هل على الاقتصاديين أن يكترثوا لأمر الأخلاق؟

بعد الأزمة المالية العالمية في عام 2008، اجتمع مجموعة من خبراء جامعة هارفارد أعرق الجامعات الأمريكية لدراسة أسباب الأزمة من الناحية الأخلاقية، فقد شعرت إدارة الجامعة بأنهم وبالإضافة إلى جامعات النخبة الأخرى Ivy League، يتحملون جزءاً من المسؤولية الأخلاقية للأزمة التي عصفت بمدخرات عدد كبير من المواطنين وأوصلت النظام المالي العالمي إلى الإفلاس، مما اضطر الحكومات الغربية بالتدخل بأموال دافعي الضرائب. ومن أسباب هذه الأزمة هو أن معظم من كان يدير تلك المؤسسات المالية هم من خريجي جامعة هارفارد وجامعات النخبة. إن خريجي كليات إدارة الأعمال وكليات الاقتصاد بالذات، كانوا يتمتعون بكفاءة عالية إلا أنهم كانوا يفتقدون للمعايير الأخلاقية اللازمة. لذلك كان هدفهم الأساس هو تعظيم ربحية الشركات، هذه الأرباح التي كانت تنعكس إيجابيا على المكافآت والأسهم التي يحصلون عليها.

هل على الاقتصاديين الاهتمام بالجانب الأخلاقي؟ أم أن الأخلاق يجب أن تكون من ضمن اهتمامات العلوم الاجتماعية الأخرى، وعلى الاقتصادين الاهتمام فقط بمسالة ندرة الموارد، وكيفية توظيفها التوظيف الأمثل. السؤال المهم الأخر هو هل الأخلاق أمر ثابت أم أن حالها حال الثقافة هي عامل متغير في الزمان والمكان.

 لقد كان الاهتمام بالفضيلة والحياة الهانئة يحظى باهتمام الفلاسفة منذ القدم. فقد كتب أرسطو على سبيل المثال في كتابه علم الأخلاق إلى نيقوماخوس ” إن حياة كسب الأموال حياة نعيشها مرغمين. والثروة بالطبع ليست هي القيمة التي نسعها إلى تحقيقها. فالأموال مفيدة فحسب والغرض منها تحقيق شيء أخر”. كما أن تحريم الربا في الأديان التوحيدية يفسر في سياق بث الوازع الديني والأخلاقي ضد تغول المقرضين.

كان الفيلسوف لوك Locke   John يرى في عملية الإنتاج أنها عملية أخلاقية بامتياز، وهي عملية تحول تدريجي للطبيعة الغريبة إلى بيئة بشرية تعكس الخيال والتصميم البشري، توفر الأساس لاستقلالية الإنسان؛ (بداية هيمنة الإنسان على الطبيعة). وقد أكمل آدم سميث ما بداءه لوك، بالقول بأن عملية الإنتاج في جوهرها هي عملية تعاون بين أفراد أحرار، وأن خدمة أهدافنا الخاصة في المحصلة تلتقي مع تحقيق المصلحة العامة. “ليس من كرم الجزار، بائع الجعة، أو الخباز أن نتوقع عشاءنا، ولكن من اهتمامهم بمصلحتهم الخاصة. تعاملنا معهم ليس نابعا من إنسانيتهم، ولكن من حبهم لمصلحتهم، ولا نتحدث معهم عن ضروراتنا الخاصة ولكن عن مزايا تعاملهم معنا”.

لقد اعتقد الاقتصاديون الكلاسيكيون بداء من آدم سميث ودافيد ريكاردو وحتى كارل ماركس بنظرية كلفة الإنتاج. أن سعر أي سلعة أو خدمة هو نتاج قيمة الموا د الداخلة في الإنتاج وبالذات قيمة الجهد المبذول من العامل في إنتاج تلك السلعة أو الخدمة، وهذا ما سمي بنظرية قيمة العمل ٬Labor Theory of Value التي نظر لها آدم سميث في كتابه “ثروة الأمم”.  حيث يجادل بأن القيمة الاقتصادية لسلعة أو خدمة يتم تحديدها من نتاج العمل الاجتماعي للعامل. ولم يغفل سميث عن الجانب الأخلاقي حيث كتب في عام 1759 كتابا عنونه ب “نظرية الوجدان الأخلاقي” (Theory of Moral sentiment) حيث يقول “تكمن مثالية الطبيعة الإنسانية في كبح أنانيتنا، وإطلاق العنان لمشاعرنا الطبيعية”. دافيد ريكاردو اتفق مع آدم سميث في نظرية القيمة، ولكن رأى أن رأس المال يجب أن يحصل على جزء من الربح نتيجة للمخاطر التي يواجها. بينما كارل ماركس كان يرى أن قيمة السلعة أو الخدمة هي نتاج لساعات العمل الاجتماعي، وقد ركز ماركس على مسالة الاستغلال الذي يمارس من قبل الرأسمالين، لأن العامل في الأخير لا يملك سوى قوة عمله.

 إن ما سمي بالثورة الحدية (ُThe Marginal Revolution) والتي تزعمتها وقتها المدرسة الاقتصادية النمساوية، والتي تعتبر الأساس للمدرسة النيوكلاسيكية في الاقتصاد طرحت نظرية السعر. وذلك بأنها وجدت الإجابة على ما يسمى بمفارقة الماء والألماس (Diamond- Water Paradox) والتي ترى أنه رغم أهمية الماء للحياة إلا أن سعر الألماس أغلي بكثير. فقد نظرت هذه المدرسة إلى أن سعر سلعة ما يتقرر حسب وحدة محددة من تلك السلعة وما تقدمه تلك الوحدة من منفعة حدية للمستهلك. لذلك أصبح التفكير في الاقتصاد، أن سعر سلعة ما تحدده المنفعة الحدية التي تمنحها تلك السلعة للمستهلك. وبناء عليه يكون السعر هو نتاج لعملية العرض والطلب على تلك السلعة.  وأنه كلما زاد عرض سلعة ما قلت المنفعة الحدية لتلك السلعة، وانخفض سعرها. الخلاف حول النظرية الكلاسيكية والنظرية الحدية يرجع في الحقيقة إلى سؤال أرق الفلسفة وعلماء الاقتصاد السياسي حول ما هو مصدر الربح في العملية الإنتاجية. وهل يجب التفكير في السعر ومحدداته أم في القيمة. وهو سؤال (قد) يكون أخلاقيا أيضا.

المدرسة النيوكلاسيكية طرحت أن الاقتصاد يجب أن يحصر اهتمامه بمسالة الكفاءة وأن النماذج الاقتصادية مبنية على الرياضيات والتفاضل، وليس على القيمة والأخلاق. لذلك الأخلاق والعدالة يجب أن تكون خارج النماذج الاقتصادية، وما هو ضمن النموذج هو مسالة النجاعة Efficiency. لذلك يعرف لونيل روبنز علم الاقتصاد قائلا” أنه العلم الذي يدرس السلوك كعلاقة بين الحاجات غير المحدودة والموارد المحدودة”.

الفرد في علم الاقتصاد هو شخص عقلاني ودائما يسعى نحو تحقيق المنفعة المثلى في اختياراته. وأن ما يحدد القيمة العادلة أو القيمة السعرية العادلة هو أن كلاً من المشترى والبائع يمتلكون المعلومات الكاملة والعادلة لكي يتم التبادل التجاري. ولكن هذه الفرضية باتت لا تحظى بقبول تام بين كثير من الاقتصاديين وحتى علماء العلوم الاجتماعية وخاصة بعد ظهور الدراسات سواء في الاقتصاد السلوكي (Behavioral Economics) راجع ريتشارد ثايلر، أو الدراسات المتعلقة بالمعلومات غير المتماثلة (Asymmetric Information) راجع استغلتز.

يقول كارل ماركس أن الأخلاق تم اختراعها من قبل الأقوياء للسيطرة على الضعفاء، في حين يقول نيتشه أن الأخلاق هي من صنع الضعفاء لكي يحدو بها من سيطرة الأقوياء. تبقى أن مسالة الأخلاق هي مسالة مشروطة كليا بالتاريخ لأنها لا تنتج إلا من خلال الممارسات البشرية الفردية أو المنظمة اجتماعيا. وعليه فان معايير الحكم على مدى أخلاقية ولا أخلاقية عمل ما تختلف من مرحلة تاريخية إلى أخرى. غير أننا حسب ماركس يجب أن نقيم مدى صوابية تلك الأخلاق، كونها ترقي أو تعيق تعاظم سيطرة البشر الواعية على بيئتهم وتطورهم الاجتماعي.

 وفي السياق ذاته، يتساءل مايكل ساندل أستاذ الفلسفة في جامعة هارفارد عن مدى التوسع الذي يمكن أن يكون مقبولا في استخدام الأسعار النقدية، ويقول: “أن تحديد سعر لكل نشاط من الأنشطة الإنسانية، يؤدي إلى اضمحلال سلع أخلاقية ومدنية ينبغي الحرص عليها. فهل يمكن ممارسة الجنس نظير مقابل مالي، وماذا عن الأمهات البديلات أو الحمل نظير مقابل مادي؟ وهل ثمة ما يعيب جيوش المرتزقة، وإذا كانت الإجابة نعم. كيف يتم التكليف بالخدمة العسكرية؟ وهل يمكن أن تبيع الجامعات بعض الأماكن في دفعة السنة الأولى لجمع أموال لأغراض مهمة، كأنشاء مكتبة جديدة أو تقديم منح دراسية للطلاب المؤهلين من العائلات الفقيرة؟ وهل ينبغي أن تبيع الولايات المتحدة حقوق الهجرة؟ وماذا عن السماح للمواطنين الأمريكيين ببيع جنسياتهم إلى الأجانب ومبادلة الأماكن فيما بينهم؟ وهل ينبغي وجود سوق حرة لعرض الأطفال للتبني؟ وهل ينبغي السماح للناس ببيع أصواتهم في الانتخابات؟ (Michael Sandel, 2013).

عمليا نجد على سبيل المثال سيطرة المدرسة النيوكلاسيكية على مسالة النشر في المجلات المحكمة الاقتصادية، وأن هؤلاء المحكمين عادة، لا يمكن لهم الموافقة على نشر أي دراسة لا تتفق مع المبادئ العامة للنيوكلاسكية، وأن مسالة النشر هذه لها علاقة بمسالة الترقي والتوظيف في الجامعات. وهذا جزء من الاتهام لخضوع علم الاقتصاد والاقتصاديين لهيمنة الشركات الرأسمالية التي تمول أقسام الاقتصاد في الجامعات الكبيرة. لذلك ليس من المستغرب أن تستبعد الدراسات المعنية بالتنمية، كالنظرية البنيوية ((Structural، نظرية التراكم على الصعيد العالمي، المركز والأطراف (سمير أمين)، أو الاقتصاد الريعي من الدراسات الاقتصادية السائدة.

 لقد أثير مؤخرا مسالة لقاح كوفيد 19، والتي اعتمدت فيه الشركات المصنعة أساسا على البحوث التي قامت بها مؤسسات عامة، ولكن حق بيع اللقاح كان من نصيب شركات الأدوية الخاصة، وقد احتكرت هذا الحق باسم حقوق الملكية الفكرية، وذلك في ظل تعرض العالم لأسوء أزمة صحية واقتصادية. كما أن ما تقوم به الشركات العابرة للحدود من تدمير للنظام البيئي، في سبيل تعظيمها لأرباحها هو إدانة للنظام الرأسمالي العالمي.  يبقى السؤال هل لا زال هناك دور للأخلاق في الاقتصاد وماهي الأدوات التي يمكن استخدامها.

المراجع

Adam, Smith, The Wealth of Nations, L. L.D. AND F. R.S LONDON, EDINGBURGH, 1776.

Karl, Marx, VALUE, PRICE AND PROFIT, General Press, New Delhi, India. 2019.

Lionel Robbins, The Principle of Economic Analysis, Routledge, New York, 2018.

Sandel, Michael J,2013 Market Reasoning as Moral Reasoning, Why Economists Should Re-engage with Political Philosophy”. Journal of Economic Perspective, Vol 2, No 4 pp.121-40