الخلاء

كتب بواسطة سماء المقبالي

هناك أماكن عديدة في الحياة ننظر إليها باشمئزاز بينما هي أكثر الأماكن سكونًا، وتحملًا لإرهاصاتنا سواء في المنزل، أم الجامعة، أم العمل أم أي مكانٍ آخر، وأهم تلك الأماكن: الخلاء. اليوم وأنا أسكن في شقة مشتركة مع أربعة أشخاص في مانشستر نسيت ما الذي كان يعنيه الخلاء بالنسبة لي. هذا ما دفعني لقراءة كتاب بيتر هاندكه “عن الخلاء والسكون”، تلك الرغبة في استحضار الرغبات القديمة تجاه الأماكن والأشياء.

منذ صغري وأنا أتشارك الحمام مع أحد، ولا أعلم كيف، ومتى نمت بداخلي تلك الرغبة في الاختلاء بنفسي، في مكان لا يستخدمه أحد غيري. ما أتذكره هو أن بعد كل مرة استخدمت فيها دورة المياه كنت أنتظر مدة عشر دقائق، وبعدها أقوم بغسله بأكمله، وشفط المياه قبل استخدامه، حتى أن أمي لاحظت ارتفاعًا مفاجئًا في فاتورة المياه آن ذاك، إلى أن اعتادت على ارتفاعها، ومازلت أخفي السبب عنها، دون أن أبدي لها أية ردة فعل حتى لا ينكشف أمري. ما أفعله ليس لتجنب الروائح النتنة فقط، وإنما لرغبتي بالتخلص من كل ما تم إفراغه في المكان، بما في ذلك الهموم التي نفرغها في كل مرة نهرب فيها من أحد أفراد المنزل، كما لو أن الهموم تجول في الهواء، ومتأكدة بأننا بقينا ولو لمرة واحدة في حياتنا بداخل الخلاء حبيسين هربًا من الضرب، أو سماع حديثٍ ما، أو رؤية وجه أحدٍ ما، ونحن نملك رغبة عارمة في أن تأتي الجنية وتأخذنا لعالم آخر.

في مراتٍ كثيرة، كان الخلاء بالنسبة لي الملجأ الآمن الذي يحميني من الضرب، أقعد فيه لساعات إلى أن أتأكد بأن نار غضب أخي أو أمي قد انطفأت ويمكنني الخروج، ولم يكن يزعجني استحمامي بالعرق طالما استطعت أن أنقذ جسدي من الضرب في ذلك اليوم، إلا أنني في المرات التي أخطأت تقدير الوقت فيها، وتسرعت في الخروج تلقيت ضربًا مبرحًا، وأصبح هربي سببًا لمضاعفته، وفي أحيانٍ أخرى كنت أفلت من بين أيديهم وبيننا مقدار شعرة، وأقفل الباب بسرعة قبل تمكنهم من الإمساك بي أو بمقبض الباب، كنت أفتح صنبور المياه، وأنا أعلم بأنهم سيبدؤون حالًا باللطم، أغلق أذنيّ بأصابعي لأتجنب سماع كل ما كانوا يقولونه محاولين إخراجي.

كلما عدت إلى مسقط، واشتد بي الحال في الشقة الصغيرة تلك، أحشر نفسي في الحمام هربًا من مواجهة واقع حالي في البقعة تلك، وكلما أطلت في البقاء لأكثر من نصف ساعة، أسمع طرقات على الباب تدفعني للخروج؛ لكونه الحمام الوحيد الواقع في منتصف الشقة، ويستخدمه الجميع. لكنه الخلاء الوحيد الذي بالرغم من رغبتي في البقاء فيه يخنقني، بالكاد يكفي لشخص واحد، ومروحته معطلة، والمياه ما أن نتأخر في شفطها سرعان ما تجعل الأرضية لزجة، وبعض قطع السيراميك فيه تبدو كأحجية جيكسو غير متناسبة ركبت بالقوة، ولمجرد فتحنا للنافذة يمتلئ بذباب الحمام الصغير الذي يصعب التخلص منه. كان خانقًا، ولكني على أية حال كنت أفضل الاختناق فيه بدلًا من الاختناق خارجه.

عندما وصلت إلى مانشستر لم أكن أعلم بعد عن مقرّي. أتيت هكذا دون هدى. بقيت في الأشهر الأولى مع فتاة أخرى، أثناء مكوثي معها امتلكت حمامًا خاصًا بي. كان أبيضًا كبياض الكفن، هادئًا، لا صنبور فيه يقطر، وواسعًا يجعلك ترغب في أن تدفن فيه. كنت أمكث فيه لفترات طويلة، حتى وإن لم أكن أرغب في قضاء حاجتي، كنت أجد عذرًا، فاكتسبت عادة سيئة في غسل يديّ بين الفينة والأخرى، حتى باتت يداي جافتين. كان بمثابة ملجأ فعلًا، أكتب فيه مذكراتي الليلية، وأبكي إلى أن تجف عيناي.  كنت أخرج منه وأنا خفيفة حقًا، وأعتقد بأن هذا ما يجب أن نشعر به بعد استخدامنا للحمام. لكن لم يطل الأمر، وانتقلت لشقة أتشاركها مع أربعة أشخاص من جنسيات مختلفة، بها حمام أشبه بكبينة.

في البداية كنت قلقة، وعقلي كان يجعلني أتخيل نفسي واقفة في الصف منتظرة دوري، والروائح التي كان لابد من تحملها، ويتملكني الشعور بالاستحياء من استخدام أحدهم دورة المياه من بعدي مباشرةً، ولهذا منذ انتقالي نسيت ما الذي يعنيه الخلاء بما يحويه من معنى. كنت أحلم من فرط تفكيري بالأمر، بأنني موضوعة في محطة من محطات قطارات الهند التي ارتدتها في صغري، حيث تسأل فيه عما تود قضاءه في دورة المياه قبل دخولك؛ لاختلاف ثمن كلٍ منهم، وبالطبع لا يمكنك الاحتيال، لأن الباب نصف مكشوف من الأسفل، ولديك عشر دقائق، وإن تأخرت يفتح الباب حتى وإن كنت نصف عارٍ.

في الأيام الأولى، كنت أراقب مواعيد استخدامهم للحمام حتى أتمكن من استخدامه في ساعات خلوه، وبالرغم من ذلك لا أمكث فيه أكثر من خمس دقائق مخافة أن يكون أحدهم في انتظار خروجي لقضاء حاجته بشكلٍ عاجل. في الليالي التي أرغب فيها في الانغلاق، أتوجه للمكتبة، للطابق الثالث، طابق المتحف الذي يكون خاليًا من الزوار دومًا، وأبكي فيه، أتوجه إلى دورات مياهه كلما رغبت في التقيؤ، وفي فترات النهار أتوجه للحديقة أمام المكتبة، حيث أجد مكانًا خاليًا من البشر. وجدت لي أماكن أخرى أعتبرها مأوى لي غير الخلاء، ربما كان الخلاء سابقًا وحده المرتبط بالسكون لأنه الخيار الوحيد المتوفر لدي، أو باعتباره المكان الذي كنت آوي إليه هربًا من الضرب. أما الآن فبت كلما شعرت بأن الحياة تعصف بي، وتوبخني من شتى الجهات، أبحث عن أي مكانٍ يمنحني المقدرة ذاتها في ارتداء قناع لمواجهة العالم فور خروجي منه، مكان أشعر فيه بالاتساع.

مع الوقت، وجدت بأني لست الوحيدة التي تفعل ذلك. رأيت عددًا من الطلبة يرتادون الحديقة عيونهم تفضح بكاءهم، وفي إحدى المرات وجدت فتاة تمسح دموعها وتهم بالخروج من الحديقة التي تقابل مكتبة الجامعة، حتى أنها صفقت بوابة الدخول الحديدية الكبيرة، لا أعلم ما إن كانت قد صفقتها في وجهي، أم في وجه ما أفرغته. كنت دائمًا ما أجد اقتباسات عشوائية منقوشة على جذوع الشجر بخطوط أغلبها غير مفهومة. أما دورات مياه الجامعة فتشهد على قصصٍ مأساوية بأشياء ملموسة كأوراق تقييم ورسائل ممزقة، كلمات متقطعة كتبت بأقلام الحبر أو السبورة على الأبواب، شرائح فحص الحمل، إبر مخدرات، وكل ما هو ممنوع كما لو أن مستخدميه لم يجدوا مكانًا آخر يحتضنهم، ويحتضن تمردهم، وحقيقتهم، وكلماتهم.

تدهشني في كل مرة قدرتنا على إيجاد أماكن نختلي فيها بأنفسنا بعيدًا عن كل ما تحمله الحياة من صخب، وما دفعني للكتابة عن الخلاء يتمثل في قول هاندكه: “فخارج بيت الخلاء، يتملكني الصمت والسكون. يتلاشى الكلام، وتختفي الكلمات. أفتقر إلى الثراء اللغوي. تصبح كلماتي مثل كلمات الآخرين. يجعلونني أصمت. أملُّ وأبتئس. لا أنبس ببنت شفة. والأسوأ، هو أن الكلمات لا تتدفق في قلبي، ورئتّي، ولا في دمي، ولا في أي مكانٍ آخر داخل أعماقي. أقول برتابة، بصوت يكاد يكون غير مسموع: “أستأذنكم للحظات!”، ثم أنسحب إلى بيت الخلاء. وحينها ينتعش بداخلي منبع الكلام والكلمات، حتى وإن ظللت بعدها صامتًا.”

أدب

عن الكاتب

سماء المقبالي