لا شك أن الوضع الفلسطيني عامة والوضع الفلسطيني في قطاع غزة خاصة يمر بمرحلة مفصلية وتحديات جسام ثقال لم تشهد الساحة الفلسطينية مثيل لها منذ النكبة عام 48؛ فاليوم الكثير الكثير من السياسيين والمحللين وفي خضم حرب الإبادة الجماعية التي تشن على قطاع غزة، بدأ يطرح أسئلة من قبيل، من السبب؟ وما هي النتائج؟، وما هي واقعية ما حدث؟، وهل كانت معركة ٧ أكتوبر ضرورية في ظل العلاقات العربية والإسلامية البالغة التعقيد؟.
حقيقة جميع الأسئلة مشروعة، ومن حق أي محلل أو سياسي أو حتى قائد فلسطيني وصولا للفصائل وزعاماتها وحتى أصدقاء الشعب الفلسطيني وأحرار العالم كافة طرح مثل هكذا تساؤلات.
لكن المتأمل بعمق، وعلى مدى الصراع الفلسطيني يدرك بلا أدنى شك أن كل تلك التساؤلات، وإن تمت خلف الكواليس أو حتى في العلن؛ فإنها لا يمكن أن تتم في ذروة الصراع أو إبان حرب الإبادة الجماعية؛ فليس المطلوب منا اليوم أن نحمل مسؤوليات على عاتق فلان أو علان ولا أن نتجاوز ذلك إلى فصيل أو حتى مجموعة معينة؛ فاليوم المعركة على أشدها، وهي بلا شك معركة لها ما بعدها على الصعيد الوطني والنضالي والتحرري، وكل ما يجب علينا فعله الآن أن نبحث في آليات وقف العدوان، وإغاثة شعبنا وفرملة عجلة العدوان المدعوم من دول وازنة اقليميا ودوليا، كأنما أريد لهذا الشعب أن يقتل بصمت.
وإن اتفقنا على المبدأ فلنبحث ما هو قابل للتطبيق فورا للجم العدوان، وايقاف تلك الهمجية المنفلتة من عقالها، والتي لا تميز بين فلسطيني وآخر ولا حتى بين فصيل ورديفه فالكل في دائرة الاستهداف والحرب وحتى المعاناة والقهر سواء.
إننا اليوم ونحن نتابع مجريات حرب الابادة الجماعية والعدوان الإسرائيلي على قطاعنا الحبيب، لندرك غياب حقيقي للكثير من النخب الفلسطينية التي يجب أن تكون سدا منيعا لكل المؤامرات، وتحبط مخططات التهجير والترانسفير التي يقودها نتنياهو وبن غفير على قطاعنا الحبيب، وإن نجحت مثل هذه المؤامرات -لا سمح الله- في غزة فسيأتي الدور على الضفة الغربية، وتمرر مخططات الوطن البديل؛ فسلسة الاقتحامات والتصفيات والقتل والتدمير التي تشنه عصابات المستوطنين بدعم جلي من الحكومة اليمينية المتطرفة؛ لتهدف أول ما تهدف إليه إلى تقطيع أواصر الصلة بين المدن الفلسطينية في الضفة الغربية، وجعلها كانتونات متفرقة أو جزر معزولة محاطة بالمستوطنات تمهيدا لأكبر عمليات سرقة ونهب للأراضي الفلسطينية، وإنهاء المشروع الفلسطيني بإقامة الدولة الفلسطينية وصولا لسياسة الترانسفير في مخططات سموتريش وبن غفير، وهذا بكل تأكيد مدعاة للوحدة الفلسطينية أكثر من أي وقت مضى، ليس على سبيل توحيد الخطاب فقط بل الفعل ورص الصفوف والعمل الموحد من أجل احباط كل هذه الاجراءات العنصرية وسياسة اليمين الاسرائيلي المتطرف.
إن الناظر والمتفحص للسياسة الإسرائيلية، وبالذات الشارع الاسرائيلي اليوم؛ ليدرك من جهة اختلافات أيدلوجية وعميقة تهز كل مناحي الحياة داخل اسرائيل، ويصدق ذلك ما حدث قبل السابع من أكتوبر من مظاهرات وانقسامات، أفرزت حالة عنيفة من التشظي والتشرذم والانقسامات الكبيرة داخل الكنيست الاسرائيلي من جهة وحتى الشارع بكل أطيافه من جهة أخرى.
بل إن النظرة الثاقبة والسطحية على حد سواء للوضع الداخلي الإسرائيلي كفيلة بأن تستخلص عدة مشاهد، وترصد العديد من نقاط الاختلاف الجوهرية قبل السابع من أكتوبر منها على سبيل المثال لا الحصر تقييد صلاحيات المحكمة العليا وقانون التجنيد الإجباري وغيره، لكن الذي حصل بعد السابع من أكتوبر ورغم الانقسامات الكبيرة بين الأحزاب الإسرائيلية يدرك أنه تم تنحيتها جانبا على الأقل في هذه اللحظات، وبهذا تشكل مجلس الحرب المصغر أو ما يطلق عليه الكابينيت الأمني وهو أعلى هيئة وزارية تقود الحرب فرغم الاختلافات الكبيرة داخليا بين وزراء الكابنيت إلا أنهم متفقون في حرب غزة ومتحدون في العدوان الهمجي على قطاعنا الحبيب، وما كان لغانتس ولا يؤاف جالنت أن يجلسا على طاولة واحدة مع نتنياهو بدون العدوان وحرب الابادة الجماعية رغم الانقسامات الكبيرة المتبقية وبذور الانشقاق التي تضرب الشارع الإسرائيلي حتى اللحظة.
وإذا كان الشيء بالشيء يذكر، حري بنا أن ندرك أن الشارع الفلسطيني ضحى وناضل وصبر واحتسب، بل كانت الجبهة الداخلية في أرقى وأبهى مستوياتها، وقدم الشعب الفلسطيني في غزة على وجه الخصوص أيقونة نضالية احتضنت المقاومة وشكلت حصنا قويا من العابثين بالسلم الأهلي وصبر على كل محاولات زرع الفتنة والتشظي وبث بذور الخلاف، وحري بنا وبكل الفصائل أن ترتقي للمستوى النضالي والوطني الذي سطره الشعب الفلسطيني بكل أطيافه، لا أن تبدأ في تحميل المسؤوليات وتلاقف اللكمات وحتى كيل الاتهامات في المرحلة الحالية. لا شك أنه قبل السابع من أكتوبر وبعده، هناك اختلافات وخصومات داخل البيت الفلسطيني ولم تنجح الفصل منذ عقد ونيف في لم شمل البيت الواحد، لكن الضرورة الملحة الآن بل حتمية الواجب تفرض على الكل الفلسطيني تجاه الملحمة التي سطرها الشعب بصموده وتحمله أن يرتب صفوفه ويتحد الآن قبل غد؛ فلا مفر من توسيع منظمة التحرير الفلسطينية بصفتها
الممثل الشرعي والوحيد، لتشمل الكل الفلسطيني ولتكرس حقيقة واقعة أن هناك فصائل فلسطينية ذات ثقل كبير يجب أن تنضم إليها كخطوة أولية وإسعافيه عاجلة نحو اجراء انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني والتشريعي لاحقا.
وهذا لا يعني أن العديد بل الكثير من النخب الفلسطينية والزعامات والقيادات تعالت على انقساماتها، ونسيت خلافاتها وأصبحت تتكلم بصوت واحد وتضع أولوية وقف العدوان وما بعد العدوان من استحقاقات كرفع الحصار وإعادة الإعمار والانعتاق من أطول احتلال عرفه التاريخ المعاصر، لكننا بحاجة لحالة جمعية موحدة من الجميع بلا استثناء وكل الفصائل والزعامات الفلسطينية مطالبة اليوم بتوحيد الخطاب الفلسطيني، وتكاتف الجهود نحو وقف العدوان، والتاريخ لن يرحم من وقف متفرجا أو حتى لم يشارك في معركة الصمود والتحدي فالمعركة اليوم أكبر من أي فصيل أو مجموعة، وأتمنى ألا يقال يوما أن الشعب الفلسطيني بقياداته أضاع فرصة تاريخية واستراتيجية لجني مكتسبات ضحى من أجلها بالغالي والنفيس وعبدها الشعب الفلسطيني بالدماء والتضحيات الجسام.
لذلك كله يتوجب على الفصائل الفلسطينية لمواجهة العدوان الإسرائيلي خطوات ملحة منها:
وحدة الصف والتنسيق: يجب على الفصائل الفلسطينية تحقيق أقصى درجات التنسيق والتعاون بينها لتحقيق الهدف المشترك في مواجهة العدوان الإسرائيلي.
تنظيم الانتفاضة الشعبية في الضفة الغربية: ينبغي على الفصائل الفلسطينية تنظيم حركة انتفاضيه شعبية قوية تشمل مظاهرات سلمية، واعتصامات، وإضرابات عامة، لإظهار الوحدة والتصميم في مواجهة الاحتلال.
التواصل الدولي: يجب على الفصائل الفلسطينية تكثيف الجهود الدبلوماسية والإعلامية لتسليط الضوء على انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي وجرائمه ضد الشعب الفلسطيني، وكسب دعم المجتمع الدولي.
تعزيز القدرات الدفاعية بشتى أنواعها في غزة: ينبغي على الفصائل الفلسطينية تعزيز قدراتها الدفاعية وتصليب جبهتها للتصدي للعدوان الإسرائيلي.
دعم الشعب الفلسطيني لا سيما في غزة: يجب على الفصائل الفلسطينية تقديم الدعم اللازم للمدنيين الفلسطينيين المتضررين من العدوان الإسرائيلي، سواء من خلال تقديم المساعدات الإنسانية أو دعم البنى التحتية المتضررة.
تعزيز الوحدة الوطنية: يجب على الفصائل الفلسطينية العمل على تعزيز الوحدة الوطنية بين جميع الفصائل والفصائل السياسية والمجتمع المدني، وتجنب أي انقسامات داخلية قد تضعف الجهود المشتركة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.
تطوير الاستراتيجيات الفعالة: ينبغي على الفصائل الفلسطينية تطوير استراتيجيات فعالة لمواجهة العدوان الإسرائيلي مثل البناء على قرارات محكمة العدل الدولية.
العمل على توسيع الدعم الإقليمي والدولي: يجب على الفصائل الفلسطينية العمل على توسيع شبكة الدعم الإقليمي والدولي من خلال بناء علاقات دبلوماسية قوية مع الدول والمنظمات الدولية التي تدعم قضية الشعب الفلسطيني.
تعزيز القدرات البشرية: يجب على الفصائل الفلسطينية استثمار في تطوير القدرات البشرية والعلمية للنخب الفلسطينية من خلال التدريب والتأهيل، وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي للمشاركين في المقاومة.
الاستفادة من الوسائل الإعلامية والتكنولوجية: ينبغي على الفصائل الفلسطينية الاستفادة من الإعلام الجديد ووسائل التواصل الاجتماعي في إبراز مظلومية الشعب الفلسطيني.
ختاما، إن الفصائل والقيادات الفلسطينية مطالبة اليوم وقبل أي وقت مضى بالتوحد والحديث بصوت واحد، والبقاء في انعقاد دائم للبحث عن أفضل وسائل الخروج من عنق الزجاجة والحرب المفروضة على شعبنا الفلسطيني لا سيما غزة.

