كتاب عمان الشعب والدولة

عمان الشعب والدولة قراءة في تحولات:

الثقافة، والسياق الديني، وسؤال التغيير، والمجتمع المدني

الرائي بالروح” كان عنوانا للإصدار الذي خصت به الجمعية العمانية للكتاب والأدباء الكاتب سعيد بن سلطان الهاشمي في تكريمها بفوزه بجائزة الجمعية للإنجاز الثقافي البارز لعام 2009م، إلى جانب الحوار معه ضم الإصدار قرابة الستة عشر شهادة متنوعة من مثقفين وكتاب وفاعلين في المشهد الثقافي العماني. من يتماس مع نشاط الهاشمي في مختلف الساحات يدرك عمق الوصف، ظل إنسانا تقوده روحه لكل نفيس من العمل والفكر والمبادئ، فلا التفاتة لمغريات ولا رضوخ لمثبطات. بعد إصدارات عدة في دنيا السياسة والفكر والأدب صدر له مؤخرا كتاب “عمان الشعب والدولة” عن دار سؤال للنشر، بيروت 2024م. في تناظر وتعارض طريف أخاله غير مقصود مع مقرر كمتطلب جامعي بمسمى “عمان الدولة والإنسان” ط3 2024 بجامعة السلطان قابوس.  

هنا تطواف سريع في محتويات الكتاب حيث الفصول الخمسة التي كتبت ما بين عامي 2014 و2024م، سنوات عشر وصفها الهاشمي بعقد من جدال وتفاعل من انكشاف وانزواء ومن تقدم وعثرات. لست في محل تكرار ما حوته تلك الفصول فالمؤلف كفانا مؤونة ذلك بعرضه في مدخل الكتاب ملخصات حول كنه كل فصل. أحاول هنا تبيان الثيمة الرئيسية لطرحه والتي تقوم على المقاربة المنهجية الجدالية للكثير من القضايا والمفاهيم التي تمس الشأن العام، بالخصوص في الفترة التي تزامنت وأعقبت الربيع العربي وارتداداته التي نراها عيانا حتى اللحظة.  الطريف أن الفصول جاءت مرتبة بحسب حداثة المشاركة لكأن الكاتب يستبطن أهمية استمرار النقاش وحيوية الجديد وضرورة الحراك وتعدد الرؤى.

أعقب الربيع العماني حالة من النشاط الكتابي الكاشف عن العلاقات بين السلطات والحياة العامة وأهمية إعلاء الصوت الآخر والتعددية في الرؤى بما يمكن وصفه احتجاجا في السياق الثقافي. والثقافة ساءلت ماهيتها مقاربات عديدة غير أن أهميتها المحورية تكمن في كونها الميدان الأبرز للاحتجاج والاعتراض، فهي إما مقاومة أو مسايرة للفكر السائد، والمشتغل بها ما لم يضع مسافة بينه وبين السلطات المختلفة سقط في دوامة التبعية والاستغلال. أما المُختلف كثيرا ما وضع في خانة المشكوك في أفكاره إلى أن يثبت للجميع حسن نواياه ومساراته. تستوقف القارئ في النماذج التي ساقها الهاشمي تقاطع موضوعات أكثرها مع أحداث سبقت الربيع العماني بعقود، فكاتب بارز مثل أحمد الزبيدي نجده بعد تباعد الزمن بين عمله الأول انتحار عبيد العماني 1985م والثاني إعدام الفراشة 2008م، يتزايد إنتاجه منذ 2012م عبر جملة من الأعمال الأدبية والسيرية مست ثيمات كانت تعتبر من المسكوت عنها سلفا. وتنوعت النصوص وتعددت سياقاتها منذئذٍ حتى العام 2020م تقريبا. جواب الآخر كان مواجهة عبر أدوات مثلت القوانين رأس حربة فيها، فكان التشديد عبر التعديلات على قوانين الجزاء، والإجراءات الجزائية، ثم التوسع والمنع في مصادرة الكتب من خلال قائمة تتضخم حجما كل عام مع معرض مسقط الدولي للكتاب، دون أي توضيح لأسباب هذا التوسع في المنع والمصادرة من قبل الجهات الرسمية.

السياق الديني يتبدى بحسب الكاتب في كتلتين بارزتين، الأولى تمثل الإسلام الحركي الساعي للتغيير وفق أيديولوجياته الخاصة التي ينطلق منها، والثانية عموم المتدينين من المذاهب المختلفة، مضاف إليهم موظفو المؤسسة الدينية وعموم الناس الحريصون على أداء واجباتهم الدينية، الثانية هي الأكبر عددا وتنوعا في قبول التناقضات والسياسات الفكرية والدينية حد الاصطفاف مع السلطة ضد أطروحات الأولى. انحازت السلطة المركزية إلى القوى التقليدية الدينية ووظفتها لصالحها منذ مطلع السبعينات وأغرتها بالمغانم الواسعة والأنعام الوفيرة. أثناء أحداث 2011م يمايز الهاشمي بين أشكال ثلاثة رشحت في تعاطي الإسلاميين مع الحدث، الأول الانخراط في المجال العام والمشاركة على كافة الصعد، والدخول في نقاشات لقضايا مختلفة ومطالبات منها العامة وأخرى خاصة برؤاهم الدينية. الثاني غلب عليه المراقبة عن بعد، يحوم حول ساحات الاعتصام متوجسا من الدخول في لجتها لربما لطراوة نتائج الاحتكاك مع السلطة لدى بعضهم. والثالث اتخذ حالة البين بين، فلا نقد كامل للسلطة، ولا ثقة بالمطالب، مع غير اطمئنان لما يمكن وصفه بالحالة الثورية. والأخير مثّل النسبة الأكبر معبرا عنها بالتدين العام.

اتسمت مشاركة هذا الطيف بالفردانية دون أي عمل جماعي تنظيمي وبالتباين في حدة الخطاب وسقفه، فحين ظهرت المطالب المتشددة قوبلت بما يشبه الذعر العام الذي استغل مؤسسيا، وأدت إلى انسحاب بعض المثقفين والناشطين، وتدخل حتى في شكل الحضور النسائي الذي تم فصله، واتخاذ البعض ممارسات ذات طابع عنفي في الاحتجاج. شمل حصاد الحدث في منتهاه نسج علاقات أوسع بين مختلف أطياف المذاهب في وسط الإسلام الحركي، وتبنى المتدينون إلى جانب الوسائل التقليدية منابر جديدة تقنية الطابع كثفوا حضورهم فيها، أما أكثر المستفيدين من مرحلة ما بعد الربيع العماني فكان النموذج الرسمي للتدين العام!

في الأخير لم يتميز هذا التيار بأي إنجاز غير ما حققه الشعب لنفسه، تجلى موقفهم عبر حالة من الضعف في التنظيم والهشاشة في أطروحات ابتعدت عن الاحتياجات العصرية للإنسان من حقوق وحريات، أضف لذلك الإخفاقات في تجارب الإسلاميين في الحكم عربيا، ورفضهم قبول التعددية في الفكر والسياسة. ثم كان التشارك مع السلطة التي أفسحت لهم العمل في ميادين هامشية، وقدمت لهم الدعم السخي لكونهم البديل الأكثر مرونة وقابلية للسيطرة والتوجيه وملء الفراغ.  

 سؤال التغيير لامسه الكتاب عبر وقفات عدة، فهنالك السؤال حول حقيقة وجود الطبقة الوسطى في عمان المعاصرة كمدخل لقراءة مدى تحقق العدالة أم إنها ليست سوى معادلة اجتماعية!  هنالك مؤشرات صادرة من السلطات المحلية والمنظمات الدولية عن تحقيق معدلات نمو مضطرد اقتصاديا، إلا أن الجميع يعلم أن باعثه الرئيس مدخولات النفط، فالبناء الاقتصادي لم يخلق قاعدة إنتاجية صلبة يعول عليها، بل “رأسمالية الدولة” المسيطرة على وسائل الإنتاج والتوزيع، توزيع خلق فئتين بارزتين ذات علاقة وطيدة ببعضهما هما الموظفون الحكوميون، والطبقة الرأسمالية من التجار، ومن رحمهما ولدت ما يمكن وصفها بالفئة المتوسطة. فئة لا يمكن إطلاق مفهوم الطبقة عليها لتشكلها من مزيج متباين من المفاهيم الاجتماعية والقيمية والخبرات، حصرت في وضع يصفه الهاشمي بـ “فئة أكثر من وسطى وأقل من مؤثرة“. هذه الفئة وإن بدت حداثوية المظهر هي في حقيقتها مقاومة لجوهر التغيير والتقدم، أسيرة الانتماءات الأولى كالقبيلة، والمذهبية، والطائفية، والمناطقية. والجميع في الأخير معتمد على السلطة!

حدود تعايش الفئة الوسطى في عمان مع شكل الدولة المعاصرة، والتسليم بذلك كمعطى نهائي مع تخيلات ضمان الرفاه والأمان النفسي والاجتماعي يتغافل عن التحديات التي ستواجهها هذه الكتلة البشرية، وأبرزها ما يسميه الكاتب بالتآكل نتيجة التباطؤ الاقتصادي، وانحدار مستوى الأجور، وإغفال الاستثمار في القطاعات الإنتاجية. وتحدي التواكل حيث الاتكاء على ريع عوائد النفط في الشق الاقتصادي والسلبية في الشق السياسي. وهنالك التفاوت الطبقي والأخطر “التقايض” الذي أترك للقارئ فرصة التمعن حوله في النص الأصلي وتحليله الرصين.

في الإطار نفسه المتعلق بسؤال التغيير يناقش سعيد الهاشمي قضية بالغة الحساسية حول حدود السلطة وحدود الدولة كمفهومين متمايزين في الأدبيات السياسية والقانونية في حين تظهر الضبابية والتداخل في الواقع العماني، وعبر سبر عدة ملفات يراها مهمة لفهم طبيعة الحالة العمانية يخوض في واقعنا الدستوري، والأمني، وملفات التعليم والاقتصاد والشغل وملف المجال العام. ويختم برصد حقيقة الرغبة في التغيير ومدى القدرة عليه والتي يمكن ردم الهوة الصعبة بينها عبر دستور وطني، وأمن إنساني، وتعليم عصري، واقتصاد قائم على المعرفة، ومجتمع مدني فاعل، فالانسجام والتعايش اللذان يسودان معظم شرائح المجتمع يمكن أن يعملا كروافع لبناء دولة مدنية ذات أسس قائمة على الحقوق واحترام الحريات.

القضية أو المفهوم الأخير يُعنى بالمجتمع المدني حيث كرر المؤلف في مرات عدة في فصول الكتاب فكرة عدم الفصل في السياق العماني بين مفاهيم الوطن والدولة والسلطة والحكومة لدى عموم الناس ولا معرفة وافية بالواجبات المترتبة على كل منها. والمجتمع المدني أسير ذلك أيضا، فجوهر منطلقاته القائم على الاستقلالية غير متوفر، وبواعثه التي تستهدف تنمية نشاط جماعة ما وحماية حقوقها والشراكة على قدم المساواة مع السلطة مستبعدة. مع محاججة غير منطقية مفادها تعارض الدولة المدنية مع الخصوصية العمانية بيد أن جوهر الأولى ليس أكثر من تلك القيم الإنسانية الكلية الناظمة لأسس التعايش كالعدالة الاجتماعية، والمساواة، والتوزيع العادل للثروة. طال هذا المفهوم حزمة من المشوهات حددها الكاتب في تصوير المدنية كحالة أو ظاهرة تستهدف التنظيمات الاجتماعية التقليدية وأولها القبيلة، أو بكونها في وضع المواجهة مع الدين، بل وضد الدولة في حين أن الثابت بالتجربة أن لا وجود لمجتمع مدني إلا في إطار الدولة كما لا أهمية لمجتمع مدني فاعل في ظل دولة هشة وتسلطية. ومن المشوهات أيضا وظف المجتمع المدني بكونه يشكل خطرا على الأمن والاستقرار، أو كأداة للتدخلات الخارجية. وفي أحيان نجد تيارا دينيا يروج لفكرة أن الخطاب النقدي الرامي لإحداث نقلة نوعية في الحقوق المدنية والسياسية والثقافية مرتبط بأجندة خارجية.

السياق الثقافي العام في عمان متشبع حد التخمة بخطابات غالب طرحها التبجيلية، والتسويق للأماني. نحن بحاجة لأقلام سمتها الموضوعية ونهجها التحليل العميق لمختلف القضايا التي تمس الشأن العام، عبر مقاربات تنبثق من أولوية الحرية والتعددية والحوار. أجزم أن المباحث الخمسة التي حواها هذا الكتاب تحقق ذلك النهج وتفتح الآفاق لمزيد من النقاشات والجدل المثري.  

سياسة مقالات مقالات مختارة

عن الكاتب

سيف بن عدي المسكري