فلسفة الخشوع: آراء ومعطيات

لـ




 

أولى القرآن الكريم الخشوع اهتماماً بالغاً، وأورده في 17 موضعاً، بألفاظ مختلفة، بالمصدر ومشتقاته، وبالأفراد والجمع، وفي الماضي والمضارع، وللمذكر والمؤنث، وللعاقل وغير العاقل، وضرب به الأمثلة، ورسمه متطلباً إيمانياً حضارياً، ونتيجة مصداقية.

لأجل ذلك سعت جهود الفقهاء نحو تفسير ماهية الخشوع في الصلاة، وتنوعت آراءهم فيه إلى أقوال عديدة، ولا حاجة هنا إلى إثقال فكر القاريء بآرائهم، بيد أنه من الضروري الوقوف مع أشهرها والتي تطوي في عمومها باقي الآراء، كما أشار السالمي([1]) إلى ذلك وهي:

الرأي الأول: الخشوع هو أفعال القلوب، كالخوف والرهبة.

الرأي الثاني: هو أفعال الجوارح، كالسكون وترك الالتفات.

الرأي الثالث: الجمع بين الرأيين.

وهذا الخلاف ينبيء عن إعطاء المسألة مساحة واسعة من الرأي والتفكير لدى فقهاء الأمة، والرأي الأخير هو الذي مال إليه الكثير من الفقهاء([2]) والمفسرين([3])، وذلك جمعاً بين أدلة الرأيين الأول والثاني.

وحين النظر في أدلة الرأي الأول، يلحظ أن استناده على بعض الآيات القرآنية والروايات المنسوبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أولاً: الأدلة القرآنية، فمن الآيات قول الله تعالى: {وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ} الأعراف:205، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} النساء:43، وذلك لاشتغال القلب عن الصلاة بكثرة الهم، وقوله تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} الأنبياء:90.

وفيما استدلوا به نظر، فالآيات الآنفة لا دلالة فيها على إعمال القلب في الخوف والرهبة، وإنما تتحدث عن حضور العقل أثناء الصلاة، والنهي عن الغفلة، اللهم إلا الآية 90 من سورة الأنبياء، والتي جاءت في سياق تصوير طاعة النبي زكريا عليه السلام وآله لله، بالدعاء رغبة ورهبة وبالخشوع، أي الخضوع والركوع.

ثانياً: الأدلة الروائية، فقد استدلوا ببعض الروايات ومنها:

يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إلى رجل يعبث بلحيته، فقال: “لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه”([4])، والملاحظ على الرواية أنها لا تعرف الخشوع، بل تحكي نتيجة الخشوع، والنتيجة تشير إلى أن الخشوع إنشغال القلب بأمر أهم من العبث، والعبث يشير إلى دلالة الابتعاد عن الإعمال القلبي المطلوب حينها.

ومن الأدلة أيضاً ما يروى عنه صلى الله عليه وسلم: “لا يقبل الله من عبد عملاً حتى يشهد قلبه مع بدنه”([5])، والرواية لا تعرف الخشوع، بالمفهوم الذي قصده الفقهاء، وإنما تدعو إلى إحضار القلب في العمل، سواء كانت نية أو إعمال التدبر والتفكر.

واستشهدوا ببعض الروايات التي لا تخرج عما أشير إليه في الروايتين السابقتين، لذا يُضرب هنا عنها صفحاً.

وأما الرأي الثاني، فقد اعتمد في تعريفه للخشوع على روايات تنهى عن الحركة والعبث في الصلاة، ومنها الرواية المتقدمة في الرجل الذي كان يعبث بلحيته، وهي رواية لا تدل على مفهوم الخشوع، بل تدل على نتيجة حضور القلب وعدم حضوره.

ورواية الرجل المسيء صلاته([6])، ويسطع فيها كيفية الصلاة حسب الظاهر، لا ماهية الخشوع.

وما استدلوا به أيضاً من الروايات عموماً لا يخرج عن هذا التصور الآنف الذكر.

وأما الرأي الثالث الإشكال فيه من حيث دمج التعريفين في تعريف واحد، ولو أنه جعل من التعريفين نتائج للخشوع مع إعطاء التعريف الأول صلة بين جزئية التعريف والنتيجة لأصاب الصواب، ووصل إلى المراد من الخطاب.

ولكي تُفهم ماهية الخشوع حسب جزئية المفهوم الآنف، أعني صلة التعريف الأول، فيتعين الوقوف مع النصوص الربانية التي تناولت مصطلح الخشوع، ومعرفة السياق الذي وردت فيه، ومن خلال ذلك تتضح ماهيته.

فأول آية تشير إلى فلسفة الخشوع حسب ترتيب المصحف قول الله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ} البقرة:45، فالآية في الحقيقة لا تعرف الخشوع، وإنما تصف الصلاة بثقلها على المصلين، لكونها تكليف بما فيه مشقة، إلا على الخاشعين منهم، والمقرر فرضية الصلاة على جميع المسلمين، لكن منهم من يصل إلى ماهية الخشوع ومنهم من لا يصل. لتفاوت الناس في المدارك العقلية والفهوم والإقبال على الصلاة بلا عبث، فالمفهوم من ذلك أن الخشوع متطلب يصل إليه المصلي.

وما يؤيد ذلك قوله تعالى:{أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} الحديد:16، أي ألم يحن أن تصل قلوبهم إلى حراك الخشوع من الطاعة لذكر الله وما نزل من القرآن، وطاعة الله وما نزل من الحق تتحتم التدبر، على أن الله عزّ وجل يصف الجبل بالخشوع في قوله:{لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} الحشر:21، والملاحظ أن هذا الوصف جاء في باب ضرب الأمثلة والتخييل، وليس خشوعاً حقيقياً لكون الجبل لا قلب له ولا عقل، والغرض من ذلك كما يقول الزمخشري: “توبيخ الإنسان على قسوة قلبه وقلة تخشعه عند تلاوة القرآن وتدبر قوارعه وزواجره”([7])، فصور نتيجة الجبل لو أنزل عليه القرآن، والنتيجة هي خشوعه مع ضخامته وعلوه وثباته وصلابته وتحجره، لأن الآيات القرآنية آيات تدفع بالمرء حين التدبر إلى التذلل والخضوع والعمل.

كما وصف سبحانه وتعالى الأرض بالخشوع في قوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فصلت:39، خاشعة أي ساكنة، وهذا الوصف جاء في موضع حالة الجدب والقحط، إذ لا ماء ولا نبات، فهي أرض متذللة متصاغرة لحاجتها إلى ما يحيها، وهذا الجدب والقحط اللذان عبر عنهما بالخشوع ما هما إلا نتيجة انعدام الماء.

يقول الله تعالى:{وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ للهِ لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} آل عمران:199، وهذه الآية تصف المؤمنين من أهل الكتاب بالخشوع وهو وصف جاء في سياق التذلل والخضوع، وجاء في سياق ما أنزل الله، بمعنى بعدما سمعوا ما نزل من الحق وآمنوا به صاروا خاشعين خاضعين، لكونهم فهموا متطلباته التي تنفعهم في الدنيا والآخرة.

ويقول الله تعالى: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ ۝ خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ} القمر:6-7، فخشعاً جاءت في موقع الحال، وبالتالي هي وصف لحال أبصارهم فتكون ذليلة منكسرة ساكنة حينما يرون ذلك اليوم العظيم فيشد انتباههم وعقولهم فلا يشتغلون بشيء آخر، لدرجة أن نفوسهم تنكره أي تجهله، لأنها لم تعهد من قبل بمثله، فالخشوع هنا جاء نتيجة تلك الأهوال في ذلك اليوم.

ويقول سبحانه أيضاً: {يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا} طه:108، فخشعت هنا أتت في موضع الوصف، وخشعُ الأصوات سكونها، وهو في موضع النتيجة.

فالملاحظ في الخطاب القرآني تصوير الخشوع في موضع النتيجة التي يصل إليها القلب، والقلب هو الذي يحيا به الإنسان، أي حياة يُدرك من خلالها ما يدور حوله من سنن الله فيأخذ به إلى الإيمان بالله أو زيادة العلاقة والصلة بالله، أو تعمير الكون للتقدم والتحضر.

فماهية الخشوع هي حالة من الخضوع والتذلل يصل إليها القلب بعد الإعمال العقلي من التدبر والوعي والفهم للصلاة فتؤثر على جوارح المصلي كما تؤثر تأثيراً إيجابياً في عالمه الخارجي.

بمعنى أن الخشوع يجمع بين أمرين متعلقين بالقلب هما: التدبر، والتذلل، أي الإعمال العقلي، والإعمال الوجداني، وتأثيرهما على حياة المصلي.

وهذان الأمران هما اللذان يدور عليهما محور القرآن في دعوته لتلاوته، ولتبيين ذلك يستلزم الوقوف مع الأمرين شرحاً وتوضيحاً:

الأمر الأول: التدبر، والمقصود به تدبر الصلاة من أقوال وأفعال وحركات وسكنات، فالإعمال العقلي في الصلاة هو روح الصلاة وغايته، لكون الصلاة كلها قرآن، والله تعالى يأمرنا بتدبر كتابه، حيث يقول: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} محمد:24، ففريضة التدبر يجب تفعليها في الصلاة وخارجها، والخشوع متعلق بالقلب، والقلب علاقته وطيدة بالتدبر العقلي، لكون العقل لا يعمل وحده، وإنما يتفاعل تفاعلاً ديناميكياً مع العواطف والحواس والعالم الخارجي، قال الله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا} الحج:46.

وحينما يتدبر المصلي صلاته تتجلى له مفاهيم الآيات القرآنية ومعرفة معاني الصلاة من القراءة والركوع والسجود والتحيات، ليس ألفاظها فحسب، بل أيضاً حركاتها التي يمارسها في اليوم خمس مرات، وقد تتجلى للمصلي في صلاة المغرب معان لم تتجل لأحد من قبل، وتتجلى له في صلاة العشاء معان أخرى، وقد يصلي مصليان صلاة واحدة قرب بعضهما، فهذا تُقدم له صلاته معطيات، وذاك يفهم منها معطيات أخرى، فهذا يسبح في تطلعات تسطع له من خلال تدبره، وذاك يسبح في تطلعات أخرى تسطع له من خلال تدبره، وذلك راجع إلى مقدار الحراك العقلي واتساع الثقافة العلمية مع الثقافة الاجتماعية والكونية التي تحيط بالمرء من حوله ومدى ربطه القرآن بالواقع، والنتيجة الخروج بفوائد جمة من الصلاة يعمل بها في حياته ليعمّر دنياه وآخرته، لذا قال الله تعالى: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} العنكبوت:45.

ويقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} النساء:43، فالعلم بما نقول بحاجة إلى حضور العقل، والسكر يُغيّب العقل، وبالتالي يُغيّب معه فرضية التدبر، وفرضية التدبر بحاجة إلى حضور العقل، ليَعمل المصلي بمقتضى المراسيم الإلهية منذ صدور فهمها، فمن هنا أحبذ لقلمي اقتباس منطق ابن بركة إذ يقول: “فالمعنى في ذلك أنه نهاهم عن السكر الذي لا يعقلون معه الصلاة”([8]).

والخشوع في الصلاة كما يقول أبو سعيد الكدمي: “الإقبال إليها”([9])، أي بالحراك العقلي، ولذا روي عن عبدالله بن مسعود أنه كان في الصلاة كأنه الثوب المعلق على الفلان، قال أبو سعيد الكدمي: “المعنى أنه لا يتحرك إلا في معانيها”([10])، وذلك لأن الصلاة لا يقصد منها الحركات والأقوال، بل قصد بها الفهم والتدبر والإعمال العقلي للعمل والتنفيذ.

الأمر الثاني: التذلل، إذا أدرك المصلي معاني صلاته، فتكون معطياته الرغبة والرهبة من الله والاعتراف بنعمته، وكل ذلك يولّد التذلل والخضوع والسكون لا في الصلاة وحدها، بل في الصلاة وما بعد الصلاة، فيعيش خاضعاً لله متذللاً له، فيدرك ويشعر بالحقيقة الجاذبية([11]) بينه وبين ربه وكونه.

والآيات القرآنية واضحة بيّنة في الإشارة إلى هذا المعنى ومنها قوله تعالى: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ۝ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} الأنبياء:89-90، فالحقيقة الجاذبية تأخذ الإنسان إلى المسارعة في الخيرات والرغبة والرهبة والخضوع والطاعة، فالخشوع هنا أتى في التصوير الطاعة المطلقة.

والروايات التي سردت في ذلك هي في حقيقتها تشير إلى نتيجة حضور القلب بالتفكر والتدبر في الصلاة وقراءة القرآن، فحينما يخشع القلب أي يتدبر ويتذلل تخشع جوارحه أي تسكن بلا تعمد، فهي نتيجة مؤثرة سببها اشتغال القلب بمعاني الصلاة.

وذلك لا يتحقق إلا إذا تدبر المصلي صلاته، فيخرج بنتيجة الخضوع والتذلل، والعمل بمقتضى الكتاب العزيز، لأن فهم الدستور القرآني والتذكير بمطالبه، يجعل العباد على صلة دائمة بالله، من هنا جاء النص بتبيين علة إقامة الصلاة، قال تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي} طه:14، والعلة من إقامة الصلاة في اليوم خمس مرات تذكيراً بالله وآياته التشريعية والكونية.

ومن هنا جاء الفلاح للخاشعين في الصلاة، قال الله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ۝ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} المؤمنون:1-2، والملاحظ في لفظة الخاشعين إتيانها هنا في صورة اسم الفاعل، مما يشير إلى أن الخشوع في حقيقته تدبر مستمر للصلاة ولكتاب الله، فيؤدي إلى العمل والتطبيق.

فالأجل ذلك هم مفلحون، والفلاح هنا فلاح في الدنيا وفلاح في الآخرة، فالبخشوع التدبري يبني المصلي علاقة مع الله والمجتمع والكون.

كما جاء في وعد المؤمنين والمؤمنات بمغفرة من الله وأجراً عظيماً، قال عزّ وجل:{إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} الأحزاب:35، وذلك لكونهم يعملون عقولهم في الصلاة فيما يُقرأ ويحرك ليتدبر ويطبق.

ولا يقصد بالتدبر والتفكر في الصلاة ما يمارسه البعض من أن يجعل الكعبة بين حاجبيه، والصراط تحت قدمه، والجنة عن يمنيه، والنار عن شماله، ومالك الموت وراءه([12])، وذلك لأن الصلاة ليست موضعاً للتصورات والتخيلات، بل هي مطلب تدبري حضاري لما يقال ويفعّل فيها، وثمة هذا التصور فيه ما فيه من بعض التصورات التي لا تعتبر من أصول الإسلام كوضع الصراط تحت قدمه.

ومن المعلوم بأن مسألة الصراط بالمفهوم الروائي لم تنص عليه النصوص القطعية، ولا اتفقت عليه الأمة، وما روي فيها من أنه جسر ممدود على متن جهنم يعبره الناس، وهو أحد من السيف وأدق من الشعرة، فالظاهر أنه مجرد تمثيل في إتباع الحق، ليس إلا، هذا إذا صحت نسبت الرواية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن اعتبره متعلقاً بالآخرة، فأمور الآخرة لا يستدل بها بالظنيات، لذا فهي أقرب إلى التمثيل الميثولوجي أو الخرافي، مستخلصة من العقيدة الإرجائية، وثمة لا علاقة له بالخشوع، لأنه بذلك لا يتدبر الصلاة ولا يعقلها، بل يسبح في خيالاته وتصوراته الأسطورية حسب رواية الصراط، ولا فرق في ذلك سواء داخل الصلاة أو قبيل الدخول فيها.

حين يطلب من المصلي التدبر والوعي للصلاة فإنها تقدم له معطياتها بقدر اجتهاده في التدبر، سواء المعطيات الدنيوية أو الأخروية، لذلك روى ضمام بن السائب عن جابر بن زيد قال: “أجمع العلماء على أن ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها”([13])، وهي رؤية مستخرجة من النص القرآني إذ يقول الله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى ۝ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ۝ ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى} النجم:39-41.

والخلاصة هي أن فلسفة الخشوع تبدأ بالتدبر العقلي، وهي الشفرة المولدة للتذلل والخضوع، وبذلك يقدم معطيات إيجابية، ليست مظاهر متعلقة بأفعال الجوارح، فهذه نتائج جزئية، بينما هي حراك فكري مستمر يولّد تطلعات متجددة إزاء الله والإنسان والكون، تنهاه عن الفحشاء والمنكر وتفرض عليه صلة قوية متينة بين عالمه الدنيوي وعالمه الأخروي.

 

 

 

 

 


[1] السالمي، معارج الآمال، ج3، ص14.

[2] المرجع السابق.

[3] الرازي، التفسير الكبير، ج23، ص68.

[4] كنز العمال، (22530).

[5] المنذري، الترغيب والرهيب، ج1، ص 244.

[6] مسلم، (602).

[7] الزمخشري، الكشاف، ج4، ص 496.

[8] ابن بركة، الجامع، ج1، ص549.

[9] بيان الشرع، ج12، ص62.

[10] المرجع السابق.

[11] المقصود فطرة التعبد والتعمير الكوني التي جُبل عليها الإنسان.

[12] الغزالي، إحياء علوم الدين، ج1، ص151.

[13] السالمي، معارج الآمال، ج3، ص13.

 

0 2371 10 يونيو, 2011 العدد الخامس عشر, ثقافة وفكر يونيو 10, 2011

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.