يناقش هذا الكتاب الفكرة القائلة إن الفنون والثقافة ليستا من ” الرفاهيات ” لكنهما أمران جوهريان في تلك المهمة الأساسية الخاصة بالتنمية ألا وهي: تحسين حياة الناس، فإذا كانت الأمم قادرة على التفعيل الكامل لثروتها الإبداعية، فإنه سيكون من المحتمل أن تحصد مكاسب مالية وغير مالية كبيرة أيضًا. هذا ما يقوله باتريك كاباندا في افتتاحيته لكتابه ” الثروة الإبداعية للأمم..هل تستطيع الفنون أن تدفع التنمية إلى الأمام؟ ” الصادر عن سلسلة عالم المعرفة بدولة الكويت، وأنجز ترجمته إلى العربية المفكر الراحل د. شاكر عبد الحميد، الذي يقول عنه إنه يحتوي على منظور كلي تنتظم في داخله نظريات وأفكار كثيرة حول التنمية على نحو فريد، حيث يمتد مؤلفه برؤيته إلى ما يتجاوز الوقوف عند الجوانب المادية من الاقتصاد، وإلى التركيز على أهمية الفنون والثقافة ودورهما في إثراء حياة البشر، وأيضًا تلك الطرق العملية التي يمكن من خلالها توظيف الفنون وتطبيقها من أجل تعزيز عمليات التقدم الاقتصادي والاجتماعي ذات المعنى. فيما يتساءل أمارتيا سِن في تقديمه لهذا الكتاب قائلًا كيف يمكن أن تعزز الفنون عمليات التنمية؟ مجيبًا أنه ينبغي النظر إلى التنمية من خلال منظور إنساني، بدلًا من النظر إليها بدرجة كبيرة في ضوء التوسع في الوسائل المادية، أي ينبغي أن تراعي عملية إثراء حياة البشر، ذاكرًا أن الدور الأكبر للفنون الذي يتفوق على ما عداه من أدوار هو أنها تجعل حياتنا أكثر ثراءً وأكثر جمالًا، وبالتالي فإن الثروة الإبداعية للأمم التي تتمثل في التراث وفي الممارسات الخاصة بالفنون هي جانب مهم من جوانب عمليات التنمية. أما باتريك كاباندا العازف والمؤلف الموسيقي والمهتم بالتنمية الاقتصادية والمستشار بالبنك الدولي فيقول إنه عاش وهو طفل في عالمين كان أولهما عالمًا إبداعيًّا مملوءًا بالموسيقى وبكنز زاخر من الأصوات التي تمتد من الكنيسة إلى الطبيعة، بينما كان عالمه الثاني أكثر واقعية، حاملًا علامات عدم الاستقرار السياسي، وكذلك المصاعب والفقر، وقد اجتمع هذان العالمان معًا فشكّلا نشازًا قويًّا كان هو بلده أوغندا.
أهمية الفنون
هنا يرى الكاتب أن رسالة كتابه هذا تقول إن أهمية الفنون أمر لم يُقدر حق قدره، كما يرى أن كتابه يتعامل مع فنون الأداء بوصفها نموذجًا موضحًا للإسهام الأوسع للفنون في الرفاهية الإنسانية، مضيفًا أن الفنون بدايةً من العمارة حتى الرقص، ومن فن الرسم حتى الشعر، فنون يغذي بعضها بعضًا، سواء ألهمتنا هذه الفنون كي نبتكر، أو نتعامل مع الأمور الحتمية التي لا مناص منها، أو كانت تدفعنا من أجل ألا نكتفي بطرح الأسئلة فقط، بل أن تضطلع بالتقييم النقدي للإجابات التي حصلنا عليها. في كتابه هذا يتناول كاباندا الإسهامات المالية وغير المالية للفنون في التنمية، وهو يعتمد على أمثلة من أماكن مختلفة حول العالم، كما يتناول بعض المجالات كتعليم الفنون والإدارة البيئية الرشيدة والملكية الفكرية وتكوين العلامة المميزة للأمة، والتكنولوجيا الرقمية، والسياحة، والمساواة بين الجنسين والصحة النفسية والتعافي الاجتماعي والتجدد الحضري وجمع البيانات الإبداعية. كاباندا الذي يقول إنه إذا كان من الممكن بالنسبة إلى الدول الفقيرة أن تعزز مواردها الإبداعية، فإنه من المحتمل، بالنسبة إليها، أن تحصل على مكسب لم تكن تعتقد من قبل أن وجوده لديها أمر ممكن، ويذكر كذلك أن الثقافة والفنون يمثلان جانبًا مهمًّا من تلك الجوانب التي تمنح التنمية والنمو معنى، مؤكدًا أن ما يتبناه هذا الكتاب ويدافع عنه ليس مجرد التنمية المستدامة فقط، بل التنمية المفعمة بالدلالات والمعنى، مشيرًا إلى أن الفنون لا يمكنها الاضطلاع بدورها هذا وحدها، لكنها يمكن أن تمثل جانبًا من الحل، لذلك فإن دعم الإبداع في الدول النامية قد يؤدي إلى خفض الفقر المدقع، وإلى تحقيق الازدهار المشترك. هنا يقول كاباندا إن الفن ليس من الكماليات، ذاكرًا أن كثيرين يودون أن يروا عالمًا خاليًا من الفقر، يستطيع كل إنسان فيه أن يعيش حياة ذات معنى، وفيه يستطيع البشر جميعًا أن يحققوا الإمكانيات القصوى الخاصة بهم. ورغم أن الدول النامية فقيرة من حيث مستوى الإنتاج المحلي الإجمالي، يقول المؤلف، فإنها تمتلك أرصدة ثقافية غنية، وانتشال مواطنيها من الفقر المدقع الذي يعانونه مهمة متعددة الأبعاد، مشيرًا إلى ما قاله أمارتيا سن من أن الإسهامات التي قدمتها الفنون الإبداعية المتاحة مجانًا أو بأقل النفقات في إثراء الحياة الإنسانية أمر لم يوضع كثيرًا في الاعتبار بالنسبة لحسابات الناتج المحلي الإجمالي. كما يتساءل كاباندا قائلًا: ما الذي يأتي أولًا؟ هل الفنون ثم التنمية؟ أم التنمية ثم الفنون؟ مشيرًا إلى أن السياسيين ينسون أن الثقافة ليست أمرًا متعلقًا بالنقود فقط، رغم أنها شيء مهم، ولأن الثقافة أمر يتعلق بهوية الناس وكرامتهم، وهما أمران توجد مبررات كثيرة للإعلاء من قيمتهما.
أرباح أخرى
مما يراه الكاتب هنا أن الفنون يمكنها أن تؤدي إلى الإبداع الذي يستحث بدوره على ظهور الابتكار في مجالات أخرى، وتأتي معه أرباح أخرى غير متوقعة، مهتمًا بقوله في البدء كانت هناك المعرفة، وكانت المعرفة هي الفن، وكان الفن هو المعرفة، لكن على نحو ما، عبر مسيرة التاريخ، تُركت الفنون في الخلف، ولهذا أسبابه الكثيرة، وأن القيمة الخاصة بتعليم الفنون قيمة واسعة المدى، وهناك فوائد مباشرة وغير مباشرة لذلك، وأن بعض صناع السياسة الذين استوعبوا هذا الأمر يرون أن فكرة رعاية الفنون ودعمها ليست شيئًا صغيرًا، وأن الفنون يمكنها أن تصبح أشبه بالمعلمين وبقنوات التربية، سواء أحدث ذلك على نحو شعوري أو لا شعوري. كاباندا الذي يورد هنا مقولة فافيو شافيز: يُرسل العالم إلينا النفايات، فنرد عليه بالموسيقى، يقول إنه، وعلى مدار وقت طويل، كان هناك إحساس ما داخل الفنون بالرغبة في حسن إدارة البيئة والتلطيف كذلك من آثار التغير المناخي. وحيث يقول كاباندا إن مؤسسة ثقافية واحدة يمكنها أن تضطلع وبذاتها بدور المثير للنمو الاقتصادي الحضري، مثلما فعل متحف جوجنهايم في بلباو بأسبانيا، يرى أن الفنون يمكنها أن تشكل الإدراكات على نحو قوي. هنا وفي كتابه الثروة الإبداعية للأمم الذي يكتب فيه عن دور الفنون في الصحة النفسية والتعافي الاجتماعي والتجديد الحضري، يورد باتريك كاباندا ما قاله عالم الاقتصاد السري تيم هارفورد: أحيانًا ما أشعر بأن رؤية العالم من خلال عيون عالم اقتصاد هي أمر يشبه رؤية العالم من خلال أذني الوطواط، إننا نلاحظ أمورًا كثيرة يفتقد الآخرون رؤيتها، ونفتقد كثيرًا أيضًا مما يراه الآخرون، مختتمًا كتابه قائلًا: لو كانت أفكاري التي طرحتها في هذا الكتاب قد استطاعت أن تحث على الاهتمام بضرورة الوضع الكامل للثقافة في الاعتبار خلال عملية التنمية، فإنه سيكون لديّ مبرر كبير لإقناع الناس بالفكرة.

