صورة العائلة

كتب بواسطة سارة علي

كُنتِ تحاولينَ وضع ضرباتِ الفرشاةِ الأخيرةِ على طرفِ ثوبِ أُمكِ المبللِ عندما نفِدَ منكِ اللونُ الأسودُ للمرةِ الثالثةِ، وبالرغمِ من أنَّ وجهَ أمكِ التي عادت من المطبخِ قبلَ التقاطِ الصورةِ بقليلٍ كانَ مُتَجهِّمًا، إلا أنكِ بذلتِ جُهدًا مُضنِيا لإعادةِ خلقٍ وجههَا، كانَ عليكِ أنَ تُضيقي حدقتي عينيها ثمَ تبرزي خطوطَ التجاعيدِ حولهما حتى تبدو ابتسامتُها المزيفةَ أكثرَ صِدقًا وحقيقيةً، لمْ تتذكري قط كيفَ كانتْ تبتسم، حتى في المراتِ القليلةِ التي تبتسمُ فيها وتضحكُ معَ العائلةِ كانت ابتسامتها تختلفُ تماما عنْ ابتسامتها معَ كلِ الآخرينَ خارجَ المنزلِ، لذلكَ كانَ عليكِ أنَ تبتدعي لها ابتسامةً لا تعرفينَ شكلها وتعرفينَ صِفتها، ابتسامةُ الأمِ مع العائلة.

ثمّ كانَ عليكِ إعادةُ ترتيبِ مواقعِ أفرادِ العائلةِ في الصورةِ لتبدوَ لوحتكِ مثاليةً، لمْ يكنْ والدكِ يجلسُ في الصورةِ بجانبِ والدَتك، ليسَ لأنهُ لم يرغبْ بمجاورتها، كما لم تكن هيَ لتمانع ذلك، لم يُعرْ أحدٌ أهميةٍ لذلكَ وحسب، إذ لم يكن أمرًا يستحقُ عناءَ التفكيرِ، فعلى مدى اثنينِ وأربعينَ سنةً عاشاها معا، لم يُفكرا قطُ بتبادلِ أيِ عباراتِ غزلٍ أو أن يُبدِيا لبعضهما أي شكلٍ من أشكالِ المحبةِ والاهتمامِ، ربما كانَ والدكِ قد بادرَ في مراتٍ نادرةٍ وقليلةٍ ليُبديَ بعض اللطفِ والاهتمامِ في أوقاتِ مرضِ أمكِ الكثيرة، لكنهُ أحجمَ عن فعلِ ذلكَ سريعا بعدَ أن أبدتْ والدتُكَ ردةَ فعلٍ تشي بأنهُ يتصرفُ على نحوٍ دراميٍ مبالغٍ فيه. لطالما كانا ينظرانِ إلى وجودهما معا وعيشهما تحتَ سقفٍ واحدٍ على أنهُ أمرٌ حتميٌ ليسَ عليهما أن يُبديا حيالهُ أيُ محبةٍ أوْ قلق، وخاصة بعدَ أن شاركهما الأولادُ حياتهما الحتميةَ في ذلكَ المنزل، أصبحا يتصرفانِ على نحوٍ آلى ومنظم، وجدا نفسيهما أمامَ أدوارٍ لها مهامٌ واضحةٌ ومنظمة، ترمي جُلّها إلى الحفاظِ على رتمِ حياةٍ رتيبٍ ومُستقرٍ في ذلكَ المنزل، حياةٌ مفرطةٌ في عاديتها، لا يجبُ أن يشعرَ فيها أحدٌ بالجوعِ أو التخمة، والحرصُ على خلقِ أسلوبِ حياةٍ لا يكونُ فيها المرءُ سعيدا ولا حزينا، إذْ يجبُ فقط أن تكونَ الثلاجةُ مليئةً على الدوامِ بأنواعٍ محددةٍ من الخضارِ والفواكهِ، وأن تُزوّدَ خزانةُ المطبخِ بالموادِ الغذائيةِ قبلَ أن ينفَدَ أيَ نوعِ منها بِحَسبَ القائمةِ التي حددتها والدتكِ بدقة، واعتادَ والدكِ إحضارها كاملة. كانَ عليكِ أن تضعي والدكِ بجوارِ أمكِ في اللوحة، لكن دون أن يتلاصقا، متجنبةً أن يلمسَ جسدهُ جسدها، حتى تبدو اللوحةُ مثاليةً على نحوٍ مقنعٍ. ولم يكن عليكِ إعادةُ خلقِ وجهِ والدك، إذ كانَ يبتسمُ في الصورةِ ابتسامةً يائسة، لا تتذكرينَ عبوسهُ وتجهُّمهُ في وجهكِ كثيرا، كانَ دائما ما يبتسمُ ابتساماتٍ وضحكاتٍ عرِفتِ لاحقا أنها ليست كما تبدو عليه، تتذكرينَ وأنتِ ترسمينَ خطوطا دقيقةً بالأبيضِ والرمادي في شيبِ لحيتهِ كيفَ كانَ يبتسمُ في المصائبِ وعندما يشعرُ بالعجز، وكيف يضحكُ عندما لا يستطيعُ تحملَ تكاليفِ شراءِ غسالةٍ جديدةٍ بعدَ طولِ تذمُّرٍ من والدتكِ بسببِ غسالتها المتعطلةِ، أو عندما يعرِفُ أنّ ما سيدفعهُ ثمنا لطلبٍ لكِ أو لإخوتكِ أو لوالدتك سيثقلُ جيبه، وسيدفعهُ ذلكَ لأن ينفقَ كلَّ ما عندهُ فورًا، ويحجِمُ حينها عن التفكيرِ فيما عليهِ فعلهُ في الغدِ، فإذا لمْ يستطعْ تزويدَ الثلاجةِ باللحومِ والأسماكِ والخضارِ لوجباتِ آخرِ أسبوعِ من الشهرِ قبلَ تسلمِ راتبهِ، سيضطرُ لاقتراضِ بعضَ المالِ من مديرهِ أو من عمكِ، ولأنَ طلبَ اقتراضِ المالِ قد يقتلهُ، كانَ يضحكُ بشكلٍ هستيريٍ لأنَ عليهِ إذن أن يتدبرَ أمرهُ بأيِ عملٍ إضافيٍ لن يحيطكم علمًا بهِ، كلُ ما ستعرفونهُ فقط أنهُ قبلَ أن يسافرَ إلى عملهِ سيملأُ ثلاجةَ المطبخِ والمخزنِ حتى لا يجوعَ أيَ منكمْ، ولنْ يشعرَ أحدٌ بالتخمةِ، وسيسلمُ والدتكِ بضعَ ريالاتٍ مصروفا لكم، ومبلغا احتياطيا صغيرا في حالِ احتجتمْ إلى أيِ شيءٍ إضافيٍ أو طارئٍ في غيابهِ، كما ستعرفونَ أنهُ لن يعودَ في إجازةِ نهايةِ الأسبوعِ إلا بيدينِ محملتينِ بالتعبِ والخبزِ الذي ستخزنونهُ في ثلاجةِ المطبخِ لوجباتِ عشاءِ أسبوعِ غيابهِ اللاحقِ، وبعضِ الحلوياتِ التي ستتحملونَ أنتِ وإخوتك انتظارَ عودتهِ أسبوعا كاملاً لأجلها، ولن يلحظَ أحدٌ منكمْ التشققاتَ في يديهِ والإرهاقَ الذي يثقلُ جفنيهِ، إلا والدتك التي لن تعيرَ الأمرَ كثيرَ اهتمام، إذْ يبدو لها ذلكَ أمرًا حتميا لإتمامهِ دورهِ على أكملِ وجه، لذلكَ ستعيدينَ رسمَ ابتسامتهِ اليائسة، ولنْ تضطري لزيادة تقويسِ شفتيهِ، حيثُ تبدو حقيقيةً بما يكفي لتستنسخيها في لوحتك المثاليةِ، وكلُ ما ستفعلينهُ هوَ محاولةُ تجاهلِ الخيوطِ المتهدلةِ منْ أكمامِ ثوبهِ الأبيضِ، وطمسِ بعضِ الاصفرارِ القليلِ البارزعند ياقةَ ثوبهِ بسببِ كثرةِ الاستعمال، فبالرغمِ من أن الصورةَ قدْ اُلتُقطت في العيدِ إلا أنّهُ لم يكن يظنُ بأنَ عليهِ أنْ يخيطَ ثوبا جديدا لهُ طالما كانَ بالإمكانِ ارتداءَ ثوبهِ هذا، وبالقليلِ منْ التشديدِ على عاملِ مغسلةِ الملابسِ سيعودُ الثوبُ جديدا ونظيفا وملائما لارتدائهِ في العيدِ، ففي كلِ مرةٍ تلوحُ لهُ الرغبةُ بشراءِ شيءٍ خاصٍ لهُ يشعرُ بأنَ ذلكَ سيكونُ ضربا من الأنانيةِ وهدرًا للمالِ، ويُفضِّلُ عوضا عن ذلكَ أنْ يشتريَ بقيمتهِ صندوقَ فاكهةٍ موسميةٍ منْ تلكَ التي ليست ضمنَ قائمةِ الفواكهِ التي اعتادَ تزويدَ الثلاجةِ بها، أو أن يقومَ بإصلاحٍ مؤجلٍ لقفلِ أحدِ أبوابِ المنزلِ أو شراءِ أسطوانةِ غازٍ احتياطيةٍ للمطبخِ، وحتى عندما هممتِ برسمهِ لم يكُن ليكلفك هدرِ الكثيرِ من الألوانِ عليهِ، فثوبهُ وشعرهُ ولحيته كلها باللونِ الأبيضِ.

ما إن فرغتِ منْ رسمِ والدك حتى شعرتِ فجأةً بنسمةِ هواءٍ دافئةٍ تزامنتْ معَ انتهاءِ السمفونيةِ الخامسةِ لماهليرْ، وحلَّ صمتٌ عذبٌ في المكان، وقبل أنْ تبدأَ المعزوفةُ التاليةُ في القائمةِ الموسيقيةِ التي أعددتها خصيصا للاستماعِ لها أثناءَ رسمِ هذهِ اللوحةِ، كنتِ قد هممتِ برسمِ التجاعيدِ على يدِ جدتكِ التي تجلسُ خلفَ أختكِ الصغيرةِ في زاويةٍ إلى يسارِ الصورةِ، كنتِ تحبينَ تفاصيل يديها كثيرا، لذلكَ كانت أولَ جزءٍ قررتِ البدءَ برسمهِ في جسدِها، وحالما انتهيتِ من رسمها شعرتِ بذاتِ الدفءِ الذي كانَ يغمركِ كلما أمسكتِ بهما، وبذاتِ الأمان الذي كنتِ تأنسينَ لهُ كلما أطالتْ في ضمِ يديكِ بينَ يديها وانغمستْ في تلمسِ جلدكِ والمسحِ على يديكِ معقبةً ذلكَ بتعليقها الذي لا تملينَ من تكرارهِ عليك، بلْ تبتهجينَ بهِ في كلِ مرةٍ تجلسينَ فيها بقربها: تبدينَ هزيلةٌ جدا! لماذا لا تأكلينَ جيدا؟ عليكِ أنْ تسمني.

كانت جدتك في الصورةِ تحدقُ في الفراغِ، لم تكنْ نظراتها تكشفُ عنْ أيِ موقفٍ تتخذهُ بعدَ ثلاثةٍ وتسعينَ عامًا تجاهَ الحياة، إلا كونها لا تعبأُ حتى بلحظةِ الفرحِ تلكَ حينما يلتمُ شملُ العائلةِ في صورةٍ واحدةٍ في العيدِ، إذ بدت لكِ وكأنها تستريحُ في زاويةٍ نائيةٍ على مِقعَدٍ في الفراغِ، كنتِ حينها تحاولينَ جاهدةً أنْ تضعي مسحاتٍ ناعمةٍ بالفرشاةِ على اللوحةِ خشيةَ أن يتأذى وجهها الجميل. بعد سنتينِ من التقاطِ تلكَ الصورةِ صلى أبيكِ وإخوتهِ صلاةَ الميتِ على أُمِّهمْ ثمَ دفنوها في مقبرةِ القريةِ، وعادَ كل واحد منهم إلى بيتهِ ليتناولَ الغداء ويمضي في شؤونِ حياته، تعامل الجميعِ مع موتها على أنهُ أمرٌ حتميٌ كانوا على استعدادٍ تامٍ لحدوثه، وقدْ ساعدَ انتشارُ الجائحةِ في البلادِ حينها ومنعُ مراسيمِ الفرحِ والعزاءِ في اختصارِ طقسِ الحزنِ وانتهائهِ سريعا، لا زلتِ تحتفظينَ بصورةِ الألمِ تلك، حيثُ كنت وحيدةً في حزنك وفقدك، وقد كانت اللحظاتُ الوحيدةُ التي حملتْ بهجةً تُذكر ومعنًى كبيرا لكَ في منزلِ العائلةِ هيَ في ذكرياتكِ معَ جدتِك، لكنك ومنذُ وفاتُها كنتِ تحاولينَ تجنبَ استعادتها، إذ كنتِ تخشينَ منْ أن كثرةَ التركيزِ عليها والابتهاجِ في تذكرها قدْ يعني أنك تجازفينَ بإتلافها .

ثمَ كانَ عليكِ أن تَشرعيَ في مسحِ تورُّمِ عيني أختك التي تصغركِ بخمس سنينٍ في الصورة، وابتداعِ بريقٍ لهما في اللوحة، بريقٌ لمْ يكنْ لتلمحيهِ فيهما إلا عندما تنتهي منْ كتابةِ قصيدة، وهيَ لم تكن تكتبُ الكثيرَ منْ القصائد، لذا فقد كانَ يصعبُ عليك تذكرَّ ذلك البريقِ على نحوٍ أكثرَ دقة. عندما سألتها مرةً وهيَ تمسكُ بديوانٍ شعريٍ لشاعرها المفضلِ لِمَ لا تكتبُ الكثيرَ من القصائد؟ أجابت: ” لم العناء؟ ما دامَ الذي أبحثُ عنهُ أمامي ؟ ” ، ثمَ كانَ عليكِ أنْ تتذكريَ تفاصيل الفستانِ الأزرقِ الذي رغبتْ بشدة في أن ترتديه في أولِ أيامِ العيد، لكنَ والدتك رفضت ذلكَ بوجهٍ غاضبٍ وصارمٍ، حيثُ اعتادت أن ترفضَ أيَ شيءٍ لم تتدخل في اختيارهِ ولم تقرر شراءَه حتى ولو توافقَ ذلكَ معَ ذائقتها، ما يهمُ أن تكونَ هيَ من قررتْ أولاً في شأنهِ، وإلا فإنهُ سيبقى شاهدا على التمردِ ومخالفةِ طريقتها في سيرِ الأمور، لذلكَ بكت أختكِ كثيرا في الليلةِ السابقةِ حتى استيقظتْ بعينينِ متورمتين، كانَ عليكِ أن تتذكري نقوشَ الفستانِ لتلبسيه إياها في اللوحة، عوضا عنْ الثوبِ الذي قررتْ والدتك أن ترتديه في الصورة، عليك أن تتذكري بدقةٍ موديلهُ ومقاسهُ أيضا حتى يبدو البريق في عينيها أكثرَ إقناعا .

بينَ والدَتُك ووالدُكِ كانَ يجلسُ أخيك الأكبر بنظرةٍ صلبةٍ ووجه صارم، سيتحتمُ عليكَ بذلُ جُهدٍ مضنٍ لإزاحةِ تلكَ الصلابةِ واستبدالِها بنظرةٍ هشةٍ ومهزوزةٍ لتلائمَ صفاتَ لوحتك المثالية، كانَ والدُاكِ يحبانه كثيرا وهو الابنُ المفضلُ عندهما، ومنذُ أنْ بلغَ الخامسةَ عشرَ من عمره، كانا يوليانهِ مسؤوليةَ أيِ قرارٍ لا يستطيعانِ اتخاذه، وكانَ نتيجةً لذلكَ يحبُ أن يبالغَ الجميعُ في احترامهِ وتقديره، حتى أنهُ كانَ يغضبُ إنَ أخطأَ أحد ما في نطقِ اسمهِ أو حاولَ تدليله، فقد كانَ من فرطِ هشاشتهِ التي تعرفينها جيدا يعد ذلك تقليلاً منْ شأنه، ولم يكنْ يحبُ أنْ يسبقهُ أحدٌ في فتحِ المواضيع معه، وإن حدثَ وسمحَ بذلكَ فسيحرصُ على أنْ يمسكَ بدفةِ الحوارِ ويعيدُ توجيههُ ليثبتَ أنهُ المتحكمُ بزمامه، ولذا كانَ من الصعبِ عليك البدءُ بفتحِ حوارِ معهُ كما يحدثُ بينَ الإخوةِ الطبيعيينَ، وحتى في المراتِ القليلةِ التي يحصلُ فيها حوارٌ بينكما يكونُ مُرتكِزا على وصاياهُ الأبوية، ففي كلِ حديثٍ يدورُ بينهُ وبينَ أحدِ أفرادِ العائلةِ كانَ يحرصُ على أنْ يطعمهُ بالنصائحِ والوصايا، وللمزيدِ منْ التأكيدِ على رصانةِ آراءهِ ووصاياهُ كانَ دائما ما يستعينُ بالشواهدِ والأحكامِ الدينيةِ، تغلبُ على صوتهِ النبرةُ الأبويةُ والذكورية، لذا كانَ الصمتُ هوَ الحاسمُ في علاقتكما، حتى في مشاويركما الطويلةَ وأنتما في السيارةِ وحدكما معا .

يشدَ قبضةَ يدهِ اليمنى في الصورةِ على مسبحةٍ بأحجار بيضاء، لذا كانَ عليك أيضا أنْ تقومي بإرخاءِ قبضةِ يدهِ وفتحِ أصابعهِ وإزاحةِ المسبحةِ منهما ليبدو منظرهُ في اللوحةِ حقيقيٌ على نحوٍ مثالي، ثمَ ستقومينَ برسمِ مزهريةٍ بورودٍ بيضاءَ في الطاولةِ الفارغةِ والموضوعةِ أمامهمْ في الصورةِ، لمْ تكنْ تحبُ أمك وضعَ المزهرياتِ والتحفِ في البيتِ، فهيَ تظنُ بأنها زينةٌ زائدةٌ عنْ حاجةِ الحياةِ الرتيبةِ التي رسمتها لذلكَ المنزل، ولم تكنْ تحبُ الزهورَ لفرطِ رقتها وسرعةِ ذبولها وموتها ثمَ تجميعها للغبارِ بعدَ جفافها، إنَ أقصى ما كانَ يمكنها أنْ تضعهُ منْ زينةٍ في المنزلِ هيَ اللوحةُ الرخيصةُ للكعبةِ ومشهدُ الحجاجِ يطوفونَ حولها في موسمِ الحجِ ، والتي حصلتِ عليها هديةً من معلمةِ التربيةِ الإسلاميةِ عندما حصلتِ على الدرجةِ الكاملةِ في اختبارِ التجويدِ، وغالبا ما كانتْ ستحتفظُ بها لولا أنها ظنت بأن التخلصَ منْ لوحةِ مشهدٍ مقدسٍ كتلك سيكونُ ضربا منْ الكفرِ وقدْ يجلبُ لبيتها لعنةً ما. ولكنك ستقررين أن المشهدَ الطبيعيَ هوَ ما يلائمُ لوحةَ العائلة، لذلكَ سترسمينَ مشهد أشجارٍ متراصةٍ وحقولٍ خضراء في صورةِ الجدارِ من خلفهم وستُسرفينَ في رسمِ التفاصيلِ التي تمتلئُ بها مخيلتك.

تبدو لوحةُ العائلةِ الآنِ مكتملةً ومثالية، لا ينقصها إلا فردٌ واحد، بالرغمِ منْ أنَ الصورةَ بينَ يديك تبدو مكتملةً لمن لا يعرفُ عددَ أفرادِ عائلتك، إلا أنَ في الحقيقةِ كنتِ تنقصينها، فحينَ التقطت تلكَ الصورةِ كنت تجربينَ ضبط إعداداتِ الكاميرا، طلبت من الجميعِ أنْ يصطفوا بجوارِ بعضهم البعضِ لعملِ بروفةٍ والتقاطِ صورةٍ تجريبية، أخذَ كل واحد منهمْ موقعهُ، ثمَ قمت بالتقاطِ تلكَ الصورةِ التي كانت تبدو حينها جيدةً ومكتملةً ومثالية، لذلكَ قررت في اللقطةِ الثانيةِ ضبطَ المؤقتِ والإسراعِ لتأخذي موقعك بجوارِ جدتك استعدادًا للقطةِ التالية، لكن ما حدثَ أنَ الكاميرا انطفأتْ فجأةً بسببِ نفادِ شحنِ البطاريةِ قبلَ أنْ تلتقطَ تلكَ الصورةِ ، وعندما طلبتِ منهمْ الانتظارَ لحينٍ تعيدينَ شحنها، تململتْ أختكِ الصغيرة، بدأتْ تظهر ملامحَ الغضبِ على والدتك، ادعى أخيك بجديتهِ المعهودةِ أنَ عليهِ أنْ يسرعَ للاستعدادِ لذبحِ الأضحية، قالَ والدك أنَ الأمرَ لا يستحقُ كلَ هذا العناءِ وأنهُ سيلحقُ بأخيك، ربتت جدتك على رأسك ومسحتْ على يديك بأنْ لا عليك، ستلتقطينَ صورة أخرى للعائلةِ في فرصةٍ أخرى مواتية، لكنَ الفرصةَ الأخرى لمْ تأتِ، فجدتك قدْ توفتْ، ويندر أنْ تجتمعَ العائلةُ في غرفةٍ واحدةٍ وفي مزاجٍ جيدٍ وملائمٍ لالتقاطِ صورةٍ تجمعهمْ معا، وحين انتقلتم إلى منزلكمْ الجديدِ طلبت منك والدتك أنْ تقوميَ بطباعةِ الصورةِ التي التقطتها في صباحِ العيدِ لتقومَ بتعليقها في الصالة، وقدْ كانتْ هيَ الصورةُ الوحيدةُ التي تجتمعُ فيها العائلة. بعد أنْ استقرتْ الصورةُ التي طبعتْ بمقاسِ 35 * 50 سمِ وبإطارها الذهبيّ في موقعها على جدارِ الصالةِ، أبدى الجميعُ إعجابهُ ورضاهُ عن صورتهِ فيها، لم ينتبه أحدٌ لأيِ نقصِ فيها، ولم يلحظْ أحدٌ غيابك، وظل اكتمالُ تلكَ الصورةِ بغيابك فيها جرحًا غائرا لسنينَ عدة، وكانَ ذلكَ أولَ ما أخبرت بهِ معالجتكِ النفسية التي اقترحت عليكِ إعادةَ رسمِ صورةِ العائلةِ بما أنهُ قدْ تعذرَ لمُ شملِ العائلةِ في صورةٍ أخرى، وكنتِ وأنتِ توزعينَ ضربات فرشاتكِ على وجوهِ أفرادِ عائلتك في اللوحةِ الكبيرةِ قدْ تركتِ فراغا حيث يجبُ أنْ يكونَ موقعك في الصورة، وكنت قدْ وضعت في حسبانك أنه لوْ تكررتْ الحادثةُ وحدثَ أيُ شيءٍ قبلَ أنْ ترسمي صورتك بينَ أفرادِ العائلةِ سيبقى الفراغُ هائلاً وملاحَظا ومزعجا ولا يمكنُ لأحدٍ أنْ يتجاهله، وقبلَ أنَ تهمي برسمك خطرتْ في بالك فكرةَ أنْ تقومي بعملِ بروفةٍ للوحةِ العائلةِ كما حدثَ حين التقطتْ الصورة؛ وحتى تتأكدي منْ حصولكِ على موقعٍ جيدٍ وصورةٍ ملائمةٍ في لوحةِ العائلة، قررتِ دخول اللوحةِ وتجربةِ الجلوسِ بابتسامةٍ عريضة بجوارِ جدتك، حينها غمركِ دفئُها الباذخِ، وسحرتك بهجةَ العودةِ إلى اللحظةِ التي فاتتكِ قبلَ عشرِ سنوات، فألقيتِ بفرشاتكِ خارج اللوحة، وبقيتِ عالقةً للأبدِ، خارجَ صورةِ العائلةِ، داخلَ اللوحةِ.

 تمت.

أدب

عن الكاتب

سارة علي