الحاجة إلى الطبيعة في العصر الرقمي

كتب بواسطة حافظ إدوخراز

الكاتبة: ميلوزين مارتان / باحثة في علم الاجتماع البيئي، جامعة السوربون (فرنسا)

ترجمة: حافظ إدوخراز

إن أعظم الثورات هي تلك التي تحدث في صمت. إنها تقوم على نحو بطيء، ومن دون أن ندرك ذلك، بتحويل جميع عناصر حياتنا اليومية، الواحد تلو الآخر، حتى يحلّ ذلك اليوم الذي عندما نتمعّن في وجودنا، ندرك أننا لم نعد نتعرّف عليه. لقد دخلت الإنترنت إلى حياتي في عام 1999. كان والداي قد استثمروا للتو في شراء حاسوب، وعلى هذه الشاشة الرقمية، وهذا الابتكار الذي وُلد من عقل ويد الإنسان، ارتسم عالم جديد من الاحتمالات. أعترف بأنني ساعتها لم أفهم الكثير، وأن حيرتي لم يكن يضاهيها سوى عدم اكتراثي. لم أكن أدرك أن العالم كما عرفته قد تغير إلى الأبد، وأن علاقتي بالطبيعة ستأخذ بُعدا جديدا.

وفي الوقت الذي يعيش فيه أكثر من نصف سكان العالم في المدن، في بيئات تسود فيها التكنولوجيا الرقمية؛ فإن علاقة البشر بالطبيعة في مجتمعات ما بعد الصناعة هي في أحسن الأحوال معقّدة، وفي أسوئها غير موجودة. غالبا ما ننظر إلى الطبيعة من منظور ثقافتنا. نحن نحبها أكثر بهذه الطريقة؛ لأنها تبدو أقل تهديدا. في عصر الثورة الرقمية، حيث نقضي المزيد والمزيد من الساعات أمام شاشات الهواتف أو الحواسيب أو الألواح الإلكترونية، يبدو أن إعادة الاتصال بالطبيعة هو حلّ للفوضى الحديثة.

الطبيعة كعلاج: بالأمس واليوم

إن فكرة الطبيعة كعلاج لأمراض الحضارة ليست جديدة. والأمثلة على العودة إلى الطبيعة كرد فعل على سياق حضري أو صناعي معيّن هي كثيرة، منذ العصور القديمة إلى التجارب الحالية للمزارع الحضرية والقرى البيئية، مرورا بالحركة المتعالية وفترة الثقافة المضادة.

في القرن التاسع عشر، فسّر هنري ديفيد ثورو (Henry David Thoreau)، في مؤلّفه “والدن أو الحياة في الغابة” (Walden; Or, Life in the Woods)، قراره بالعيش في كوخ وسط الغابة وبعيدا عن المجتمع قائلا:

“كنت أذهب إلى الغابة لأنني أردت أن أعيش بدون تعجُّل، وأن أواجه فقط الأحداث الأساسية في الحياة، وأرى إن كان بإمكاني أن أتعلم منها ما لديها أن تعلمني إياه، وألا أكتشف عندما تحين ساعة وفاتي أنني لم أعش.”

في القرن العشرين، قرر الزوجان هيلين وسكوت نيرنغ (Helen et Scott Nearing)، وهما من أهم رموز حركة “العودة إلى الأرض” (back to the land) التي كان لها تأثير في الولايات المتحدة خلال ستينيات القرن الماضي، ترك وظائف مستقرة في نيويورك للعيش في مزرعة مكتفية ذاتيا في ولاية فيرمونت. واليوم، في القرن الحادي والعشرين؛ فإننا نعيد تعريف علاقتنا بالطبيعة من خلال العلم. يُظهر المزيد والمزيد من الباحثين أن صحة الإنسان ترتبط ارتباطا جوهريا بالطبيعة، وأن الفوائد التي نجنيها من الاتصال بالطبيعة تتناسب مع الوقت الذي نقضيه في الهواء الطلق. إنهم يؤكدون الآن ما شعر به الإنسان دائما على نحو غريزي: قضاء الوقت في الطبيعة أمر حيوي بالنسبة إلينا.

لقد ترعرعت في المدينة، أو بالأحرى بين المدينة والطبيعة؛ لأن كل مدينة لديها دائما القليل من الطبيعة، من خلال الأشجار التي تصطف طرقها، والمنتزهات المنتشرة هنا وهناك. عندما وصلت الإنترنت، ببطء ولكن بثبات، غدت ساعات يومي ساعات أقضيها في العمل أمام الشاشة. أصبحت الحاجة إلى الطبيعة أكثر حدّة، وأصبحت الاستراحة الخضراء بعد ساعات من العمل على الحاسوب منقذة للحياة ونسمة حيويّة من الأوكسيجين غير أنها كانت محدودة.

وفي حين أن استخدام التقنيات الرقمية يعزز القلق والاكتئاب واضطرابات الانتباه، أثبتت العديد من الدراسات العلمية أن قضاء الوقت في الطبيعة يعيد ترميم قدراتنا المعرفية ويقلل من إجهادنا. يوضح ديفيد ستراير (David Strayer)، الباحث في جامعة يوتا، أن قشرة الفص الجبهي، مركز التحكم في الدماغ، التي تتعرض للإجهاد المفرط بسبب استخدام الإنترنت والشبكات الاجتماعية، تكون في حالة تأهب شبه دائم؛ لكنها تستريح عندما يكون الإنسان في بيئة طبيعية، مما يتسبب في انخفاض موجات ثيتا الدماغية وتعزيز الإبداع والتواصل العاطفي وحتى الحدس.

أفكارنا عن الطبيعة: ثنائية الإنسان/الطبيعة

قد تكون تأثيرات الطبيعة على الدماغ البشري واضحة؛ لكن أفكارنا ومعتقداتنا حولها تستمر في التطور. وفي إطار أطروحتي للدكتوراة بإشراف مشترك من جامعة أسترالية، كان لا بد أن أدرس الطريقة التي ينظر بها السكان الأصليون في أستراليا إلى الطبيعة. لا ترسم ثقافتهم خطا واضحا فاصلا بين مفاهيم البيئة الطبيعية والمسكن. إن ثنائية الإنسان/الطبيعة، وتُسمى أيضا ثنائية الطبيعة/الثقافة، والتي تؤدي إلى الفصل الذي نخلقه على نحو دائم تقريبا، وغالبا بدون وعي، بين الذات والطبيعة، هي نتاج لنظام المعتقدات الغربية. فعندما نفكر في ماهية الطبيعة، عن أي طبيعة نتحدث؟ عن طبيعة مثالية نصبغها بالمعتقدات الرومانسية؟ أم عن طبيعة تدركها الحواس دون حكم العقل؟

يستنكر ويليام كرونون (William Cronon)، في مقالته الموسومة “العودة إلى الطبيعة الخاطئة” (Going Back to the Wrong Nature)، التصور الخاطئ الذي يحمله المجتمع الغربي عن الطبيعة؛ إذ إن الطبيعة التي يُنظر إليها كنقيض للحضارة، تغدو فضاءً بريّا ونقيّا يتجه نحوه الإنسان الفارّ من المجتمع من أجل إعادة شحن بطارياته، والبحث عن الراحة وإعادة الاتصال مع نفسه. إنها طبيعة تبدأ حيث تنتهي المدينة، وطبيعة غريبة علينا إنما نعبر خلالها فقط. إنها طبيعة يتوجّب علينا من أجل أن نعود إلى البيت أن نغادرها. يفاقم هذا التصور الذي نحمله عن الطبيعة من الفصل بين الإنسان وبيئته. وكما يوضح كرونون:

“إذا سمحنا لأنفسنا بالاعتقاد بأن الطبيعة، لكي تكون حقيقية، يجب أن تكون أيضا متوحشة؛ فإن وجودنا وسطها يمثل انهيارها. المكان الذي نوجد به هو المكان الذي لا توجد به الطبيعة.”

هل تعتقد حقا باعتبارك إنسانا أنك جزء من الطبيعة؟ كثير من الناس سوف يجيبون بنعم. والآن، هل تعتقد أن المدينة التي تعيش فيها هي جزء لا يتجزأ من الطبيعة، وأنه ليس ثمة فرق بين هذه المدينة والطبيعة؟ قد يكون تصور ذلك أصعب بكثير. ربما تكون على وعي بأن المدينة التي تعيش فيها قد بُنيت فوق بيئة طبيعية تستمر في الوجود تحت إسفلت الطرق والأزقة، وبأن كل ما تتشكّل منه هذه المدينة، بما في ذلك منزلك، يأتي من مواد ومكونات طبيعية، كما أن الخرسانة ليست سوى تجميع لمواد من أصل معدني (الرمل، الجير، الطين…)، وأن البلاستيك يُصنع من مواد خام مثل النفط والغاز الطبيعي والفحم؟

ومع ذلك، من الصعب علينا أن نتقبل أن تكون المدينة والطبيعة شيئا واحدا، وأن بإمكان المدينة أن تكون امتدادا للطبيعة، تماما مثلما أن الطبيعة جزء من المدينة. من الصعب علينا أن نتقبل أن بيتنا هو أولا كل هذه البيئة الطبيعية التي تُبنى وسطها منازلنا.

اضطراب نقص الطبيعة: مرض حديث؟

يندّد البروفيسور الأسترالي غلين ألبريشت (Glenn Albrecht) بالضيق المزمن الذي يعاني منه الإنسان أمام التحولات التي لحقت بالمناظر الطبيعية منذ الثورة الصناعية. لقد صاغ مصطلح “السولستالجيا”[1] (Solastalgia) من أجل وصف ذلك الشعور بأن ثمة شيء ما خاطئ، وذلك الانطباع بأننا لسنا في مكاننا، أو كما يصفه هو بنفسه، ذلك الشعور بالحنين إلى الوطن حتى عندما نكون في البيت. لقد اشتقّ المصطلح من الكلمة اللاتينية “سولاسيوم” (solacium) بمعنى الارتياح والتسكين، وكلمة “ألجيا” (algia) ​​ أي الألم والمعاناة. يحيل هذا المصطلح الجديد على حاجتنا العميقة إلى السكون (والذي لا يبدو أنه في المتناول في بيئة حضرية)، وكذلك على الرابطة التي فقدناها مع الطبيعة.

يتحدث الصحفي الأمريكي ريتشارد لوف (Richard Louv) عن “اضطراب عجز الطبيعة” (nature-deficit disorder)، ولقد استنكر الميل المتزايد لدى الأجيال الشابة لقضاء وقت أكثر محبوسين أمام الشاشات مقارنة بالوقت الذي يقضونه في الخارج لاكتشاف بيئتهم الطبيعية. ومع استمرار الاستهلاك المتزايد لمزيلات القلق والأقراص المنوّمة ومضادات الاكتئاب للتعامل مع القلق والتوتر اليومي، قد يكون البلاء الحديث هو نقص الطبيعة.

وبينما تدفعني أبحاثي من أجل أطروحة الدكتوراه إلى مساءلة المعتقدات الأساسية حول الطبيعة وحول هويتنا في جوانبها المرتبطة بالطبيعة؛ فإن التقدم الذي أحرزته في عملي لا يسمح لي بعدُ بتقديم إجابات واضحة حول هذا الموضوع. ومع ذلك؛ فإن تخصيص بعض الوقت من أجل التنزه في الغابة أو من أجل السباحة في البحر أو مجرد قراءة كتاب في متنزّه هي كلها وسائل من أجل إعادة الاتصال بالطبيعة. لقد أظهر باحثون يابانيون أن المشي المنتظم في الغابة (ما يسمونه أخذ حمام غابة) يؤدي إلى انخفاض مستوى الكورتيزول في الدم، وخفض ضغط الدم، كما ينشّط الجهاز العصبي اللَّاوُدِّيّ، مما يُثير استجابة الجسم بالاسترخاء. يجعل عالمنا اليوم من استخدام التقنيات الرقمية والإنترنت أمرا لا مفر منه، وبما أنه لا يمكن العودة إلى الوراء؛ فمن الضروري إيجاد توازن في استخدامنا لهذه التقنيات. تبدو إعادة اكتشاف علاقتنا بالطبيعة ورعاية هذه العلاقة نقطة انطلاق جيدة.


[1]   يشير مصطلح “السولستالجيا” (Solastalgia) إلى المعاناة النفسية لبعض الناس بسبب الطبيعة المتغيرة والمناظر الطبيعية التي دمرها التغير المناخي [المترجم].

مصدر المقال: موقع The Conversation.

https://theconversation.com/le-besoin-de-nature-a-lere-digitale-entre-science-et-philosophie-95801

مختارات الثقافة والفكر

عن الكاتب

حافظ إدوخراز