“هل هو ابتزاز … أم عقاب؟”

لـ

 


 

لم أكن أتصور و نحن نطوي خلفنا السنوات العشر الأولى من القرن الحادي و العشرين … هذا القرن الذي و بفضل التقدم العلمي و التقدم التكنلوجي أصبح العالم فيه قرية صغيرة يمكنه التواصل فيما بينه خلال لحظات بل كسور من هذه اللحظات … أن أجد من أبناء وطني من أصبحوا مثل “الربوتات” أو الدمى الآلية يفعلون ما يأمرون به دون تفكير أو تفتح ذهني و هم في غالبيتهم من تلقوا تعليمهم الجامعي و تأهليهم الوظيفي في أرقى الجامعات و المعاهد التدريبية …

 

لا يشك أي مواطن عماني أن التقدم التنموي الذي طرأ على سلطنة عمان منذ عام 1970 و حتى يومنا هذا هو تطور و تقدم محمود و مثمن و مشكور من قبل جميع أطياف و شرائح المجتمع … و لكن صاحب ذلك الكثير من الإخفاقات و السلبيات أهمها تمكن نخبة معينة من الطبقة الحاكمة من السيطرة على جميع مقدرات البلاد و خيراتها حتى أنهم حسبوا أنهم بمراكزهم التي عششوا عليها لعدة عقود أن البلاد ملكا خاصا لهم و لأبنائهم و أزلامهم و صبيانهم و أذنابهم و أنهم وجب عليهم إدارتها كشركة خاصة و جزءا من شركاتهم أو إحدى شركاتهم القابضة … فكانوا سببا رئيسيا في بروز تلك الإخفاقات و الإرهاصات و ما صاحبها من تذمر و امتعاض و استياء.

 

… و لكن سلطنة عمان جزء من هذا العالم … بل هي جزء من الوطن العربي الكبير و حصن منيع له في طرفه الشرقي و تتفاعل مع أحداثه و مؤثراته و متطلباته و أحواله.

 

فقد شهدت العديد من الأقطار العربية مؤخرا حراكا إجتماعيا و سياسيا يطالب بالإصلاح سياسي و اقتصادي و حقوق مواطنة و عدالة اجتماعية و محاربة الفساد الإداري و المالي الذي تفشى و عشش في أروقة الحكومات و إيجاد فرص عمل تحفظ للمواطن العيش الكريم في بلاده …. و كان لابد من أن يتأثر الشعب العماني بذلك … أوليس هو جزء من ذلك الكيان الممتد من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي.

 

فكان أن لجأ العديد من الشباب العماني بمطالبات مشروعة أقر بها عاهل البلاد حفظه الله و استجاب لمعظمها بفطنة و حكمة معهودة منه … و كان المواطنون و خاصة الشباب منهم أن تفاعلوا مع هذا الحدث و ما أقر به جلالة السلطان من حق المطالبة بالحقوق و التعبير عن الرأي بموضوعية و شفافية و خلقيات اجتماعية تتسيد المجتمع العماني وبيئته المحاظة الإسلامية.

 

عبر الشباب العماني عن مطالبه و احتياجاته و آماله و مرئياته و تطلعاته و آرائه و مساندته و معارضته و امتعاضه بوسائل شتى … و من تلك الوسائل منتديات الشبكة العنكبوتية (الانترنت) … تلك الشبكة التي غيرت الكثير في مجريات و متطلبات حياة الإنسان في العصر الحديث … و من أشهر هذه المنتديات في سلطنة عمان منتدى الحارة العمانية … هذا المنتدى الذي كسب صيتا بمواضيعه الجادة و جودة اطروحات أعضائه و فكرهم النير … و امتاز هذا المنتدي بالهدوء و النقاش السلس بين أعضائه و احترامهم للرأي الآخر.

 

و لكن في خضم تلك الأحداث الأخيرة التي إعترت البلاد نتيجة المطالبات المشروعة – التي أقر بمشروعيتها عاهل البلاد حفظه الله – كان منتدى الحارة العمانية ساحة للقادمين من الأعضاء الجدد الذين أخذوا يكيلون السب و القذف و التهم و يتحاورون بأسلوب غير معهود في الحارة و من أعضائها المخضرمين … فكان إن إنزلقت الحارة في متاهات تلك النقاشات و الاطروحات و المواضيع الدسمة التي شملت في فحواها نقدا لاذعا للحكومة و إنجازاتها و تصرفات مسؤوليها و نخور الفساد في أروقتها و ردهاتها … و رغم إنزلاق الحارة في تلك المتاهات بقيت إدارتها محايدة مؤمنة بالرأي و الرأي الآخر محاولة عمل توازن – قد يكون منطقيا – حسب إعتقادها …

 

و نتيجة لتلك التجاوزات في الإطروحات و النقاشات يبدو أنه مورست ضغوطات على إدارة الحارة من قبل السلطات الرقابية في الحكومة طالبين منها إفشاء معلومات عن الأعضاء و عناوينهم الإنترنتية أو بما يعرف بالـ (IP) و هو الرمز الذي يعني رقم مزود خدمة الإنترنت … و مع تفهم إدارة الحارة لاحتياجات السلطات الرقابية تلك و التي يبدو أن تفكيرها لم يتجاوز أو يستوعب تفكير فترة ما قبل عام 1980 و هو العام الذي بدأ فيه العالم يشهد قفزات في التطور التكنلوجي و الفكري و كذلك قفزات في تقنيات الإتصال و المعلوماتية … أصرت إدارة الحارة و بكل حرص و مهنية و موضوعية على التعاون مع تلك السلطات و لكنها لم تتجاوب معها في إفشاء أسماء و أعضاء مدونيها و إن أصبح مؤخرا أن معظم الأعضاء في الحارة يكتبون بأسمائهم الأصلية أو أنهم أصبحوا معروفين حتى و أن كتبوا بمعرفات و أسماء وهمية …

 

و نتيجة لهذا … قامت السلطات الرقابية في الحكومة في 24 أبريل 2011 بحجب موقع الحارة العمانية في السلطنة و حرمت الكثير من محبيها التواصل و النهل من معين معلوماتها التي يثريها هؤلاء الأعضاء و إن كان بعضها غير محبب للنشر و الكشف من قبل السلطات نظرا لما تحويه من معلومات يتحسس منها البعض.

 

لاشك أن الحارة العمانية حققت نجاحات منذ تأسيسها في منتصف عام 2007 بل بعد إعادة تأسيسها في إبريل 2008 إثر تعرضها لإختراق أفقدها قاعدة بياناتها … و هي من هذا المنطلق تدفع ضريبة هذا النجاح بسبب ثباتها و إصرارها و حفاظها على سرية بياناتها و هويات أعضائها و جودة مواضيعها.

 

فإن كان عضو أو إثنين أو حتى عشرة أعضاء أخطؤوا و أساؤوا التصرف و التقدير و نشر بعض البيانات التي لا تود السلطات نشرها و إطلاع الرأي العام عليها … فهل على الأجهزة الرقابية معاقبة الحارة على ذلك و هي منتدى إليكتروني متاح للجميع المؤيد للسلطة و المعارض لها و المحب و العدو … و هل من حق السلطات حجب المنتدى في عصر المعلوماتية و حرية الكلمة و الشفافية و تبادل الآراء المتباينة بمختلف توجهاتها و إيجابياتها و سلبياتها ؟ ….

 

و هل من حق السلطات أن تحرم محبي الحارة و أعضائها من المشاركة في منتدى لمسوا فيه بعض الحرية في التعبير عن آرائهم و ما يدور في خلجات نفوسهم ؟ …

 

بهذا التصرف أصبحت السلطات تتعامل مع مؤسسات القطاع المدني و أفراده كتعامل الأب الصارم الجلف مع أطفاله بل أشد من ذلك … أما كذا … أو سأعمل كذا !!!

 

هل هو ابتزاز من السلطات في سبيل الحصول على ما تريد من الفضاءات المعرفية عن كنة الأعضاء و هويتهم ؟

 

أم هل هو عقاب نتيجة المواضيع و الأطروحات الجادة التي دونت في الحارة ؟

 

نعترف أن الجميع لا يود أو يشجع المهاترات و الضغائن و النقاشات المشبوهة … و لكن هذه الأمور يمكن التحكم بها و توجيهها بحكمة و ليس بسطوة و قوة أو بمبدأ أنا الأقوى المتنفذ و أنت ما عليك سوى تنفيذ أوامري و السمع و الطاعة و أن تقول لي “أمرك سيدي”… و هذا التوجه قد يكون سيفا ذا حدين على الجميع.

 

فهل ما حدث هو ابتزاز في ظل عالم الشفافية و الصراحة و سلاسة تنقل المعلومة و محاربة الفساد المتراكم في أروقة السلطة منذ عقود ؟ … و هل هو إصرار من السلطات أن تسيروا و تفكروا حسب ما أريد ؟

 

أم هو عقاب غير مفهوم لعدم التعاون في ظل عالم الفضاءات المعرفية التي يمكن أن توصل المعلومة لمريدها بغير حدود و قيود ؟

 

“حفظ الله الوطن عمان.”

 

 

 

مسقط – 21 جمادى الأولى 1432 هـ

الموافق 25 أبريل 2011

 

 

 

 

0 1757 03 مايو, 2011 العدد الخامس عشر, سياسة مايو 3, 2011
Avatar

عن الكاتب

كاتب عماني وباحث في الشؤون التاريخية

عرض كل المواضيع التي كتبها مازن الطائي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.