العنصرية الاستبدادية بين الفحولة الجسدية والتهميش الدولي

كتب بواسطة أسامة الزقزوق

يقول كافين رايلي  في كتابه الغرب والعالم، والذي ترجمه د.عبد الوهاب محمد المسيري  ود.هدي عبد السميع حجازي: 

 في الشرق القديم طورت الزرادشتية رؤية عن العالم كصراع متصل بين قوى النور وقوى الظلام. وكان المسيحيون يستعيرون صورة هذا الصراع أحيانا. في القرن السادس عشر والسابع عشر نشأ وضع مماثل بالنسبة لأوروبا الشمالية تحديدا. فكان مارتن لوثر يتحدث أن قوى المسيح الدجال الشيطانية السوداء استولت على مقاليد الأمور داخل الكنيسة الكاثوليكية الرومانية. فكان البروتستانت الشماليين ينظرون إلي التاريخ الإنساني على أنه صراع بين الله والشيطان تماما.

قبل أن يستعبد الأوربيون الأفارقة بوقت طويل كانوا قد طوروا ثقافة مسيحية متسعة الآفاق. وثمة عنصر في الدين المسيحي، وهو الرمزية المسيحية عن البياض والسواد، كان خليقا بأن يشجع موقفا عنصريا تجاه السود. فقد أعتقد المسيحيون أن الخطيئة هي اسوداد الروح البيضاء ونظروا إلي الله والفضيلة والطهارة والتوبة من خلال النور أو البياض المشرق. كما أن الملائكة والقديسين يسبحون في نور أبيض، حتى عيسى الذي كان ينتمي إلي الشرق الأوسط اصطبغ هو الاخر بالبياض تدريجيا إلي أن أصبح في لوحات العصور الوسطى في أوروبا أبيض، أشقر اللون، أزرق العينين.

ومع نهاية القرن الخامس عشر قبل استرقاق الأفارقة كانت المعاني الكامنة في كلمة أسود سلبية بشكل واضح، كما جاء في قاموس أكسفورد للغة الانجليزية:

ملطخ للغاية بالقذارة، ملوث، قذر .. أهدافه سوداء، شرير، ينتمي إلي الموت، مميت، مهلك، مسبب للكوارث والنحس، فاسق، مرعب، يدل على الخزي.

شكسبير ونقد العنصرية:

كان الإنجليز عندما يفكرون في ملكتهم العذراء إليزابيث وزوجاتهم وبناتهم المسيحيات المحترمات، لم يكن يخطر ببالهم إلا بياض الطهارة الوضاح، وبياض الإخلاص والعفة وهي صفات كلها مهمة في نظر المسيحين. فقد ضاع الفردوس وكتب على البشرية سوء المصير لأن حواء أغوت أدم. (فقد كان هؤلاء المسيحيون يعرفون عن قوة الجنس ما يكفي لإدراك أن حواء قدمت لأدم أكثر من تفاحة ) ولما كانت الخطيئة سوداء فالجنس أسود أيضا.

مسرحية عطيل هي قصة إيطاليا طورها شكسبير في عام 1604 وأضاف إليها. إن عطيل هو المغربي. أو المسلم الأسود وقد صوره شكسبير بالنبل والكرم والود. وديدمونة زوجته مخلصة له تماما. وهما متحابان دون أنانية أو ارتياب. غير أن عنصرية المحيطين بهما تفسد عليهما هذا الحب، فسادة البندقية ومنهم والد ديدمونة، يكرهون عطيل ويلقبونه بالمغربي الفاجر، الداعر .. وكان يعارض معارضة تامة زواج ابنته من عطيل. حتي اسم عطيل يوحي أنه خرج من الجحيم فيمكن نطق أسمه othello بمعنى out hell أو الخارج من الجحيم.

كان والد ديدمونة أيضا دائما يقول أن عطيل أغوى ابنته بالسحر الأسود والطلاسم الشريرة. وتعبر المسرحية عن سطوة العنصرية التي توحد بين البشرة السوداء والقذارة والجنس والخطيئة من خلال ياجو أحد مساعدي عطيل البيض .. فياجو ساوره الشك أن عطيل غرر بزوجته.

فدائما نجد خوف نفسي من الفحولة السوداء .. وياجو يقوم بشن الهجوم على ديدمونة وجعل عطيل يشك في سلوكها وأنها تخونه، إلى أن يقتلها وهو يلقبها بالشيطان الأشقر القذر. هكذا أنتقد شكسبير العنصرية في عصره.

كان الإنجليز قبل أن تقع عينهم على أفريقي أو أثيوبي مقتنعين بأنهم أشد فحولة منهم .. كان المسيحيون ينظرون إلي نسائهم نظرة مثالية، وكان أقصى ما يخشاه سادة مجتمع الرق أن يغتصب هؤلاء السود نسائهم الجميلات الضعيفات، أو إغوائهم. فأحلام هؤلاء السادة كانت تدور حول الفتيات السوداوات بعيدا عن نسائهم الآتي جُردن من أي صفة جنسية.

فمجتمع الرق كان نتيجة طبيعية لأفكار المسيحية البروتستانتية المحافظة. إن سمة مجموعات من المسيحية قد اختفت بالفعل بسبب اجتناب الجنس. فمجتمع الرق المسيحي الملتزم كان يصل في معارضته للون الأسود لحد معارضته للحياة. فمقدرة السود الجنسية كانت تخيف التزمت والانغلاق والكبت المسيحي.

رواية موبي ديك:

يبين لنا هرمان ملفل معنى توحيد الناس بين اللون الأسود والحياة، والأبيض والموت. تدور رواية موبي ديك على الصعي القصصي البسيط حول مطاردة الكابتن إهاب للحوت الأبيض موبي ديك بإصرار وتحدثنا عن السفينة والطاقم وفي النهاية هلاك إهاب وبحارته في النهاية لكن الرواية ليست بهذه البساطة .. كما أن مغزاها ليس مطاردة أحلامك وهذه الهراء.

إن إهاب يمثل طبقة السادة البيضاء في أمريكا في نشدنها البياض، أو بسط سيطرتها على السواد مما يعود عليها بالقوة. فبياض موبي ديك هو الذي ساق إهاب إلي مطاردته بجنون. وقد قال ملفل إن أهم ما في روايته هو الفصل الذي كتبه عن بياض الحوت، فالبياض كما قال، هو الصفة التي منحت الرجل الأبيض (( السيادة على كل قبلية سمراء )) . والبياض هو التحكم في الظلام وفي قوى العبيد الشيطانية السوداء . ودليل على نقاء الثقافة المسيحية البيضاء. ولكنه أيضا رمز للخوف المسيحي. إنه قناع المسيحية ذاتها.

فإهاب كالثقافة البيضاء يروعه الأبيض حتى وهو ينشده. لأن سطوة البياض على السواد معناها فناء باقي الألوان – أي فناء الحياة برمتها. فالسادة البيض يتخيلون أنفسهم أكثر قوة كلما سيطروا على الظلام .

الثقافة الأوروبية في شمال أوروبا تحديدا أهتموا أكتر من أي الشعوب الأخرى بالبياض والسواد .. وكان ذلك يكتسي طابعا نفسيا ودينيا عميقا.

أدب ثقافة وفكر

عن الكاتب

أسامة الزقزوق