ليوناردو دافنشي كنموذج للعقلية الموسوعية والفضول المعرفي

كتب بواسطة Waqas Ahmed

 

ترجمة وإعداد: محمد زين العابدين 

يتناول كاتب المقال(وقّاص أحمد)*، الجوانب الموسوعية في عقلية الفنان الفذ والعالم ورائد عصر النهضة الإيطالي(ليوناردو دافنشي). وينطلق من تناوله للموسوعية وتعدد الجوانب في شخصية(دافنشي)؛ إلى تناول خصائص التفكير الموسوعي المنظم، والفضولي للمعرفة بشكل عام.

*أبرز سمات(دافنشي):عقليته الموسوعية التأملية، وتنظيمه للوقت:

لقد لخَّصَ(ليوناردو دافنشي) في يومياته، مبادئ العقلية الموسوعية بقوله المأثور: “إذا أردتَ أن تعرفَها؛ فهذه هي مبادئ تنمية العقل الكامل: دراسة عِلم الفن، ودراسة فن العِلم. فلتدركْ أن كلَّ شيءٍ، متصلٌ بكلِّ شيءٍ آخر”. وتمثل الذكرى السنوية الخمسمائة لوفاة ليوناردو دافنشي (1452-1519) مناسبة مهمة للتأمل؛ ليس فقط في عمل وحياة مايسترو الفن المذهلين؛ ولكن-ربما الأهم من ذلك-في عقليته. لا يوفر عمل (دافنشي) رؤى عميقة حول نظرته للعالم فحسب؛ ولكن هذه النظرة للعالم توفرُ رؤىً عميقة لعملِه.

لقد سعى (ليوناردو) إلى تعظيم قيمة التفكير والوجود، في كل لحظة مُعاشة. وربما هذا هو السبب في إصرارهِ على أن “الوقتَ يبقى طويلاً بما يكفي، لمن يستخدمُهُ. وأنّ الحياةَ التي يقضيها بشكل جيد تكون طويلة”. وإلا كيف كان قادراً على البحثِ والتأمل في كل شيء، وعلى الإبداعِ إلى هذا الحدِّ المذهلِ في حياة واحدة؟

ما هو واضحٌ بلا منازع؛ أنه كان لديه عقل موسوعي شديد التطور، ويتميز بالوعي الذاتي الرائع، والفضول النهم، والذكاء الاستثنائي، والتنوع الذي لا مثيل له، والشعور المتزايد بالخيال، والرؤية المتكاملة.

ويقول المؤرخ الفني (مارتن كيمب) عنه: ” إن (ليوناردو) كان يتمتع بعقل فضولي تماماً؛ فكان مثل الطفل يسأل: لماذا يحدث ذلك؟. وما الذي أنظر إليه؟ وكيف يمكنني فهمه؟ وإذا جمعت هذا النوع من الفضول، الشبيه بفضول الأطفال، مع القوة الفكرية الهائلة؛ فستحصل على شيء قوي للغاية”. 

*ما نتعلمه من صفات(دافنشي):

يتساءل كاتب المقال: ماذا يمكننا أن نتعلم نحن من صفات (دافنشي) اليوم؟..ويجيب: بلا شك أهم صفتين يجب أن نتعلمهما هما التنظيم والترابط في التفكير. أما بالنسبة للفضول المعرفي؛ فيتفق علماء الأنثروبولوجيا ،وعلماء السلوك وعلماء الأحياء التطورية؛ على أنه سمة بشرية عالمية.

ولا عجب أن (أرسطو) أعلن في كتابه (الميتافيزيقيا) أن:”كل البشر بطبيعتهم يرغبون في المعرفة”. وقد أظهر (ليوناردو)-والذي أكد أن “التعلم لا ينهك العقل أبداً”-أن الفضول مدى الحياة ليس مجرد سمة بل هو موقفٌ وتوَّجُهٌ في الحياة. ولكن مثل الذكاء والإبداع، فإن الفضول يمكن أن يأخذ أحد مسلكين رئيسيين في العقل؛ الأول هو العمق، حيث يقوم الفرد باستكشاف أغوار موضوع معين بشكل أعمق وأعمق؛ وهذا هو الحال بالنسبة للمتخصصين، حيث يتوقون للغوص مباشرة إلى أعماق رقعة المحيط التي اختاروها لاكتشاف لآلئها. أما المسلك الثاني-والذي يتميز بالاتساع الغير محدود؛ فهو طريق العالم متعدد الثقافات، مثلما فعلَ (ليوناردو).

*سمات الشخص الموسوعي الفضولي للمعرفة:

إن الشخص الموسوعي فضولي على نطاق واسع؛ لا يمكن للحدود المنظمة التي صنعها البشر أن تقيد عقله في مجال معين. يحافظ  الشخص الموسوعي الثقافة على عقلية متفتحة، ويتبع خطة بحث وتحقيق؛ مثلما يفعل الصحفي الاستقصائي أو المحقق، سواء كان السؤال الذي يبحث له عن إجابة، يتطلب منه تعلم محاكاة الطبيعة أو السباكة أو الفيزياء الفلكية أو البناء. ومِثل هذه العقلية لا تدفع صاحبها فقط إلى مجالات متنوعة، بل تسعى إلى إيجاد روابط إبداعية بينها. وبالنسبة لعقلية (ليوناردو) فهو يرى أن كل الأشياء مترابطة. وفي زعمه أن كل شيء مرتبط بالأشياء الأخرى بشكل لا ينفصم. وقد كشف عن سبب اعتقاده أنه لا يمكن فهم أحد التخصصات بشكل كامل ،دون الفهم الراسخ للعديد من التخصصات الأخرى. وكثيراً ما أشار في دفاتر ملاحظاته، إلى الروابط الأساسية بين الرسم والموسيقى والشعر والفلسفة، والعلوم حتى أنه كتب: “من يحتقر الرسم، لا يحب الفلسفة ولا الطبيعة. ويمكن تعريف الموسيقى بأنها “أخت الرسم”. وإذا كان الشعر يتعامل مع الفلسفة الأخلاقية؛ فإن الرسم له علاقة بالفلسفة الطبيعية”.

إن العالم بأسره -بالنسبة ل(ليوناردو)- هو عائلة واحدة كبيرة (إيطالية). وفي الواقع لأنه لم ير الأشياء في شكل تصنيفات محددة؛ فإن كتاباته ورسوماته في دفاتر ملاحظاته؛ تبدو متفرقة ومشتتة للغاية. لقد تنَّقلَ بين الموضوعات بطريقة تبدو عشوائية على ما يبدو؛ لأنه رأى أن كلَّ شيءٍ متصلٌ ببعضهِ في النهاية. 

وكما يقول (كيمب):”كان (ليوناردو) مفكراً من النوع الذي يفكر في الأمور بشكلٍ فرعي بصورة مرضية؛ ولذلك فإنه عند استكشافه لعلم التشريح، سوف ينظر إلى القلب وحركة الماء. وعند استكشافه لحركة الماء؛ سوف يفكر في ظاهرة تجَّعُد الشعر وما إلى ذلك. وسيكون تفكيرُهُ ماضياً بشكلٍ تصاعديٍ لا نهائي، في سياق هذه الاهتمامات ذات الصلة ببعضها، بشكل مباشر أو غير مباشر. وتحت كل هذا التنوع، هناك شيء مشترك؛ السبب والنتيجة”.

*التفكير المنظومي:

إن أنظمة التفكير السالفة الذكر؛ تمثل عقلية يمكن أن نطلق عليها اليوم “عقلية المفكر المنظومي”. ويشير التفكير المنظومي بشكلٍ أساسيٍ-وفقًاً لأحد أنصاره الرئيسيين (فريتجوف كابرا)-إلى “الترابط، والعلاقات ،والسياق”. إن الفرضيتين الرئيسيتين لهذه الأنظمة؛ أن طبيعة الكل تختلف دائماً عن مجرد مجموع أجزائه، وأن العلاقات بين الأشياء هي علاقات أولية، والأشياء نفسها ثانوية؛ هذا “لأن الكائنات ليست في حد ذاتِها، سوى شبكاتٍ مُدْمجة في شبكاتٍ أكبر”. وبهذه الطريقة ادعى (دافنشي)أن المعرفة ليست “بناءً”؛ بل هي بالأحرى “شبكة”. وفي كتابه الأكثر مبيعاً (الفلسفة الطاوية للفيزياء)-1975؛ ساهم (كابرا) في التفكير المنظومي ، عن طريق استيراد عناصر من الفلسفة الشرقية؛ من أجل فهم العلوم الغربية الحديثة بشكل أفضل. وأكدت دراسته عن تفكير (ليوناردو دافنشي)-الذي أعلن أنه “المفكر المنظومي الأصلي”-ارتباطه بالتعددية الفكرية.

واليوم في عالمنا شديد التعقيد والترابط؛ ليس من المستغرب أن يتم الاعتراف بالقيمة العملية للتفكير المنظومي في العديد من المجالات؛ فقد تم تبني مبادئ هذه الطريقة في التفكير، وتطبيقُها من قِبَل القادة ،والمديرين في مجال الأعمال والحكومات، وكذلك في التخصصات الأكاديمية، بما في ذلك الاقتصاد والبيئة، والفلسفة وغير ذلك.

*الترابط والتفكيك في النظرة للعالم:

على الرغم من كونه حجر الأساس للفلسفة لآلاف السنين، إلا أن رؤية الترابط بين جوانب مختلفة من العالم ،أصبحَ عتيقًا بعد عصر النهضة؛ عندما تبَّنى المفكرون الغربيون إلى حدٍ كبير، نهجاً أكثرَ تفكيكيةٍ وتحليليةٍ للعلم والفلسفة. وكان ذلكَ نهجاً رائداً من قِبَل العلماء مثل (جاليليو)، والفلاسفة مثل (رينيه ديكارت) و (توماس هوبز). وقد شجَّعهم ذلكَ على النظر إلى العالم، من منظور الأسس الفردية أو اللبنات الأساسية؛ والتي يمكنُ فهمُها بشكلٍ أفضلَ من خلال التحليل بدلا من التكامل. 

لقد كان النهج الجديد هو: إذا كنت تريد معرفة كيفية عمل الأشياء؛ فافصل بينها وافحص الأجزاء. وعلى مدى ثلاثمائة عام، حقق هذا النهج نجاحاً غيرَ عادي في استكشاف العالم الطبيعي. ولكن بحلول بداية القرن العشرين، أدرك بعض العلماء أن المعرفة في العلوم؛ أصبحت متشظية بشكلٍ متزايد بين تخصصاتٍ فرعية لا حصر لها، مما تسَّببَ في إغفالِ الناس لرؤية الروابط المتأصلة بين الظواهر الطبيعية ووحدتها. 

وقد سعت ثلة جديدة من المفكرين العلميين، إلى العودة للنمط التقليدي للفكرِ الشمولي فيما قبل التنوير؛ والذي طوَّروه ليصبحَ إطاراً علمياً، يعرف ب”التفكير المنظومي”.على وجه الخصوص تم تطويره من قبل الموسوعي السوفييتي (ألكسندر بوجدانوف) وساهم في شعبيته عالم الأحياء النمساوي الأمريكي (لودفيج بيرتالانفي).

وألهمَ هذا النموذجُ الجديد في النهاية، حركة بيئية تُعرف باسم (الإيكولوجيا العميقة) والتي تُعتبر نظرية (جايا) الرائدة لجيمس لوفلوك؛ أكثر تجلياتها شهرة. في الواقع كان أحد رواد هذه الحركة البيئية في الولايات المتحدة، عالم الأحياء (باري كومونر)، الذي اشتهر بتأكيده على أن “كل شيء مرتبط بكل شيء آخر”.

*الرؤية المتكاملة ووجهات النظر المختلفة:

في الهند القديمة-على سبيل المثال-طور حكماء (الفلسفة الجاينية) أسلوباً في التفكير؛ يُشارُ إليهِ باسم (أنيكانتافيدا) Anekantaveda ؛ والذي يُعَّلِم أتباعه وجود وجهات نظر مختلفة، وتقدير مدى صحتها. ويتجلى ذلك في نظرية “الفيل والعميان “الشهيرة؛ حيث يشعر كلُ رجلٍ أعمى، بجزءٍ مختلفٍ من الفيل، نابه أو جذعه أو أرجله أو ذيلُه،  ويُصَّرِح كلٌ منهم بحزم، أنهُ يمتلكُ شيئاً مختلفًاً. فكما قال (دافنشي) ذات مرة في ملاحظاته: “إنَّ أكبرَ خِداعٍ يعاني منه الرجال، هو آرائُهم”. فالسعيَ الحثيثَ وراءَ المعرفة المتنوعة؛ يكونُ هدف الموسوعيين مثله، لتوسيع بيئة تفكيرهم. إنهم ينخرطون في طريقة استقصاء؛ تتكون من استكشاف وجهات نظر متعددة، ومتابعتها وتجربتها ومعرفتها، ثم تجميعها معاً، بطريقة تتيحُ صورة أكثرَ إنصافًاً واكتمالاً للعالم.

إن نظرة (ليوناردو) للعالم والمدفوعة بالفضول سعيًاً وراء الرؤية المتكاملة، تقدمُ درساً عميقًاً لعصرنا. فكلما زاد عدد مجالات المعرفة والخبرة التي نضيفُها إلى ذخيرتنا؛ زادت وجهاتُ النظر التي يمكننا تجميعُها، لإثراء منظورِنا الخاص حول العالم واستكماله. وتسمحُ هذه الوحدة المعرفية للفرد، بالارتقاءِ إلى منظورٍ أعلى.

فهذه العقلية، لا تزيدُ فقط من ميلِنا إلى التعاطفِ الحقيقي، والتفاهم (الذي نحن في أمس الحاجة إليه في مجتمع اليوم التعددي)؛ ولكن أيضاً من أجل نوعٍ من الحريةِ الاجتماعية والفكرية. إنها طريقة لاكتسابِ فهمٍ أكثرَ شموليةٍ للواقعِ البشري؛ أو باختصار الحصول على تعليمٍ حقيقي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*المصدر:( (Philosophy Now Magazine- November 2019

*وقّاص أحمد:(كاتب وفنان باكستاني الأصل إنجليزي الجنسية)

 

 

ثقافة وفكر فلسفة

عن الكاتب

Waqas Ahmed