مبررات التفلسف: هل هو حاجة أم زيادة عن الحاجة؟

هل الفلسفة هروب وتعالٍ على الواقع أم عودة وانغماس في الواقع؟ هل دخلت في الفلسفة هروبا من شيء ما أم بحثا عن شيء ما؟ هل تتفلسف لأجلك ولإشباع فضولك المعرفي أم لأجل الناس والمجتمع؟ هل تتفلسف انطلاقا من مركزية الذات أم من مركزية الجماعة؟

 

د. عبد السلام بن عبد العالي:

إن الأمر لا يتعلق بابتعاد متعال، ولا بانغماس في المألوف، وتقبّل لما عليه الأمر. وهذا ينقلنا إلى الشق الثاني من السؤال: هل يتفلسف المرء لأجل نفسه، لإشباع فضوله المعرفي أم لأجل الآخرين؟ أعتقد أن علينا أن نستبعد أولا هذا الربط بين التفلسف وإشباع الفضول المعرفي. مبدئيا من يروم إشباع فضولنا المعرفي هم العلماء الذين ينتجون معارف، كل في ميدانه وحسب موضوعاته. لا أعتقد أن الفلسفة “تزودنا” بمعارف، ربما العكس هو الصحيح، وهو أنها تدفعنا لطرح معارفنا موضع سؤال. ولعل المثال السقراطي بليغ في هذا المجال. ويكفي أن نتذكر عبارته المأثورة: “كل ما أعرفه، هو أنني لا أعرف شيئا”. وقد سبق أن قلنا إن السؤال الفلسفي يقحم الفراغ فيما يبدو ممتلئا. إن كان هناك تملك في هذا الصدد فهو تملك لفراغات، وفحص ليقينيات، وإعادة نظر في البدهي.

بقي علي، استكمالا للجواب عن السؤال الثاني، أن نعرض لهذا التقابل بين التفلسف من أجل الذات أو من أجل الآخرين؟ يحيلنا لفظ “لأجل” إلى الغاية المتوخاة من التفلسف، و”الخدمة” التي يقدمها، والوظيفة التي يُناط بها. لذا، فربما لا يتخذ هذا السؤال معناه إلا إن سلمنا بوظيفة اجتماعية للفلسفة، ونزّلناها منزلة الأيديلوجية. حينما كنت أدرس الفلسفة في الفصل الدراسي كنت ألجأ إلى التعبير باللغة الفرنسية وأقول لطلبتي: L’idéologie range et arrange, la philosophie dérange ” إن الأيديلوجية تحدد لك موقعا، وتعمل على طمأنتك، بينما تهدف الفلسفة إلى زعزعة المواقع”. لا يعني هذا مطلقا أن الفلسفة بعيدة عن المجتمع، أو أنها لا تُشرط بشرائطه، كل ما في الأمر أنها ليست دفاعا عن حقيقة تتهم غيرها بالضلال، وهي لا تتخذ موقعا بعينه.

 

د. محمد شوقي الزين:

أظن أن الفلسفة هي كل هذا: في الوقت نفسه مسافة (أو هروب) وقربة (أو عودة). فهي تبتعد للحصول على مسافة مُثلى لرؤية الواقع رؤية وسطية ومعتدلة، يكون فيها العدل والاعتدال هو الأساس. لأن لو كانت الفلسفة قريبة جدًّا من الواقع، فهي تفقد خاصيتها في سياسة الأفكار والمفاهيم المجرَّدة، ومن ثمَّ فإن علم الاجتماع هو أحسن ما يُعبِّر عن الواقع ويتفوَّق عليها في هذا المجال، ولو كانت بعيدة جدًّا عن الواقع، فهي تفقد دورها في ربط الأفكار بالتعيُّنات الواقعية وتمتحن هذه الأفكار والمفاهيم على محك الوقائع.

معنى ذلك أن الفلسفة لا بد أن تكون «فعلًا متعدِّيًا»: لا نكتفي بأن نتفلسف لذواتنا ولفضولنا المعرفي، بل نتعدَّى ذلك نحو اقتراح خريطة في قراءة الواقع بما نُشكِّله من أفكار ومفاهيم، ونحو التواصل مع الغير. فهي مهمَّة مزدوجة: تخص الذات بالتكوين والفضول والمعرفي، وتخص الغير بالإسهام في بلورة شبكة من المفاهيم من شأنها أن تقرأ الواقع وتقترح الحلول الممكنة لمعضلات تطرحها تعقيدات هذا الواقع.

ثم إن التفلسف في نظري هو تفلسف «علائقي»، فلا ينطلق من مركزية الذات أو من مركزية الجماعة، بل يرى نمط العلاقة بينهما، ولماذا تفوقت الذات على الجماعة في الثقافة الغربية، وتفوقت الجماعة على الذات في الثقافات الأخرى، ومن بينها الثقافة العربية الإسلامية. عندما نُحدد طبيعة العلاقة بين الذات والجماعة، نُدرك وقتها قيمة التفلسف المراد مباشرته. إذا كانت العلاقة مختلة بطغيان الفرد على المجموع كما هي الحالة الغربية أو طغيان المجموع على الفرد كما هي الحالة العربية الإسلامية، وجب التفكير في التوازن الممكن بينهما والتفكير في آليات هذا التوازن والطريقة التي يتحقق بها فعليًا.

 

د. محمد المصباحي:

من البيّن بنفسه أنه لا يمكن أن يكون الهروب من الواقع سمة للفلسفة والتفلسف، لأن الفلسفة في أصلها مواجهة وتحدي، وأنها منذ أن كانت لا تتخاذل أمام استفحال أزمات الواقع، ولا تتقاعس حيال استحالة تحقيق الآمال في الإقلاع. الفلسفة بطبيعتها الأصلية إقدام وتحمل للمسئولية تجاه المدينة كيفما كانت المخاطر، ومثال سقراط يشهد على ذلك. لكن هذا لا يعني أن الفلسفة تخضع للواقع وتستغرق في أوحاله، أو أنها ترضى بأن تتحول إلى قول تابع له يخدم أغراضه ومآربه دون تمحيص ونقد. بل الفلسفة لا يمكن أن تستحق هذا الاسم لولا تعاليها عن الواقع بفضل المفهوم والتحليل والنظرة العامة لرؤية الواقع ككل في شموليته.

بهذه الجهة تتحدد الفلسفة بكونها رفضاً لاستلاب الواقع واسترقاقه بحثا عن الحرية وعن الحق في التفكير بعيدا عن أية وصاية تفرضها العقائد والإيديولوجيات والثقافات والعشائر التي تنظم الواقع. كل هذا لا من أجل إشباع فضول معرفي، لأن من يبحث عن المعرفة عليه أن ينشدها خارج الفلسفة في مجالات أخرى، بل من أجل إشباع فضول السؤال والحيرة وإعادة النظر في المعتقدات والإيديولوجيات والأفكار المسبقة المعيقة للتقدم. هذا علاوة على أن الفلسفة، كما قلنا، ليست إيديولوجية، لا تتبنى مشروعا محددا لبناء مدينة فاضلة، وإنما هي أداة لصقل الذات، لوضع الإنسان في مركز الصدارة.

د. الزواوي بغورة:

هذا سؤال مركب من أربعة أسئلة جزئية، تحتاج إلى قدر من التحليل، وإن كانت تشترك في سمتين: أولها البناء على منطق التقابل المتمثل في (إمَّا – أو). وثانيها، الجمع بين الخاص والعام. وإذا بدأنا بالعام المتعلق بطبيعة الفلسفة هل هي هروب أم انغماس في الواقع، فإنَّني أرى أن المشكلة تتمثل في مفهوم الواقع وكيف نفهمه؟ فإذا فهمنا من الواقع ما هو حقيقي، فإنَّ الفلسفة كانت ولا تزال تمثل البحث عن الحقيقة، وأمَّا إذا كنا نفهم من الواقع ما هو عملي، وجارٍ في حياة الناس، فإنَّ للفلسفة مفهومها لهذه العلاقة التي تتسم بطابعها غير المباشر، وبآثارها على عقول وسلوك الناس، مع الإقرار بالتفاوت في هذا التأثير.

فمثلا عندما تتحول بعض المفاهيم الفلسفية إلى عنصر إيديولوجي، فإنَّ هذا التأثير يكون بارزا، سواء قبلناه أم رفضناه، ولكنها عندما تتصل بالحقائق النظرية المجردة، فإن تأثيرها يحتاج الى تحليل وتفسير وبيان. ولكن في الحالتين، فإن علاقة الفلسفة بالواقع، كانت ولا تزال إحدى القضايا المركزية التي طبعت تاريخ الفلسفة. هذا على مستوى السؤال الجزئي العام، وأمَّا على مستوى الأسئلة الخاصة، فإنَّني دخلت الفلسفة حبا في معرفتها، وليس هروبا من أي شيء من الأشياء، وطلبا للحقيقة التي أعمل جاهدا على الكشف عنها من خلال سلسلة الأبحاث التي أنجزتها.

وبالطبع، فإنَّني انطلق من أسئلتي الخاصة التي تتقاطع مع بعض الأسئلة التي يطرحها المجتمع. إنَّ سؤال اللغة ليس سؤالا ذاتيا محضًا، وإنَّما هو سؤال مطروح في مجتمعنا، وأحاول أن أقدم حوله الإضاءات التي أرى أنها تشكل عناصره الحقيقية والمفيدة للمجتمع. وعليه، فإن التفلسف عمل ذاتي، ينجزه الفلاسفة، ولكن ذلك لا يعني أن الفلاسفة يشبهون نبات الفطر، كما قال ماركس، إنهم أبناء مجتمعاتهم وثقافتهم التي تحضر بطريقة واعية أو غير واعية في تفلسفهم وفلسفاتهم.

 

د. عبد الله السيد ولدبّاه:

كان بول ريكور يقول إنه دخل عالم الفلسفة خوفا من انفصام الشخصية. أظن في ضوء هذا القول إن الناس عادة تسلك طريق الفلسفة من أجل البحث عن الوضوح في الذهن والسكينة في التفكير. مهما قيل عن الفلسفة بأنها شك ونقد وتفكيك، إلا أنها في الوقت نفسه تصور وتوضيح وتدقيق. كان أفلاطون يقول إن دور الفلسفة هو تصفية الكلام لأن الحقيقة محدودة نادرة. لم يتغير هذا الهدف اليوم مع الفلسفة المعاصرة.

فتغنشتاين يقول إن مهمتها هي التوضيح والفصل بين المعنى ولغو الكلام. العبارات كثيرة والمفاهيم نادرة كما يقول فوكو، وهو يعني هنا التصورات ذات القيمة النظرية الإشكالية. لقد دخلت للفلسفة بحثا عن الأفكار الرصينة والمعاني الدقيقة والنظريات المحكمة. لم أدخل لتغيير الواقع أو حتى فهمه، بل إن الابستمولوجيا المعاصرة علمتنا أن الواقع مبني مركب وليس معطى طبيعي. لم أنسق يوما لعبارة ماركس الشهيرة: “الفلاسفة لم يفعلوا سوى تفسير العالم بينما المطلوب تغييره”.