الخصائص شبه المشتركة بين السياسي والشعري: المحو

كتب بواسطة سولماز شريف

سولماز شريف [1]   

ترجمة: مزنة الرحبي.

في الشعر الحديث يتداخل الفن التشكيلي مع أساليب الكتابة الشعرية، مستحدثاً بذلك أنماطاً جديدةً لم يعهدها الشعر من قبل، تبدو فيها بنية القصيدة والقالب الذي يشكلها جزءاً فاعلاً في المعنى. الكولاج مثلاً واحد من هذه الأنماط التي استخدمها شعراء غربيون كبار أمثال ت. إس. إليوت. أما في الشعر العربي، يرى الناقد العراقي ثائر العذاري أن الشاعر سعدي يوسف قد تأثر هو أيضاً بهذا الفن البصري، موظفاً إياه في قصائد من ديوانه “صلاة الوثني”. ومن خلال المساحات البيضاء والانزياحات في الورقة، أو التعتيم بالأسود ينشأ نمط آخر من الكتابة الشعرية يدعى المحو (Erasure)، تُعرِّفه أكاديمية الشعر الأمريكية بأنه شكل شعري يعتمد على استعمال نص قائم، وتظليل فقرات منه، أو شطب معظمه، لخلق معنى جديد وعمل منفصل مما تبقى من كلمات. في المقال الذي نقدمه تكشف سولماز شريف بيقظة لغوية وسياسية كيف يبدو أسلوب المحو منسرباً من أغراضه السياسية إلى مقتضيات جمالية أخرى في الشعر. 

كل قصيدة فعل.

كل فعل عمل سياسي.

ولذا فكل القصائد سياسية.

**

قال لي حبيب ذات مرة: لا يمكنكِ القول بأن كل فعل عمل سياسي. هكذا تفقد كلمة “سياسي” كل معانيها. ثم ما السياسي في هذه اللحظة مثلاً؟

كنت أغسل أطباقه. فتركت الماء يجري.

**

في المرة الأولى التي أواجه فيها المحو كنهج جمالي صعقت. لا أتذكر متى أو كيف حدث ذلك بالضبط. أعرف أني كنت آنذاك بالولايات المتحدة. وأعرف أنه كان عمل محو لشاعر أمريكي. أعرف أن ذاك كان بعد غزو العراق وأفغانستان، وبعد “عمليات التسليم الاستثنائي”[2] والاختفاء القسري لرجال نقلوا إلى مواقع سرية في الصومال، من المؤكد أن ذاك كان بعد عمليات الإبادة المتعمدة للغات والسكان الأصليين، وبعد التجهيل المفروض على العبيد السود، ومن المؤكد أن ذاك جرى بعد مجزرة دير ياسين، بل حتى، بعد نشوء دولة الاستعمار الاستيطاني تلك. وأعرف أني أنظر إلى فعل المحو كما تفعل أي دولة.

فلنبقَ مع بدايات هذا الرعب الآن. في الواقع، إن امتداد فعل المحو إلى الحقل الشعري في الولايات المتحدة يجري بالتزامن مع انتشار وعينا به كأسلوب دولة.  لكن، يبدو أن كثيراً من مشاريع المحو لا تلتفت اليوم لذلك التعالق.

ومع ذلك، وبشأن المحو، هذا الشكل المتَفرِّد من الكتابة، فإن الأشباح التي تهدده ليست الفناء أو الزمن فقط، بل شبح الدولة ذاتها.

**

المحو يعني الإلغاء.

حيث الجذر اللاتيني لكلمة إلغاء (obliteration) هو ضد الحرف أو ما يعني الحذف من النص.  

فالمحو الشعري إذاً، يفيد الحذف من النص.

وهو لم يتقدم تاريخياً بعد.

فتاريخياً، نجد أن الحذف من النص هو أصل إبادة الشعوب.

على سبيل المثال هددت هيلاري كلينتون في حملتها للانتخابات الرئاسية عام 2008 قائلة: سيكون بوسعنا محوهم كلياً من الخارطة.  

مشيرة إلى الإيرانيين.

وأضافت أن قول ذلك أمر مرعب حقاً، ولكن!

**

مُعظَّم بيك مواطن بريطاني جرى اختطافه في باكستان وتسليمه بعدها ليحتجز لثلاث سنوات في معتقل غوانتانامو. تلقى بيك، أثناء وجوده هناك، رسالة من طفلته ذات السبع سنوات والتي خضعت لمشرط رقابي حاد فما يتبقى منها غير سطر واحد “بابا، أحبك”. بعد إطلاق سراحه، أخبرته طفلته أن الأسطر المحذوفة كانت لقصيدة نقلتها من أجله تقول: “واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، خمسة، / ذات مرة اصطدت سمكة حية. / ستة، سبعة، ثمانية، تسعة، عشرة، / ثم تركتها تعود.”

(من كتاب قصائد من غوانتانامو: ما قاله المعتقلين، مطبعة جامعة أيوا، 2007)

**

في عام 2008، قرأت مقالاً في النيويورك تايمز عن سالم حمدان، أحد معتقلي غوانتانامو الذي يخضع لقرار المحكمة العليا والتي نقضت حكم اللجنة العسكرية المشكلة هناك. كان المقال عن صحته العقلية. وقد تدهورت.

قيل أن ما تعرض له السيد حمدان من حبس انفرادي في زنزانة لا يتجاوز عرضها الثمانية أقدام، وطولها الاثنا عشر قدما قد قاده إلى الجنون، ممضياً هناك ما لا يقل عن 22 ساعة يومياً، حيث يقضي فيها حاجته ويتناول كل وجباته. قال محاموه أنه يفكر بالانتحار، ويسمع أصواتاً مبهمة، كما يستعيد صور التعذيب الذي تعرض له، ويتحدث مع نفسه، ويقول بأن ضوابط المعتقل “تُحرقُ دماغه”.

ورداً على ذلك:

قالت المتحدثة العسكرية باسم غوانتانامو أنه لا وجود لزنازين الحبس الانفرادي في المعتقل، بل هي فقط مجرد “وحدات فردية”.

واعترض ممثلو الادعاء على أن الطريقة التي عومل بها السيد حمدان لا تُعَدُّ حبساً انفرادياً على حد قولهم لأن “المعتقلين قادرين على التواصل مع بعضهم عبر الجدران”.

وقد عنوا بذلك:

أن الزنزانة التي يشغلها السيد حمدان إلى جانب أكثر من مائتي معتقل من إجمالي 280 آخرين، يصير التواصل بين المحتجزين عموماً عبر الصراخ من فتحة في الباب تستخدم عادة لإدخال الوجبات.

وحتى لحظة نشر المقال، كان سالم حمدان قد قضى ست سنوات في سجنه والتي سمح له خلالها بإجراء مكالمتين فقط لأهله في اليمن.  بعد اعتقاله، ولِدتْ له فتاة أخرى لم يُكْتَب له أن يرها حتى ذلك الحين. ثم سطر واحد:

الرسائل تأتي متأخرة وغالباً ما تخضع للرقابة، يقول المحامون.

**

وكتبت بالمحو:

  1. سلسلة متخيلة من رسائل إلى سالم حمدان كتبتها زوجته، تنقحها قوة للمهام المشتركة. 

2) محاولة بائسة للترجمة، بلغتي الفارسية المتعثرة، لرسائل كتبها عمي من الجبهة الأمامية في الحرب الإيرانية العراقية قبل لحظات فقط من مقتله في الحرب المذكورة (كواحدٍ من مليون آخرين).

في الرسائل التي كتبها عمي، كنت أتهجا الكلمات المكتوبة بأبجدية عربية حرفاً حرفاً، وقد كانت تلك تجربة فاشلة إلى حد ما لأني لم أستطع فك الكثير منها. كان يمكن أن أطلب من أحد أفراد العائلة أن يترجم لي الرسائل كلمة بكلمة، لكني أدركت أن ترجمة كتلك لن تبدو صادقة. هكذا يتشابه عجزي عن ترجمة كلماته بعجزي أيضاً عن لقائه والحديث معه، ذلك العجز الذي اعتقدت أنه لا بد أن يبقى. مع ذلك، وفي مرحلة ما، لجأت إلى صديقة إيرانية وسألتها “ما معنى ميم -ياء -نون؟ (لم أستطع أبداً أن أستعيد أسماء الحروف الفارسية، لكن فقط ما يقابلها من الإنجليزية)” اضطربت وقالت “مين؟”. “مين” تعني “لغم أرضي”. هكذا كان ما يفصل بيني وبينه هو ما تعذرت علي معرفته، خوفه، حنينه إلى الوطن، شهوته للطعام والضحك، ثم يتبدى لغم أرضي، تماماً في منتصف المسافة التي بيننا.

في التجربتين، كان استعمال المحو، حيث الرسائل التي كتبتها والتي طُمست فيما بعد، فما من شيء قادر على التلاعب بأدوات النص الأصلي كما يفعل المحو دائماً. في التجربتين يكون التواصل منقطعاً بفعل الدولة أو القوى السياسية. وكلتاهما صدى للفقد، ولا تمثلان قطعاً أكثر من ذلك.

**

كتب سريكانث ريدي [2] في “ملاحظة حول العمل” عن توليفته التي عنوانها “الرحالة” والتي شكلها من خلال المحو في مذكرات كورت فالدهايم:

“بعدها، حذفت اللغة من الكتاب، كما يفعل مراقب حكومي، يظلل الكلمات بالأسود في رسالة من معارض.” 

**

فلنلقِ نظرة على عدد من الوثائق التي نقحتها الدولة لنضع هذه النقاط. ولنبدأ من هنا أولاً:

**

هذه وثيقة من ملف الشاعرة الأمريكية موريل روكيسر[4]  لدى الاستخبارات الأمريكية.

وقد كانت لعقود تحت المراقبة في هذه الولايات. حيث جرى طمس معظم الوثائق واعتماد ما رواه فلان وآخر من الجيران حول أمريكيتها، واستقامتها، وماركسيتها. حاولت ألا أفكر فيما يمكن أن يقوله الجيران عني وهم لم يجيدوا بعد لفظ اسمي.

**

أغراض الدولة من عملية التنقيح بالنظر إلى الإجراءات التي خضع لها ملف موريل روكيسر:

  1. عرض المعلومات على نحو مبهم ليدرك القارئ عجزه عن الوصول إلى الحقيقة، والتي هي بحوزة الدولة فقط.
  2. فصل النص عن الزمن واللحظة الراهنة.
  3. الحفاظ على الخرافة القائلة بأن الدولة ترعى “الشفافية لصالح المواطن”. 
  4. لفت الانتباه إلى ما شطب من النص، لا ما تبقى منه.
  5. إثارة الخوف والريبة من خلال المفقود من النص.
  6. سَوْق النص إلى نهاية جامدة وميتة.

**

الأغراض السياسية والجمالية الممكنة للمحو الشعري وفقاً لعدد من الأعمال:

  1. إبراز المحو الإبداعي من خلال المبهم والمبتور من النص (على سبيل المثال أعمال جين بروين “كراسات ديكنسون “أو كتاب “أغاني أبو غريب” لفيليب ميتريس[5]).
  2. تحطيم الوقت واللحظة الفاصلة بين الأموات والأحياء (يقول سريكانث ريدي ” لا هدأة للأموات في القبر “الرحالة، ص 3). 
  3. كشف سلطة المؤلف وبالتالي، إدانته كمذنب متورط (“إن جوهر بتر النص يكمن في تحطيم سحره كنص مكتمل. أسميه “بتراً” هنا وأنا أعني ذلك بشدة لأني أدركت جيداً حينما كنت أعمل على كتابي “زونغ”[6] بأن النية المستهدفة من تجارة العبيد عبر المحيط الأطلسي كانت من أجل بتر اللغات والحضارات، والشعوب، والمجتمعات والتاريخ، في سبيل رأسمالية نخبوية وعظيمة. وأزعم أن المحو يعود في نشأته إلى القوى الاستعمارية والإمبريالية. وهو محو مستمر حتى الآن” (مارلين نوربيز فيليب).
  4. ضع نصب عينيك ما بقي من النص هكذا يكون لفعل المحو تأثيره في الإضافة ولفت الانتباه (“كانت المرة الأولى التي أواجه فيها ما قد يعد أثراً للمحو هو قراءة هذه الكلمات “إن لم يكن معك قلم رصاص/ هلا تناولت قلمي — وهي أولى الكلمات التي نسبت إلى إيميلي ديكنسون في عام 1861.  تناولتُ قلم رصاص، ورسمت دوائر حول تلك الكلمات. في القصائد الثلاث التي تلت، رسمت دوائر حول عبارات مثل: “علم”— “انتصار”— “شهداء”— “شريط من النيازك”— / “يقطع مدار الكوكب” وأدركت أنني يمكن أن أشتغل على قصائد إيميلي الأولى كقصائد محو.” (جانيت هولمز)
  5. إن تقديم نص غير مكتمل يشكل دعوة مفتوحة للتضافر بين القارئ والنص (حيث بدت ترجمة آن كارسون لشذرات متقطعة من شعر سافو [7] “إن لم يكن شتاء” كقصيدة محو غير متعمدة). 

6- الإشارة إلى الاحتمالات شبه المطلقة والمحاور اللانهائية للنص الواحد (كسائر فنون إعادة التشكيل والتركيب التي تعيد خلق العمل لتمنحه معانٍ جديدة ومختلفة). 

**

السياسي ليس موضوعاً ولا فكرة، إنه أسلوب ومنهج. هو ليس، كما يفترض تعريفه الأكثر صرامة، حكراً داخل القاعات التشريعية، لكنه أمر يسري حيثما كانت السلطة، السلطة القائمة في كل أشكال العلاقات، بما فيها العلاقة بين القارئ والنص.

بالإشارة إلى القوائم أعلاه، هناك أمران أرغب في التأكيد عليهما: أولاً: فأنا لا أود محاكاة رقابة الدولة أو المساهمة في دراسات الإبادة اللغوية؛ ثانياً: ما يهمني هو ما يمكن للناشط أن يتعلمه من الشعر.

ما أعنيه بذلك هو اعتقادي بأن فشل الناشط ينبع دائماً من فقره إلى الغنائية- أي عدم القدرة على تجاوز الزمان والحيز، ورفضه للإدهاش أو “التجديد”، واستعداده للتحجر في القوالب الصلبة والضيقة للتوقعات، وانغلاقه على تحولاته الذاتية، دون اعتبار للآخرين من حوله، وهي أسباب أعددها هنا على سبيل المثال لا الحصر.

 أؤمن بأن المساعي الاجتماعية للحرية لا زال أمامها الكثير لتتعلمه من الحرية الفاعلة على صفحات الورق. وأن هذا النوع من التفاعل لا بد أن يجري على مستوى القراءة، ولا ينحصر، كما هو عادة ضمن حدود الرغبة فقط. أي أن قراءة سياسية للأحداث والأعمال يجب أن تجري بالطريقة التي كتبت بها ماتّيا هارفي عملها “الماعز”[8] وكما فعلت أيضاً مارلين نوربيز في كتابها “زونغ”. 

إنه حوار لا بد أن يجري خاصة فيما يتعلق بالمحو، الأسلوب السياسي الأكثر تجلياً في الآونة الأخيرة. فقد تكون أشعار المحو في الإنجليزية هي الأقرب تمثيلاً للدور الذي تمارسه الدولة.

إن عدم تبني هذه الرؤية قد يضيع الفرصة لخلق بصيرة ثقافية قادرة على التنبه إلى أي تغير سياسي. كما يقوض خطر الشعر، الذي إن نحن شئنا، نشاط خطر في هذه الجمهورية.

**

واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، خمسة،

ذات مرة اصطدت سمكة حية.

ستة، سبعة، ثمانية، تسعة، عشرة،

ثم تركتها تعود.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • نشر هذا المقال على المجلة الشعرية (EVENING WILL COME) العدد 28، أبريل 2013.

[1] سولماز شريف (Solmaz Sharif): شاعرة أمريكية من أبوين إيرانيين هاجرا إلى الولايات المتحدة بعد اندلاع حرب الخليج الأولى. ‏وصل ديوانها الأول “‏‎ Look‏” إلى القائمة القصيرة لجائزة الكتاب الوطني وتشغل حالياً منصب أستاذ ‏مساعد بجامعة أريزونا وهي إلى جانب ذلك ناشطة سياسية وحقوقية.  ‏

[2] التسليم الاستثنائي: هي عملية اختطاف المشتبهين في دولة ما ثم تسليمهم إلى دولة أخرى للحصول على معلومات عن طريق الاحتجاز والتعذيب ودون محاكمة قضائية.

[3] سريكانث ريدي (Srikanth Reddy): شاعر أمريكي له دواوين شعرية عديدة من بينها “الرحالة” الذي أنجزه من خلال محو فقرات وأجزاء من مذكرات كورت فالدهايم الذي شغل منصب الأمين العام للأمم المتحدة في الفترة من عام 1972 وحتى 1981.

[4] موريل روكسير (Muriel Rukeyser): ناشطة وشاعرة أمريكية، كتبت الشعر السياسي وتفاعلت مع العديد من القضايا الإنسانية والأحداث السياسية حول العالم.  

[5] أغاني أبو غريب لفيليب ميتريس (Phil Metres’ Abu Ghraib Arias): ديوان يصور سياسات التعذيب في إطار الشعر التفكيكي والتجميعي.

[6] ديوان “زونج!: القصة كاملة كما رواها سيتاي أدامو بواتينج” أو (Zong!: As Told to the Author by Setaey Adamu Boateng) وهي مجموعة أغانٍ وقصائد محوٍ تحكي قصة مجزرة السفينة “زونج” التي كانت تقل عبيداً من إفريقيا إلى أوروبا، حين صادفتها عاصفة شديدة في عرض البحر ؛ ليضطر معها ربان السفينة إلى إلقاء مئة وخمسين رجلاً من العبيد لتخفيف الحمولة.

[7]  سافو (Sapho): شاعرة إغريقية لم يبقَ من عملها الشعري إلا أجزاء متفرقة.

[8] الماعز:(Of Lamb)  مجموعة أغانٍ للطفولة تقدمها الشاعرة ماتيا هارفي (Matthea Harvey) مرفقة برسوم الفنانة ايمي جين بورتر (Amy Jean Porter) وهو عمل يستند على المحو والشطب في سيرة  تشارلز لامب للكاتب ديفيد سيسيل (A Portrait of Charles Lamb by David Cecil).  

أدب

عن الكاتب

سولماز شريف