لون الخريف محطات مسافر في بلاد حرّاس النار: أذربيجان

كتب بواسطة إبراهيم بن سعيد

محطات مسافر في بلاد حرّاس النار: أذربيجان

١.

انطلقنا من مدينة الرياح باكو إلى جبلة في جبال القوقاز، توقفنا في طريقنا لزيارة مسجد الجمعة في مدينة شماخي، أحد أقدم المساجد في البلاد؛ قال لنا سائقنا أن اسم المدينة شماخي جاء من شام اخر، أي آخر الشام. وكان مسجد الجمعة الذي نزوره من آخر المعالم الباقية في عاصمة الشرفان شاه قبل انتقالها إلى باكو، وكانت شماخي قد تعرضت لعدة زلازل والمسجد نفسه أعيد ترميمه أكثر من مرة آخرها ٢٠١٣م، لكن السائق كان أكثر تركيزًا على حادثة تدمير الأرمن له في حرب ١٩١٨م، ربما للتوترات القائمة والمناوشات العسكرية بين البلدين بشأن قرة باغ..

وسط الزلازل والحروب

يركع ويسجد ويقوم، مصليًا للسلام

المسجد كله.

٢.

بعد ثلاث ساعات بالسيارة وصلنا أخيرًا البلدة الجبلية: جبلة، تحيطها جبال القوقاز، بعد أن مررنا بشلال جبلي صغير، كانت البلدة متطامنة على السفح، فيما الجبال زاخرة بالأشجار، حديقة البيت الذي نزلنا فيه كانت ملأى بأنواع الورود المتفتحة

من رفقة الورد

حتى الشوك

انحنى للجمال.

٣.

مع اقتراب الخريف كان واضحًا على أشجار الجبل ما مرّ من فصل الصيف وما بدأت تتهيأ له من الفصل القادم..

بدأ يشتعل في أوراق الشجر 

على سفوح القوقاز

لون الخريف.

٤.

قبل الغروب أخذنا السائق لرؤية مجرى النهر، كان النهر منحسرًا، ولم يبق له أثر في المجرى الواسع غير جداول صغيرة متشعبة..

حتى شعاب الجدول

في مجري النهر المنحسر

تذكرنا بالفراق المحتوم.

٥.

جلسنا قرب مجرى النهر في أعالي البلدة، وهو مجرى صناعي، تحفه الحواجز الاسمنتية، وله مجرى عريض يبلغ أربعة أمتار تقريبًا مصمم على هيئة درجات يهبطها الماء ولكنه ضحل، وعلى جانبيه بعض المقاهي التي جلسنا في أحدها نشرب الشاي الشائع جدًا في أذربيجان، بعدها ذهبنا للمشي قبل أن يحل الظلام عائدين للنزل، وفي الطريق كانت الأشجار قد اكتنزت بثمارها حتى تساقطت على الأرض..

نضجت ثمار الأشجار

حتى ألقت بنفسها على الأرض

ساجدة.

٦.

رغم جمال بيت الورد الذي أقمنا فيه لكن كان قربنا مطعم وفندق ظلت موسيقاه تزعج المنطقة السكنية الهادئة، لكنها توقفت قرابة منتصف الليل، نمت ونهضت من نومي دون الفجر أطالع السماء والنجوم، فوجدت السماء صافية فيما تيارات هوائية نشطة لا تخلو من رطوبة تجوب سماء الليل، وعدت للنوم حتى الصباح..

في سماء الصبح التالي

لم يبق من قصة الليل

غير خراف الغيوم البيضاء.

٧.

في الصباح كنت مشتاقًا لتجربة القهوة التي اشتريتها من البلدة، قهوة تركية معدة في فرانكفورت تدعى تشيبو، ربما يعدها بعض المهاجرين هناك، ولم تخيّب القهوة ظني، لكن يا للاغترابات المزدوجة والمتضاعفة والتي يزيدها أنني أنا الذي يشربها هنا، خرجت للحديقة بفنجان قهوتي وحقيبة تدخيني الصغيرة..

بينما ارتشف القهوة

جاءت لتحيتي

فراشة ذهبية.

لولا أن سبقني تشوانغ تسه

كدنا نتبادل الأجساد

بالنظرات.

٨.

بينما كنت أنتظر أن يجهز بقية أفراد العائلة لجولة ذلك اليوم بدأت أستعيد الطريق التي سلكناها من باكو إلى جبلة، كانت حقول العنب على امتداد البصر، وعلى جانبي الطريق الذي تغطي مسافات منه ظلال الأشجار، قرى جبلية صغيرة متناثرة..

قرى جبلية صغيرة

على جانبي الجبل والطريق

بحيرات حيوات.

٩.

حقول عنب حتى خط الأفق

والعناقيد

كؤوس نبيذ.

١٠.

الناس نشاوى

كل قلب يعصر ويشرب وحده

خمرة الحياة.

١١.

صعدنا الجبل بالتلفريك، الذي يقع قرب فندق فخم تحت الجبل ببحيرة واسعة جميلة، ركبنا التلفريك على مرحلتين، كانت أشجار الغابة الجبلية على الجانبين، تحف ارتفاعنا المتمهل والأجمات والشجيرات الصغيرة أسفل منا..

أشجار الجبال

بغاية التأثّر

من قصائد الفصول.

١٢.

في المساء ذهبت سيرًا على الأقدام إلى البقالة القريبة، في طريقي صادفت صبيًا أذريًا، كان مليئًا بالحماسة والحيوية التي تناسب عمره، بهندام بسيط، سألني بعض المال، وسألته عن اسمه..

الصبي الأذري

خلّفني متجمّدًا مكاني

من تشابه الأسماء.

١٣.

على التراب

خطوط الدوائر الحيوية

بيوت ومقابر.

١٤.

لم تطل إقامتنا في بيت الورد، وكان الفراق صعبًا عليّ..

عند الوداع

داخل حقيبتي

غصن ورد مكسور.

١٥.

كان مخططًا أن نزور مدينة شيكي، إحدى مدن طريق الحرير، وليست وحدها بين المدن الأذرية، لكنها كانت مشتهرة بقصر الخان محمود الذي يعد تحفة فنيّة بطريقة تصميمه وواجهاته الزجاجية المتداخلة وأسقفه البارعة، واللوحات الفنية الضخمة على جدرانه، وكان التصوير ممنوعًا في القصر، الذي ضمته اليونسكو إلى قائمة التراث العالمي، ورافقنا دليل يتحدث العربية

على جدران قصر شيكي

بورتريهات عمرها مائتي سنة

للعالم.

١٦.

أخيرًا سلكنا طريق العودة من شيكي، بعد أن زرنا ورشة لصناعة الأبواب والنوافذ من الزجاج المتداخل بلا غراء ولا مسامير، سلمنا على معلم الورشة الذي ورثها عن أجداده، مررنا بعدها بالمسافر خانة التي تدعى كارفان سراي، وهي السراي العلوية وغيرها أخرى سفلية، وكلها تدل على عراقة المدينة التي يرجع تأسيسها إلى عصور مبكرة، كانت الكارفان سراي ببوابة ضخمة تكفي لعبور الجمال، وبها فندق ما يزال يعمل حتى اليوم؛ جلنا في الدكاكين القريبة، اشترينا بعض البقلاوة، وبعض الحاجيات البسيطة وانطلقنا عائدين..

يومان فحسب

من شرار ألوان الخريف

أشعلا حريق القلب.

١٧.

عدنا إلى باكو، ويقال كذلك أن اسمها جاء من باغ كوي أي مدينة الله، وهي تعد أكبر مدينة في العالم تقع تحت مستوى سطح البحر، أقمنا بها في فندق بالقلعة القديمة قلعة الشرفان شاه، والفندق يديره باكستاني اسمه رضوان هو وزوجته، وكان كما قال لي مدير فندق في لندن ثم قرر الاستقرار في باكو، كان الفندق في أحد الطرق الجانبية بالقلعة القديمة، وله طابع بيوت القلعة التي ما زال بعضها مأهولًا بسكانها، لكنه نظيف وأنيق، دلني عليه رجل أذري لطيف يدعى حنيف بعد أن انزعجنا من فندقنا السابق، جدران القلعة كلها من الحجارة الكبيرة المائلة للصفرة، وغير فندقنا عدد من الفنادق المختلفة تقع داخل القلعة، وكذلك المقاهي والمطاعم والمحلات والمكاتب وحتى المتاحف، والغاليرهات الفنية، وقصر الشرفان شاه المتحول لمتحف، وعدة مساجد، ومتحف للكتب الصغيرة يعد الوحيد في العالم ودخل موسوعة جنيس للارقام القياسية لصاحبته ظريفة صلاحوف اخت الفنان طاهر صلاحوف، متحف كتب مصغّرة داخل قلعة ضخمة تكفي ممراتها العريضة حتى لمواقف السيارات..

بين الأحجام المختلفة

يبحث عن منافذ

نور الروح.

١٨.

تبدو أعمق

دون مستوى سطح البحر

مطالعة القمر.

١٩.

عدت إلى قلعة باكو

مسحورًا

ألاحق نار الروح في الحجر.

٢٠.

على بعد عدة أمتار من القلعة يقع شارع نظامي، نسبة للشاعر نظامي الكنجوي، صاحب مخزن الأسرار، والمنظومات القصصية الخمس، وهو أحد شوارع المدينة الحيوية الذي لا يخلو من الحركة الدائبة، وعلى جانب الشارع حديقة واسعة يتوسطها تمثال كبير للشاعر..

التمثال جامد

والروح باقية

في نار الأشعار.

٢١.

يقابل تمثال نظامي وحديقته متحف الأدب الأذري، حيث التصوير ممنوع كذلك، وكنا محظوظين بدليلتنا وهي امرأة واسعة الاطلاع والثقافة كما بدى في تضاعيف شرحها، وهي دليل الزائرين العرب، وحكت لي عن كاتب عماني يدعى محمد الحارثي زار المتحف وكتب عنه، وظننته حينها صديقنا الشاعر والرحالة الراحل، ثم تبين لي فيما بعد أن المقصود ليس هو بل الكاتب محمد بن سالم الحارثي، وكانت المرأة واسعة الاطلاع لا على تاريخ أدب المنطقة فحسب بل حتى بشخصياته ورموزه فكنا نتنقل معها بين التواريخ والآداب العربية والفارسية والتركية والأذرية، ما يقارب الساعة، مرورًا بعصور الأدب الأذري المختلفة من القديم الكلاسيكي إلى عهد ستالين وتنكيله بالمثقفين حتى العصور اللاحقة، حيث تعرض بعض متعلقات الأدباء من القرن العشرين في المتحف، مثل أدواتهم الشخصية، مكاتبهم وأقلامهم ودفاترهم وآلاتهم الطابعة وبعض كتبهم وساعاتهم وحتى كاميراتهم..

في متحف الأدب المقابل

بقايا أدوات الكتّاب

تعتصر القلب.

٢٢.

في الجهة الأخرى من القلعة يقع متحف الفن الكلاسيكي، ويمكنك برسم رمزي اصطحاب سماعة أذن وجهاز لوحي يعرفك بلغتك الأم على مقتنيات المتحف المتعددة..

ألوان اللوحات الروسية

في متحف الفن

تسيل بهجة وأسى.

٢٣.

حاولنا مرتين زيارة مركز حيدر علييف الرئيس الأذربيجاني السابق ووالد الرئيس الحالي، ذلك المركز الذي صممته المعمارية العراقية المعروفة زها حديد، لكننا صادفناه مغلقًا في المرتين، ولم نحظى بغير زيارة متحف السجاد لمصممه النمساوي فرانز جانز الذي جعله على شكل سجادة مطوية..

من قوافل طرق الحرير

بضع خيوط

علقت بقلبي.

٢٤.

العجائز اللواتي يكنسن صباح الحدائق

هن الأخريات كالأشجار

يترقّبن الخريف.

٢٥.

لا مباني المدينة ولا أبراج الشعلة

أكثر نورًا

من أرواح الناس.

٢٦.

تحتفي المدينة برموزها الفنية المختلفة، وتطلق أسمائهم على الساحات والطرقات وتكرمهم بالمتاحف وبالتماثيل والأعمال الفنية المختلفة، وللأذرية أدباء وفنانون كثر منهم من اشتهر في الثقافة العربية الإسلامية، منهم الأديب البارع الخطيب التبريزي تلميذ المعري، وغيره، ومنهم نسيمي الشاعر الصوفي المنكوب الذي مزاره في حلب..

مع خفقان القلب للجمال

يتكرر اسم الحبيب

ونسيمي الصدى.

٢٧.

في اليوم السابق لرحيلنا لم يتوقف الرذاذ منذ الظهيرة وبدأ يشتد عند العصر، أكانت عاطفة السماء مبالغًا فيها أم أني أتوهم؟ ذهبت وحدي إلى القلعة القديمة، وعثرت على مقهى ذي دورين ودور ثالث هو السطح المفتوح على السماء، اخترت طاولتي وجلست قبالة الغروب فيما زودني نادله اللطيف، وربما أحد ملاكه، ببطانية لاتقاء الرذاذ فجلست أكتب..

تحت رذاذ اليوم الأخير

فراشة تحوم راقصة

وأنا ألتهب.

٢٨.

بعد أكثر من عشرة أيام، حانت عودتنا للديار، نظراتنا الأخيرة للمكان بها كثير من التعلق، لكن أجسادنا مستسلمة لتيار الفراق المحتوم، مثل شعاب جدول النهر المنحسر..

عند الرحيل

أنا وقصائدي

بلون الخريف.

باكو، أذربيجان

أوائل سبتمبر ٢٢م

أدب

عن الكاتب

إبراهيم بن سعيد