قضايا الهوية الإسلامية

كتب بواسطة مصطفى شلش

برزت السياسات القومية على منطقة الشرق الأوسط منذ نهاية القرن التاسع عشر، ثم هيمنت على سياسات المنطقة في معظم القرن العشرين. وسواء في شكل العروبة، أو الصهيونية، أو أي من مظاهرهما شجعت القومية أتباعها على تبني تعبير معين عن الهوية الثقافية والسياسية على حساب الآخرين.  وشكل احتكار القومية هذه الرؤية التفردية للهوية الثقافية والسياسية سمة من سمات الأيديولوجيات الدينية الراديكالية التي تطغى الآن في كثير من أنحاء المنطقة.

تكمن أهمية إلقاء الضوء على العملية التكتونية للتجانس الثقافي القهري التي قامت به الإيديولوجيات القومية لكونها أحد  أسباب التوتر والعنف الذي يستوطن في الشرق الأوسط الحديث. وقد تتبع المؤرخ المتخصص في الإسلام والشرق الأوسط و أستاذ التاريخ بكلية دافيدسون جوناثان بورتر بيركي الخطوط العريضة للتعبير الكامل للتقليد الهوياتي الإسلامي في علاقاته مع الأديان والهويات الآخرى في كتابه: “The Formation of Islam: Religion and Society in the Near East, 600-1800 – Cambridge University Press (October 26, 2011)”.

فقد لعبت سياسة التجانس الثقافي الصارمة في التطورات السياسية للشرق الأوسط الحديث نموذج متناقض عن التعددية النسبية التي شهدها العالم الإسلامي في عصوره الأولى، وهذا لا يعني أن المجتمع الإسلامي الكلاسيكي كان يوتوبيا سعيدة لا تعرف أي تمييز، بل كان هناك الكثير من التمييز في المجتمعات الإسلامية، لكن هذا التمييز كان يشكل انعكاسًا لحقيقة أن الشرق الأوسط متنوعًا بشكل غير عادي. فقد كان الشرق الأوسط الإسلامي متعدد الثقافات منذ البداية، وكان على شعوبه بالضرورة وضع آليات للتعامل مع تنوعه.

قضايا الهوية الإسلامية

إن إحدى العلامات الرئيسية للهوية في العالم الإسلامي القديم كانت التمييز بين الأحرار والعبيد. واتخذت العبودية أشكالًا عديدة في الشرق الأوسط، لكنها كانت تعني بشكل عام شيئًا مختلفًا تمامًا عما كانت تعنيه، على سبيل المثال، في الولايات المتحدة. فقد كان هناك القليل جدًا من العبودية الوحشية على غرار  عبيد المزارع – باستثناءات ملحوظة مثل: الزنج في جنوب العراق في القرن التاسع.

وقد خدم معظم العبيد كطهاة أو عمال نظافة أو خدم بالمنازل – وعلى هذا النحو كثيرًا ما يُعاملون فعليًا كأعضاء في أسر المالكين. وحملت أنواع معينة من العبودية معهم مكانة شبه رفيعة. على سبيل المثال: المحظيات وهن العبيد الإناث اللواتي تم شراؤهن خصيصًا للمتعة الجنسية لأسيادهن، وغالبًا ما يشغلن منصبًا في المنزل لا يقل على الإطلاق عن الزوجات، وإذا أنجبت محظية لسيدها طفلاً، فإن هذا الطفل يكون حراً وشرعياً بالكامل.

ومن الأمثلة المثيرة للاهتمام نجد “القرامطة”، تلك الطائفة التي ثارت في القرن العاشر على الخلافة الإسلامية وأسسوا نظامًا طوباويًا في شمال شرق شبه الجزيرة العربية. وتشير معظم الروايات لأصول الحركة الريفية وتربط تمردهم بالجهود المبذولة للإطاحة بسلطة ملاك الأراضي القمعيين. ويتم التعامل مع القرامطة تاريخيًا بأنهم خلقوا نوعًا من المجتمع غير الطبقي، حيث تم تقاسم الملكية بطريقة متساوية. ولكن حتى لو كان هناك نوع من المساواة، وتسطيح الفروق الاجتماعية القائمة على الثروة، لم يكن هذا بالضرورة نتيجة لما يُعرف في الماركسية: بالوعي الطبقي. وبالأحرى كانت المساواة مدفوعة ومبررة من قبل عقيدة دينية راديكالية، أي عندما تُطيح إرادة الله بنظام اجتماعي وسياسي فاسد.

وكانت علامات الهوية الأخرى الشائعة في عالمنا شائعة أيضًا في المجتمعات الإسلامية القديمة، على سبيل المثال العرق. وتعامل الإسلام مع العرق – أي الفروق الاجتماعية المتجذرة في الاختلافات الثقافية واللغوية بشكل خاص، والفروق التي قد يكون لها في بعض الظروف عواقب سياسية- وفق مبدأ عقائدي يقلل مِن مركزية الهوية العرقية، حيث جاء في القرآن: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13 – الحجرات)، فالتفسير المعتاد لهذه الآية هو أن ما نسميه التنوع العرقي للجنس البشري هو علامة على عظيم خلق الله. فلا أحد – لا مجموعة عرقية أو قبيلة – مفضل على أي شخص آخر، أي: نحن جميعًا متساوون أمام الله، والشيء الوحيد الذي يميز بشكل مشروع وشرعي بين إنسان وآخر هو درجة التقوى الفردية. وقد أصبحت هذه المساواة عنصرًا مميزًا ، ومعياريًا في الخطاب الفقهي الإسلامي.

ومع ذلك، كانت الهوية العرقية مهمة وشكلت التجربة السياسية من نواح كثيرة. ولعل أهم مثال على ذلك هو الطريقة التي شكلت بها الهوية العربية ملامح نظام الحكم الإسلامي المبكر. لكن بحلول الوقت الذي تم التوصل فيه إلى إجماع حول جوهر الشريعة الإسلامية في القرنين التاسع والعاشر كان الإسلام قد انفصل إلى حد كبير عن جذوره العربية وأصبح الخطاب الإسلامي يصر على أولوية الدين بدلاً من الهوية العرقية.

ومع ذلك، فإن تفوق العرب في الإسلام المبكر ترك بقاياه في نسخ لاحقة أكثر عالمية من الإسلام. لذلك، على سبيل المثال، إجماع المنظرين السياسيين الإسلاميين على أنه لا يمكن اختيار خليفة شرعي إلا من بين أحفاد قبيلة قريش. ولعب هذا المبدأ دورًا في التطورات السياسية الأخيرة التي شهدها الشرق الأوسط، حيث بذل ما يسمى تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي قصارى جهده ليثبت أن خليفته المزعوم المقتول أبو بكر البغدادي هو في الواقع من أصل قرشي عربي.

لكن من المؤكد أنه لم يكن هناك في العالم الإسلامي قديمًا ما يشبه القومية العرقية. فالقومية كأيديولوجيا هي ظاهرة حديثة بشكل خاص، وهي نتاج تطورات تاريخية  ارتبطت بظهور طبقة وسطى نشطة سياسياً – لم تكن موجودة قبل القرنين التاسع عشر والعشرين. وقبل القرن التاسع عشر، لم يكن ليخطر ببال معظم المسلمين: العرب أو الفرس أو الأتراك أن ما نسميه بـ “الهوية العرقية” يجب أن يكون الأساس للمجتمع السياسي والحكومة الشرعية. ومع ذلك، كان الناس على دراية بالانتماء العرقي، وفي بعض الأحيان اشتبكت الهويات العرقية أو وجدوا أنفسهم في منافسة.

وبخلاف العلاقة المعقدة بين الهوية العربية والإسلامية، كان الأتراك أهم مثال على الهوية العرقية ذات التداعيات السياسية. وابتداء من أواخر القرن التاسع ، بدأت أعداد متزايدة من الأتراك من آسيا الوسطى بالتوافد إلى الشرق الأوسط الإسلامي. وتم الثناء على الأتراك لقدراتهم القتالية، وسرعان ما شكلوا نواة جيوش الإمبراطورية الإسلامية. ولم يمض وقت طويل حتى أصبح هؤلاء الأتراك أنفسهم مسيطرين سياسيًا، متجاوزين سلطة الحكومات الإسلامية القائمة واستبدلوها في النهاية. ومن القرن الحادي عشر وحتى العصر الحديث، كانت النخب الحاكمة في معظم دول الشرق الأوسط تتكون من مجموعات كانت بمعنى ما  “تركية”. ونتيجة لذلك، أصبح الأتراك كمجموعة عرقية مرتبطين في ذهنية الناس بالحكومة والحكم.

مقياس أخر مهم للهوية في الشرق الأوسط القديم كان: الجنس. وربما شكل الجنس تجربة الفرد بشكل أقوى من أي مقياس أخر للهوية. ففكرة البناء المرن للجندر غير مفهوم لسكان الشرق الأوسط: أي كانت المرأة امرأة والرجل رجلاً وفقط.

إن أهمية الجندر كمؤشر للهوية واضحة لأي شخص لديه معرفة سطحية بالشريعة الإسلامية. ولم يكن الأمر مجرد أن الفقهاء أمضوا الكثير من الوقت في تحديد مسؤوليات المرأة فيما يتعلق بأمور مثل الزواج والأسرة والجنس وتربية الأطفال وغيرها من الأمور التي قد يكون لها صدى خاص في حياة المرأة. وكان أيضًا جنس الفرد يحدد حقوقه ومسؤولياته في مجموعة متنوعة من المجالات العامة: على سبيل المثال، أين وكيف ينبغي للمرء أن يصلي، أو ما إذا كانت المرأة تتوقع أن ترث من والدها، أو ما هي القيمة التي ستُمنح لشهادتها في المحاكم.

كانت الهوية الجنسية للفقهاء الإسلاميين مهمة للغاية لدرجة أنهم بذلوا جهودًا كبيرة لحل تلك الحالات النادرة كالتي كان فيها جنس الفرد غامضًا حقًا مثل: المُخنث، أو الفرد الذي لديه أعضاء تناسلية خارجية لكل من الذكور والإناث. وشكلت هذه الحالة مشكلة وجودية في الشق الديني، فالإسلام يتعامل مع الفرد بوصفه إما ذكرًا أو أنثى – ولا يمكن أن يكون الشخص كلاهما، وعلى النوع هذا يتم تحديد الدور الاجتماعي للفرد إلى حد كبير على أساس الجنس. فعلى سبيل المثال، يجب أن يصلي الرجال في المقدمة، والنساء في الخلف؛ إذًا ما الذي كان يجب أن يُفتي به الفقهاء مع فرد له هوية جنسية خاصة؟ لذا بذلوا جهود كبيرة لوضع معايير لتحديد الجنس منها وضع قواعد تفصيلية لتحديد ما إذا كان المُخنث يتبول كذكر أو كأنثى (أو في الحالات التي يفعل فيها كلاهما، قياس الكمية من البول الذي خرج من عضوي الذكور والإناث).

لكن في الشق السياسي الإسلامي لم يكن هناك أي غموض على الإطلاق. فقد اقر مُعظم الفقهاء على أن السياسة كانت ساحة للرجال حصريًا – وهذا على الرغم من الأدوار السياسية المعروفة التي لعبتها بعض النساء وأبرزهم زوجات النبي محمد- وفي حالات استثنائية كان بعض الفقهاء على استعداد للاستغناء عن المطلب العرقي بأن الخليفة يجب أن يكون قرشيًا عربيًا، مقابل تركيزهم على التقوى والكفاءة في قولهم إن أي شخص يمكن أن يكون خليفة “حتى عبدًا حبشيًا مشقوقًا” طالما كان يحكم بالعدل والشريعة.

المقياس المتعلق بالهوية الدينية ربما يكون أكثر إثارة للاهتمام في الشرق الأوسط القديم، فالصورة المتكررة لدى الكثيرين في الغرب والشرق عن الإسلام المنتشر من خلال “السيف” – مضللة للغاية. وكقاعدة عامة، يُعتبر التحول القسري بغيضًا في الشريعة الإسلامية. وبالطبع، كانت هناك استثناءات، ولكن بشكل عام، التزم التشريع الإسلامي بالنص القرآني القائل: لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 256 – البقرة).

هذا لا يعني أن الإسلام لم يكن له جانب عنيف. فقد كان القرن السابع من أكثر القرون حسماً في تاريخ البشرية، وحينها اعتنق العرب الإسلام حديثًا واجتاحوا شبه الجزيرة العربية، وخلال مائة عام احتلوا جميع الأراضي الواقعة بين المحيط الأطلسي وحدود الصين. لكن خلال تلك الفترة من الفتح، عندما توسع الإسلام جُغرافيًا حقًا “بحد السيف”، لم يكن هناك جهد يذكر لتحويل أولئك الذين كانوا تحت حكم العرب المسلمين إلى الإسلام.

ولا شك أنه في المجتمعات الإسلامية القديمة، كان غير المسلمين يعاملون كمواطنين من الدرجة الثانية. وتعرض اليهود والمسيحيون والزرادشتيون الذين يعيشون تحت الحكم الإسلامي لقيود معينة: على ما يمكن أن يرتدوه؛ وما إذا كان بإمكانهم حمل السلاح أو ركوب الخيل؛ ومدى قدرتهم على بناء أو إصلاح دور العبادة الخاصة بهم؛ وما هي الضرائب الخاصة التي كان عليهم دفعها.

في الوهلة الأولى يبدو لكل مُلتزم بمبدأ المساواة بأن هذا ظُلم، لكن ربما تكون المساواة هي الطريقة الخاطئة للتفكير في الوضع القام آنذاك، على الأقل فيما يتعلق بالشرق الأوسط آنذاك. ففي المقام الأول، من المؤكد أن اليهود والمسيحيين عوملوا بشكل أفضل بكثير من الأقليات الدينية (خصوصًا اليهود) الذين يعيشون في أوروبا المسيحية. وبالنسبة للجزء الأكبر، فإن تاريخ المسلمين يخلو من المذابح التي ارتكبها المسيحيون في العصور الوسطى وأوائل العصر الحديث لليهود. لذلك، على سبيل المثال، عندما طرد الملكان الإسبان فرديناند وإيزابيلا اليهود من إسبانيا عام (1492)، انتهى الأمر بالعديد منهم في الإمبراطورية العثمانية التي اختاروها كملاذ لهم بسبب الدرجة العالية نسبيًا من التسامح والحرية.

إن المواطنة من الدرجة الثانية هي شكل من أشكال المواطنة – ليست مثالية، ربما بالمعايير الحديثة، لكنها مُقدرة في زمانها. وهكذا، بينما عانى اليهود والمسيحيون من قيود معينة، وحتى من بعض الإذلال، فقد تم ضمان حماية الدولة الإسلامية لهم، وسُمح لهم بدرجة معقولة من الحكم الذاتي لتنظيم حياتهم وتوجيه مجتمعاتهم الخاصة على النحو الذي يرونه مناسبًا.

أخيرًا، وهكذا، بالنسبة لسكان الشرق الأوسط قديمًا، كما هو الحال بالنسبة لنا اليوم، كانت الهوية مسألة محفوفة بالمخاطر ومعقدة. حيث شكلت الهوية مَن هُم، ونوع المجتمعات التي ينتمون إليها، وكيفية ارتباطهم بالجسد السياسي. وما كان مختلفًا جوهريًا هو أنه بالنسبة لمعظم الناس في الشرق الأوسط ما قبل الحداثة لم تتضمن الهوية سوى القليل أو لا شيء على الإطلاق ويبدو أنهم أحسنوا التعامل معها. وبالنسبة لنا، بالطبع، هذه مسألة مختلفة تمامًا.

الآن، نحن نعيش في عصر سياسات الهوية. حيث نُحدد أنفسنا بواحد أو أكثر من مقاييس العرق والإثنية والجنس والسياسة والدين والميل الجنسي، على سبيل المثال لا الحصر. ثم تُجيب هذه المقاييس عن سؤال: “مَن نحن؟” للآخرين. إنها تحدد مكانتنا في المجتمع، والمجتمعات التي نختلط بها، ومواقفنا تجاه الآخرين والمجتمعات الأخرى.

إن سياسات الهوية مشحونة وتتفاعل بطرق تُحرر وتقيد في نفس الوقت. وشئنا أم أبينا فالحقيقة هي أننا أصبحنا مجتمع “متعدد الثقافات”. بغض النظر عن المصطلحات التي نستخدمها لتعريف التنوع – العرقي أو الإثني أو الديني أو الجنسي، أيا كان – نحن أكثر تنوعًا الآن مما كنا عليه في أي وقت مضى، ومُقدر لنا أن نتنوع أكثر. فالتعددية الثقافية ليست خيارًا.  بل صارت حتمية. والسؤال الوحيد الآن هو “كيف سنتعامل معها بشكل جيد؟”.

ثقافة وفكر

عن الكاتب

مصطفى شلش