بين نفوذ اللوبي الهندي وحق العُماني في العمل: من يربح معركة التوظيف؟

كتب بواسطة المختار الهنائي

جميعنا نؤمن بأن اتفاقيات الشراكة والتبادل التجاري ليست مجرد تفاهمات اقتصادية عابرة، بل هي أدوات استراتيجية لصياغة مستقبل الدول وتحقيق مصالحها الوطنية، وهناك حديث حول توقيع اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة بين سلطنة عمان وجمهورية الهند، وسط تسريبات إعلامية تشير إلى وجود ضغوط هندية تطالب بتجميد نسب التعمين ضمن قطاعات معينة في السلطنة، ورغم أن التفاصيل النهائية للاتفاقية لم تُعلن بعد، فإن تسليط الضوء على هذه النقطة يستدعي وقفة جادة من منطلق اقتصادي واستثماري وطني، يوازن بين المصلحة العليا للبلاد والاعتبارات المجتمعية العادلة، خصوصًا في ظل الحديث عن وجود “التعمين” كأحد أبرز العقبات في طريق التوصل إلى اتفاق نهائي.

التعمين ليس عقبة… بل أداة سيادية للتوازن الاجتماعي

سياسة التعمين في القطاع الخاص انتهجتها السلطنة منذ عقود، ومرت بالكثير من التحديات ومن حالات الإحباط من وجهة نظر الباحثين عن عمل، بالرغم من اعتباره توجه وطني استراتيجي استشرفته القيادة العُمانية بهدف تعزيز استقرار المجتمع العُماني من خلال تمكين أبنائه اقتصاديًا، وتقليص الاعتماد على القوى العاملة الأجنبية، وضمان توزيع أكثر عدالة للثروة الوطنية، والغريب أننا كثيرًا ما نحمل ضعف الاستثمار مسؤولية بطء التوظيف في القطاع الخاص، بينما يغيب عن النقاش الجدي حقيقة أن هذا القطاع مشبع بالوافدين، الذين يشكلون النسبة الأكبر من شاغلي الوظائف، حتى في مواقع إدارية ومهنية كان بالإمكان أن تكون من نصيب العُمانيين، فكيف نُفسر ضعف التوظيف في ظل هذا الواقع؟

إن وصف التعمين بأنه عقبة في المفاوضات، كما أوردت بعض وسائل الإعلام الهندية، يُعد اختزالًا مجحفًا لحقيقة الأمر، وهو أن التعمين ليس عائقًا أمام الاستثمار، بل هو إطار تنظيمي لضمان أن تكون الاستثمارات ذات أثر حقيقي ومستدام في المجتمع العُماني، إذ ما الجدوى من استثمار لا يُولد وظائف؟ وما الفائدة من شركات أجنبية تُحقق أرباحًا بمليارات الريالات، بينما تبقى شريحة كبيرة من الشباب العُماني خارج سوق العمل أو عالقة في وظائف هامشية؟

الاقتصاد الذي لا يخلق فرص عمل ذات جودة للمواطن هو اقتصاد غير منتج، وإن حقق نموًا في الناتج المحلي أو الصادرات، ومن منظورنا الشخصي فإن المقياس الحقيقي لنجاح أي اتفاقية اقتصادية يكمن في مدى قدرتها على تحسين نوعية الحياة للمواطنين، لا في أرقام تجارية سطحية تخدم فئات محدودة من المستثمرين.

بين السيادة الاقتصادية ومتطلبات التنافسية العالمية

ندرك جميعًا أهمية الانفتاح على الاقتصاد العالمي، وجذب الاستثمارات الأجنبية والتكامل مع سلاسل التوريد العالمية، ولكن هذا الانفتاح يجب ألا يكون على حساب القرار السيادي للدولة في إدارة سوق العمل، فكما تدافع الهند عن عمالتها وتسعى لحمايتهم في الأسواق الخارجية، فمن الطبيعي والمنطقي أن تُصر السلطنة على حماية مصالح مواطنيها في وطنهم.

لذا يجب أن يكون الموقف العُماني في هذه المفاوضات واضحًا وحاسمًا، وأن التعمين ليس بندًا تفاوضيًا يمكن التنازل عنه، بل هو خط أحمر، وأي اتفاقية لا تحترم هذا الخط ستُقابل برفض شعبي ومؤسسي.

وفي كثير من التجارب العالمية، رأينا كيف تحولت الاتفاقيات الاقتصادية إلى أدوات لتعزيز هيمنة الشركات الكبرى، وتمكين الأقلية المنتفعة على حساب المجتمع الأوسع، لذا يجب أن تكون التجربة العُمانية يقظة تجاه هذا الخطر، وأن القبول باستثمارات ضخمة لا تُسهم في توظيف المواطنين أو تدريبهم أو تمكينهم من مواقع قيادية، هو قبول ضمني بأن الاقتصاد ليس للجميع بل لفئة ضيقة فقط، وقد آن الأوان أن تكون فلسفة الاقتصاد العُماني قائمة على معيار واضح، وهو أن من لا يُسهم في تحسين واقع المواطن العُماني فلا مكان له، وهنا تظهر أهمية التقييم الحذر لنوعية الاستثمارات القادمة، وعدم الانبهار بحجم رؤوس الأموال دون النظر إلى الأثر الحقيقي على الأرض، فهناك فارق بين من يستثمر ليبني ومن يستثمر ليستغل.

اللوبي الاقتصادي الهندي ونفوذه

لا يمكن الحديث عن قضية التعمين دون الإشارة إلى أحد العوامل الميدانية المؤثرة، وهو اللوبي الاقتصادي الهندي المتغلغل في عدد من القطاعات الحيوية داخل السلطنة، هذا اللوبي وعلى مدى سنوات تمكن من ترسيخ نفوذ واسع في عدد من القطاعات، إلى درجة أن بعض الشركات تكاد تكون هندية بالكامل من حيث الإدارة والتشغيل على رغم أنها تعمل داخل الأراضي العُمانية.

وهنا ليس الهدف التشكيك في كفاءة العاملين الهنود أو التزامهم؛ فهم بلا شك يسهمون في الاقتصاد المحلي، ويتمتعون بمهارات وخبرات واسعة، ولكن الخلل يكمن في ترك السوق يعمل دون تدخل، حتى أصبحت بعض هذه التكتلات تُقصي المواطن العُماني من المواقع القيادية وتحصر مشاركته في وظائف دنيا برواتب متدنية، وهذا الحديث أصبح دارجًا في مجالس العمانيين وفي مواقع التواصل الاجتماعي، وهذا ما تؤكد عليه بيانات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات أن عدد العاملين الهنود في القطاع الخاص العُماني بلغ أكثر من 500 ألف حتى نهاية 2024، ويشغل كثيرٌ منهم مناصب إدارية عليا، بينما لا تزال نسبة العُمانيين في هذه المناصب متواضعة، رغم تخرج الآلاف من الجامعات والكليات العُمانية سنويًا.

التوازن بين الواقعية والعدالة

نؤكد دون أدنى شك بأنه لا يمكن إقصاء العمالة الوافدة، ولا يمكن بناء اقتصاد حديث دون كوادر متنوعة ومتعددة الثقافات، ولكن في الوقت ذاته لا يجب أن يكون المواطن العُماني هو الحلقة الأضعف في وطنه، وما نطلبه هو توازن دقيق بين الكفاءة والتمكين، بين الاستفادة من الخبرات الأجنبية وتمهيد الطريق أمام المواطن لتولي دوره الكامل.

لذلك من المهم أن تُدرج الحكومة ضمن أي اتفاقية اقتصادية بنودًا صريحة تُلزم الشركات الأجنبية بتوظيف نسبة محددة من العُمانيين وتدريبهم وتمكينهم من المناصب القيادية، ورفع مستوى الرواتب، فالتعمين ليس مجرد رقم يُعلن في تقارير رسمية بل هو بناء متكامل لتوطين الكفاءة والقرار الاقتصادي.

نحو استراتيجية تفاوض وطنية

ما تحتاجه سلطنة عُمان اليوم هو استراتيجية تفاوض وطنية واضحة المعالم، تستند إلى ثلاثة مبادئ رئيسة أولها سيادة القرار الوطني وأنه لا مساومة على حق الدولة في تنظيم سوق العمل وضبط نسب التعمين، ثم موازنة المصالح ويجب أن تراعي الاتفاقيات مصالح جميع الأطراف لا طرفًا واحدًا فقط، ومن الضروري قياس الأثر المجتمعي بحيث أن كل استثمار يجب أن يُقيم ليس فقط وفقًا لعوائده المالية، بل وفقًا لعدد الفرص الوظيفية التي يخلقها وجودة التدريب ومستوى الإسهام في الاقتصاد المحلي.

لذا من المناسب أن تكون هناك مشاركة مجتمعية أوسع في تقييم بنود الاتفاقيات الاقتصادية الكبرى، أقله من خلال مجلس الشورى،  فالاتفاقيات التي لا تحظى بقبول مجتمعي ستظل عرضة للتشكيك والرفض، مهما كانت جذابة على الورق.

السيادة لا تُمنح.. بل تمارس

مفاوضات الشراكة الاقتصادية فرصة لبناء علاقة استراتيجية طويلة الأمد، قائمة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، ولكن يجب أن تبقى سيادة القرار الوطني فوق كل اعتبار، ويجب ألا يستخدم ملف التعمين كأداة ضغط أو ورقة مساومة، فالشراكات الناجحة لا تقوم على تنازلات مؤلمة، بل على تفاهمات عادلة، ومن لا يُقدّر حاجة الشعوب للكرامة الاقتصادية لن يكون شريكًا حقيقيًا مهما كانت مصالحه مغرية.

مساحة حرة

عن الكاتب

المختار الهنائي