَمقى وسفسطة البيروقراطيين وصمت الصوفيين. في الحكمة المأثورة لا شيء زائد عن الحاجة ولا كلمة من دون غاية. إذ تحتوي الأقوال المأثورة في حجمها الأدنى شحنة دلالية مُحملة بالمعنى إلى الحدود القصوى. لتتأمل في شذرات هيراقليطيس: “الطبيعة تحب الاختباء”، وعبارة المسيح: (لأن ملكوت الله داخلكم)، أو عبارة (يرعبني الصمت الأبدي لهذه الفضاءات اللا نهائية) لباسكال، أو عبارة نيتشه: (لبناء معبد لا بد من هـدم مـعبد). لهذه الأقوال المأثورة طبيعة مضغوطة لكنها قابلة للانفجار. برغم ذلك، ومقارنةً بالنظريات الدسمة والأطروحات التاريخية المكثفة حول فن الرواية أو القصائد الغنائية أو المسرح، فإن أدب الأمثال، وهو العنصر الأساسي في الأجناس الأدبية، لم يُدرس بعناية كافية، برغم من كونه شبكة واسعة من الفضاءات الأدبية والفلسفية الواسعة التي لم تُمحص بدقة حتى الآن. وبرغم أن الأقوال المأثورة من حيث تعريفها مقتضبة، إلا أنها تتكاثر دائمًا في سلسلة لا حصر لها من التكرارات.  

بحكم طبيعتها فالأقوال المأثورة – مثلها كمثل القنافذ – حيوانات منعزلة، تسعى جاهدة إلى قطع كل السبل أمام الإسهاب والحشو، وتحدوها في ذلك رغبة مُعلنة إلى القضاء على جارها أي “السردي التقليدي” حتى تُحكم قبضتها. وبرغم ذلك فالأقوال المأثورة محكومة أيضًا بعقلية القطيع، فبدايةً من أدب الحكمة عند السومريين والمصريين القدماء وجد أدب الحكمة المأثورة موطن قوته في المختارات. قد تكون كل حكمة مأثورة “وحدة قائمة برأسها” ، كما يذهب شليجيل، ولكنها أيضًا تشكل عقدة داخل شبكة، غالبًا ما تكون عابرة للقوميات، مديدة العُمر، قادرة على التوسع المستمر.

تاريخ الأقوال المأثورة والحِكَم:

يمتد أدب الحكمة أو أدب الأمثال والأقوال المأثورة في مصر من الدولة القديمة حتى العصر البطلمي، ولم ينجُ من تلك الآثار سوى شظايا وشذ أو مجمل بعض سبعة عشر مختارات. تشير بعض الدراسات إلى أن كتاب الأمثال العبري مشتق في الشكل والمحتوى من تعليمات الدولة الحديثة لأمنحوتب (حوالي ٣٥٠ -1000 سنة قبل الميلاد)، وقيل أن النبي سليمان تكلّم بأكثر من ثلاثة آلاف مثل.

السؤال الذي يطرحه المؤلف: كيف ولماذا تطوّرت الأمثال/الأقوال المأثورة في ظلّ ظروف ثقافية معينة؟ وكيف اكتسبت مثل هذا العمر الطويل؟ نظرية المؤلف هي أنه في الثقافتين الصينية والأوروبية على الأقل  تطوّر فن كتابة الأمثال/الأقوال المأثورة جنبًا إلى جنب مع الفلسفة، إما دعمًا لها، وإما في حالة تناقض معها  وإما في أعقابها. على هذا النحو، يتأرجح بين الجزء والنظام. في الصين القديمة، على الرغم من أن كونفوشيوس، ولاو تسي وجوانغزي يُعدّون أسلاف الفلسفة الصينية القديمة، يبدو أن مذاهبهم كانت أقرب إلى تشبه الحكمة السرّية. وفي وقت متأخر من القرن الأول الميلادي بدأ تجميع النصوص الشذرية كلونٍ من ألوان معارضة الدولة. ولكن بحلول فترة حُكم الامبراطور هان كان تنظيم القانون الكونفوشيوسي بمثابة أساس للسلطة الإمبراطورية. قبل ولادة الفلسفة الغربية وُجدت الكتابة الشذرية، ففي اليونان القديمة ظهرت الأقوال الحِكمية التأملية القصيرة على يد الفلاسفة ما قبل السقراطيين، والمعروفة باسم gnōmai ، وكانت بمثابة الجهود الأولى في الفلسفة والتفكير التأملي، إلا أنها واجهتْ معارضة قوية من قِبل أفلاطون وأرسطو بسبب طبيعتها المغرقة في الغموض. 

يقول المؤلف: “لم يكتب أفضل كُتاب الشذرات/الأقوال المأثورة المعاصرين حكمة مأثورة واحدة فقط، بل دأبوا على كتابة العديد منها مثل جـوته ولاروشفوكو وليشتينبيرج الذي احتفظ بدفاتر ملاحظات مليئة بالحكم المأثورة وغالبًا ما كان يواجه صعوبة في الانتهاء منها. المفارقة هنا: بينما قد يكون قول مأثور واحد قنفذًا مهيمنًا، إلا أن مجموعة من الأقوال تميل إلى التفتت، متحولةً إلى عدد كبير من الثعالب الصغيرة الماكرة. لكني أرى في الوقت ذاته أن الحد الأدنى من بناء الجملة داخل الحكمة المأثورة يمنحها قوة دلالية قصوى، وأن أفضل الحِكَم لا تخلو من عددٍ لا ينتهي من التفسيرات ومعين لا ينضب من التأويلات. بعبارة أخرى في حين أن الحكمة المأثورة مُقيَّـدة بالحد الأدنى من متطلبات اللغة فتفسيرها يستلزم مشاركة قصوى من جميع الأطياف لفهمها، وبالتالي فإن تفسير قول مأثور يفتح تعدد العوالم”.

يأخذنا المؤلف في رحلة بانورامية بدأها بكونفوشيوس وختمَها بـنيتشه. في الفصل الأول بعنوان كونفوشيوس: يرغب المعلم في أن يكون صامتًا. يلاحظ المؤلّف أن أحاديث كونفوشيوس المقتضبة كانت تتمتع بسمة أساسية، حيث يقول: “تتسم محادثات كونفوشيوس بطبيعة “لانهائية” لما أثارته من عدد وافر الكثرة من التعليقات والشروح وقت تأليفها، ووَفق أحد أشرطة الخيزران التي عُثر عليها مؤخرًا: “إن فضيلة كلمة واحدة كافية لجيلٍ كامل”، في الوقت ذاته كانت محادثات كونفوشيوس “غير مترابطة الأجزاء” نظرًا إلى طبيعتها الشذرية، حيث تشتمل المادة التي كُتبت عليها – الخيزران والحرير – على آثار بسيطة من متن التعليمات الأصلية. قال إلياس كانيتي ذات مرة إن ما لا يقوله المعلّم [كونفوشيوس] في مختاراته لا يقل أهمية عما يقوله. على سبيل المثال، لم يتحدث الرجل أبدًا عن المعجزات أو مآثر القوة  أو عن السلوك غير المنضبط أو عما هو خارق للطبيعة، لأنه، كما قال لأحد تلامذته: (أنت لستَ قادرًا بعد على خدمة الناس فكيف تُراك إذن تخدم الأشباح والأرواح؟) كان المعلّم كونفوشيوس قليل الكلام. من بين أقواله: (الرجل الصالح يتردد في الكلام)، (التكتّم على الأمور أقرب للخير)، (يجب أن تنقِل الكلمات وجهة نظرها وتكتفي عند هذا الحد)، (ما تفعله أهم مما تقوله)، (لم يكن الناس في الأزمنة القديمة يتوقون إلى الكلام لأنهم كانوا سيخجلون إذا كانت أفعالهم لا ترقى إلى مستوى أقوالهم)، وأخيرًا: (من لا يفهم الكلمات لن يفهم الناس). بينما يشير المؤلف إلى أن السمة الجوهرية المميزة لشذرات هيراقليطيس هي الغموض المتعمّد، لم يكن الفيلسوف الما-قبل سقراطي يكلّم الناس إلا رمزًا، مُختلفًا بذلك عن طريقة أفلاطون، أبو الوضوح والبيان.”

يقول المؤلف:”في شظايا هيراقليطس بنية اللغة وبنية الفكر،  بل وهيكل الكون نفسه مؤسس على كلمات خفيّة. هناك ابتداءًا كلمات منطوقة في حوزة البشر، وهناك كلمات الكون الصامتة على الدوام. وإن التعبير الصحيح عن الأول [المنطوق بشفاه البشر] يؤدي إلى إماطة اللثام عن وجه الكلمات الخفية. ولكن كيف يعثر المرء على الكلمات الصامتة ذات الأثر الغائر؟ الإجابة: عـبر فحص أغوار النفس. لا يمكنك العثور على نهايات الروح في طريقك على الرغم من أنك قطعتَ كل طريق. عميقة جدًا هي كلمات الروح. والروح التي يستكشفها هيراقليطس هي تلك العصية على الفهم، الآخذة في التوسّع باستمرار . إن الكلمات الخفية ليست صفة من صفات الروح، إنها مبدؤها الهيكلي نفس. يفترض هيراقليطس  أن اللغة هي نشاط يستهدف عدم إخفاء البنية العميقة للكون.”

أما عن آخـر كُتاب الشذرات العظام وأقواهم وأشدّهم أثرًا وهو الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه فيلاحظ المؤلف أن شكل الكتابة الشذرية المقتضبة عنده متنوعة تنوعًا بالغ الثراء. يقول المؤلف:” شكل الكتابة الشذرية عند نيتشه متنوع بشكل لا يكاد يصدق؛ فنجد في أعماله أقوالًا مأثورة ومقتطفات وشروحات وتأملات أو مقالات موجزة لا تتعارض مع الشكل الذي كتبه باسكال وليشتنبيرج وجوته وشذرات شليغل أو شوبنهاور. يبقى السؤال: لماذا انقلب نيتشه انقلابًا جذريًا حاسمًا ضد شكل النثر التقليدي والمقالات العلمية  المتصلة بمهنته كفقيه لغوي أو المقالات الجدلية ذات الطابع التأملي، ونزوعه بدلاً من ذلك إلى شكل الأقوال  المأثورة؟ هناك إجابة سهلة وإن لم تكن مُرضِية تمامًا. يدعي كُــتَّــاب السيرة الذاتية أنَّ تحوّل نيتشه نحو الحِكَم المأثورة كان مـردّه صحته المعتّلة، حيث كان يعاني من الصداع النصفي المتكرر والقيء وضعف البصر. كان ببساطة غير قادر على الكتابة أو التفكير لفترات طويلة من الوقت. بعد مرور عام على نشر كتاب “إنساني مفرط في إنسانيته”، استقال نيتشه من كرسي فقه اللغات الكلاسيكية في جامعة بازل وبدأ حياته في التجوال. من البديهي أن يعكس الشكلُ مضمونَ العمل، الذي يعكس بدوره مسار الحياة، ولكن في حالتنا هاته لا يعكس أسلوب نيتشه الشذري المتغير تأثير صحته المعتلة (وهو أمر غير واضح في كتاباته المنشورة)، بقدر ما كان يعكس حالته النفسية. الشذرات عند نيتشه ليست شظايا خطاب فلسفي، وإنما هي إنجاز حقيقي مبلوغ بشقّ الأنفس، الشذرات هي القمة التي تصمد أمام “ضروس الزمن”.

في النهاية يصل المؤلف إلى أن تغريدات تويتر هي الشكل الأحدث للأقوال الشذرية/الحِكَمية وفق مقاييس عصرها. يقول المؤلف:”انطلاقًا من نظريتي في الأقوال المأثورة تأتي التغريدات قبل المنشورات الطويلة وبعدها وضدها. بينما كان عليك في الماضي أن تكون عضوًا في النخبة الثقافية حتى ينتبه إلى وجودك أي شخص يمكن الآن لأي شخص أن يكون خبيرًا في قواعد اللياقة الفرنسية طالما لديه متابعون. غدتْ وسائل التواصل الاجتماعي الطريقة الجاذبة للانتباه، بدايةً من أقرب أصدقائك حتى الجماهير الغفيرة المجهولة. وهكذا يصبح “تويتر”، أكبر أرشيف للعصر الراهن على الإطلاق، مناوئةً بذلك – وفق أطروحة المؤلف- أشكال التدوين السابقة المهيمنة مثل المنشورات أو الخُطب السياسية.

بيانات الكتاب:

  • Publisher ‏ : ‎ Princeton University Press; Illustrated edition (March 19, 2019)
  • Language ‏ : ‎ English
  • Hardcover ‏ : ‎ 272 pages
  • ISBN-10 ‏ : ‎ 0691188955
  • ISBN-13 ‏ : ‎ 978-0691188959

ثقافة وفكر فلسفة

عن الكاتب

أحمد الزناتي