خطاب سلافوي جيجك في معرض فرانكفورت للكتاب 2023م([1]).

ترجمة: علي الرواحي.

في افتتاح معرض فرانكفورت للكتاب، يقول سلافوي جيجك: “لا يزال الأدب هو الوسيلة المميزة؛ لأنه بدون الكتب لا يوجد حل لحرب غزة”.

أنا فخور بوجودي هنا، في معرض فرانكفورت للكتاب، فخور -ولو بدون شولتز- لأن الحاجة إلى الكتب اليوم أكثر من أي وقت مضى -بدونها لا يوجد حل لحرب غزة الرهيبة- لماذا؟ إنني أدين هجوم حماس على الإسرائيليين بالقرب من حدود غزة دون أي شرط أو تبرير، وأعطي إسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها وتدمير ما يهددها؛ لكني لاحظت شيئاً غريباً : عندما تذكر ضرورة تحليل خلفية الوضع، عادة ما تتهم بدعم أو تبرير إرهاب حماس. فهل ندرك مدى غرابة هذا المنع من التحليل؟

كان عنوان الحوار الأخير حول معاداة السامية ومقاطعة المقاطعة في مجلة “دير شبيجل” هو: “من هو معاد للسامية يحدده اليهودي، وليس من خلال معاداة السامية المحتملة”، حسناً، يبدو الأمر منطقياً، يجب على الضحية بنفسه أن يقرر ما إذا كان هو أو هي ضحية حقاً. ولكن ألا ينطبق هذا أيضاً على الفلسطينيين، الذين يجب أن يكونوا قادرين على تحديد من يسرق أرضهم ويحرمهم من حقوقهم الأساسية؟ ومع ذلك، من خلال تحليل الخلفية، لا أقصد هذا الهراء الكامل الذي يتنكر في حكمة عميقة: “العدو هو شخص لا تعرف تاريخه “هل هذا معقول؟ فيما يلي أهم قصتين عن إسرائيل اليوم. وقال إسماعيل هنية، زعيم حماس، الذي يعيش بشكل مريح في دبي، يوم الهجوم: “لدينا شيء واحد فقط نقوله لكم: اخرجوا من بلدنا. اخرجوا من أعيننا…هذه الأرض لنا، القدس لنا، كل شيء (هنا) لنا… لا مكان ولا أمان لكم”.

لا لبس فيه ومثير للاشمئزاز – ولكن ألم تقل حكومة إسرائيل شيئاً مماثلاً، وإن لم يكن بهذه الطريقة الوحشية؟ فيما يلي أول “المبادئ الأساسية” الرسمية للحكومة الإسرائيلية الحالية: “للشعب اليهودي حق حصري وغير قابل للتصرف في جميع أجزاء أرض إسرائيل. وستشجع الحكومة وتطور الاستيطان في جميع أجزاء الأرض”. إسرائيل والجليل والنقب والجولان واليهودية والسامرة”، أو كما أعلن نتنياهو: “إسرائيل ليست دولة لجميع مواطنيها”، بل “دولة الشعب اليهودي – وهذا فقط”.

ألا يحول هذا “المبدأ” دون أي مفاوضات جدية؟ يتم التعامل مع الفلسطينيين بشكل صارم كمشكلة، ولم تمنحهم دولة إسرائيل الأمل أبداً وحددت بشكل إيجابي دورهم في الدولة التي يعيشون فيها. تحت كل الجدل حول “من هو الأكثر احتمالا أن يكون إرهابيا” تكمن مثل سحابة داكنة ثقيلة جماهير العرب الفلسطينيين، الذين ظلوا في طي النسيان لعقود من الزمن ويتعرضون للمضايقات اليومية من قبل المستوطنين والدولة الإسرائيلية. من هم، ما هو البلد الذي يعيشون فيه؟ الأراضي المحتلة، الضفة الغربية ويهودا والسامرة…أو دولة فلسطين، التي تعترف بها حالياً 139 دولة من أصل 193 دولة عضو في الأمم المتحدة.

لقد تحدث الجيل الأول من القادة الإسرائيليين (من بن غوريون إلى موشيه ديان) بلغة مختلفة تمام الاختلاف: فقد اعترفوا صراحة بأن مطالباتهم بأرض فلسطين لا يمكن تبريرها بالعدالة العالمية. في 29 أبريل 1956م، وقعت حادثة في غزة: عبرت مجموعة من الفلسطينيين من غزة الحدود لنهب المحاصيل في حقول كيبوتس ناحال عوز؛ روي، وهو عضو يهودي شاب في الكيبوتس كان يقوم بدوريات في الحقول، ركض باتجاههم على حصانه لمطاردتهم بعيدًا؛ تم القبض عليه من قبل الفلسطينيين، وبحلول الوقت الذي أعادت فيه الأمم المتحدة جثته، كانت عيناه قد اقتلعتا. وألقى موشيه ديان، رئيس الأركان في ذلك الوقت، كلمة تأبين في جنازته في اليوم التالي: “دعونا لا نلقي باللوم على القتلة اليوم. ما هو ادعاؤنا ضد كراهيتهم القاتلة لنا؟ لقد عاشوا كلاجئين في مخيمات غزة على مدى السنوات الثمانية الماضية، في حين قمنا بتحويل الأرض والقرى التي عاشوا فيها هم وأجدادهم ذات يوم إلى تراثنا الخاص أمام أعينهم”.

هل من الممكن تخيل بيان مماثل اليوم؟ فكم نحن بعيدون عن الوضع الذي كنا عليه قبل عقود قليلة، عندما كنا نتحدث عن اتفاق “الأرض مقابل السلام” وحل الدولتين، عندما كان حتى أقوى مؤيدي إسرائيل اليوم يضغطون من أجل عدم بناء المستوطنات في الضفة الغربية! وفي عام 1994م، أقامت إسرائيل جداراً يفصل الضفة الغربية عن إسرائيل عام 1967م، واعترفت بالضفة الغربية ككيان خاص. والرئيس الصوري للحكومة الإسرائيلية اليوم هو إيتمار بن جفير الذي دخل السياسة من خلال الانضمام إلى حركة الشباب التابعة لحزب كاخ وكاهانا تشاي، الذي تم تصنيفه على أنه منظمة إرهابية وحظرته الحكومة الإسرائيلية نفسها. وعندما تم تجنيده في الجيش الإسرائيلي في سن 18 عاما، تم منعه من الخدمة بسبب خلفيته السياسية اليمينية المتطرفة. ومثل هذا الشخص، الذي أدانته إسرائيل نفسها باعتباره عنصرياً وإرهابياً، هو الآن وزير الأمن القومي الإسرائيلي، الذي من المفترض أن يحمي سيادة القانون…

لنتذكر الصراع الكبير الذي قسم إسرائيل في الأشهر الأخيرة؛ حيث علق يوفال هراري على الإجراءات التي اقترحتها حكومة نتنياهو بأشد العبارات وحشية: “هذا بالتأكيد انقلاب. إسرائيل في طريقها إلى التحول إلى دكتاتورية”. لقد انقسمت إسرائيل بين الأصوليين القوميين، الذين أرادوا إلغاء السمات الأساسية لسلطة الدولة القانونية، وأعضاء المجتمع المدني، الذين كانوا يدركون هذا الخطر. فبهجوم حماس تم التغلب على الأزمة (على الأقل مؤقتاً)، وكانت الغَلَبة لروح الوحدة الوطنية ـ وهو التحرك السياسي الكلاسيكي الذي يتم من خلاله التغلب على الانقسامات الداخلية عندما يتحد الجانبان ضد عدو خارجي.

وربما يتعين على المرء أولاً أن يرى بوضوح حجم اليأس والارتباك الهائلين اللذين قد يؤديان إلى أفعال شريرة. باختصار لن يكون هناك سلام في الشرق الأوسط إذا لم يتم حل القضية الفلسطينية. ثانياً، يجب على المرء أن يقبل أن الحل ليس حلاً وسطاً، أو “التدبير الصحيح” بين الطرفين، بمعنى “يمكن للمرء أن يفهم عناصر معاداة السامية بين الفلسطينيين بسبب الوضع في الأراضي المحتلة” أو “يمكن للمرء أن يفهم الاحتلال الإسرائيلي بسبب تجربته المروعة من العنف المعادي للسامية”…ليس هناك ما يمكن “فهمه” هنا، بل ينبغي على المرء أن يسير في كلا الاتجاهين حتى النهاية، سواء في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية أو في مكافحة معاداة السامية.

إن الصراعين يشكلان لحظتين من نفس الصراع ـ وخاصة اليوم حيث يزدهر الصهاينة المعادون للسامية ـ وهم أناس معادون للسامية ولكنهم يؤيدون توسع إسرائيل، من ـ نعم ـ راينهارد هايدريش إلى بريفيك والأصوليين الدينيين في الولايات المتحدة. أولئك الذين يعتقدون أن هناك “تناقضاً” في موقفي هذا يعانون من ارتباك أخلاقي كامل.

لقد عبر آرثر كويستلر عن حقيقة مريرة: “عندما تفسد السلطة، فإن العكس هو الصحيح أيضاَ؛ فالاضطهاد يفسد الضحايا، ولو بطرق أكثر دقة ومأساوية”. وهذا ينطبق على طرفي الحرب الدائرة، وقد رأى بطلي المطلق، ماريك إيدلمان، ذلك بوضوح.  شارك إيدلمان في انتفاضة غيتو وارسو في عام 1943م وانتفاضة وارسو في جميع أنحاء المدينة في عام 1944م. بعد الحرب، عندما هاجرت زوجته وأطفاله في عام 1968م كجزء من الحملة المتنامية المعادية للسامية، قرر البقاء في بولندا، قارن نفسه بـحجارة المباني المدمرة على أراضي معسكر أوشفيتز، قائلا ً: “كان على شخص ما أن يبقى هنا، مع كل من لقوا حتفهم هنا”.

عمل منذ السبعينيات مع لجنة الدفاع عن العمال. كعضو في منظمة تضامن، شارك في محادثات المائدة المستديرة البولندية عام 1989م. قرب نهاية حياته، دافع إيدلمان علناً عن المقاومة الفلسطينية، مدعياً أن الدفاع عن النفس اليهودي الذي ناضل من أجله كان معرضاً لخطر عبور الخط ليصل إلى القمع. في أغسطس 2002م، كتب رسالة مفتوحة إلى قادة المقاومة الفلسطينية، “بروح تضامن مقاتل المقاومة، كزعيم سابق لانتفاضة يهودية لا تختلف عن الانتفاضة الفلسطينية في الأراضي المحتلة في يأسها”، على الرغم من أنه بالطبع أدان الهجمات العنيفة. إن استبعاد إيدلمان من لقب “يهودي يكره نفسه” سيكون بمثابة الفحش المطلق.

لماذا أقول هذا هنا في فرانكفورت، في معرض الكتاب؟ لأنه فقط من خلال قراءة الكتب يمكننا أن ندرك الوضع، ولا يزال الأدب هو الوسيلة المميزة لجعل الغموض والتعقيد العميق لمعضلتنا ملموسًا. ولهذا السبب صدمت عندما علمت بتأجيل حفل توزيع جائزة الكاتبة الفلسطينية عدنية شبلي، وهو القرار الذي أعتبره فضيحة. إن الإرهاب ضد إسرائيل يتناقض مع كل قيم معرض كتاب فرانكفورت – نعم، والعقاب الجماعي للملايين في غزة وكذلك رفض تكريم عدنية شبلي .لذا، فأنا لست فخوراً بوجودي هنا فحسب، بل أشعر بالخجل أيضاً. حاول أن تتخيل ما كان سيقوله ماريك إيدلمان لو كان على قيد الحياة اليوم!.


[1]) تم إلقاء معظم الخطاب المطبوع هنا في افتتاح معرض فرانكفورت للكتاب، لذلك يختلف قليلاً عن الكلمة المنطوقة مساء الثلاثاء. ننشر النص بإذن المؤلف.

سياسة

عن الكاتب

علي بن سليمان الرواحي

كاتب وباحث عماني