السلفية التي لا نعرفها

في عالم الفكر لا وجود لثبات أزلي، كل فكرة في مسارها التاريخي تتأثر بعوامل كثيرة، وتتفاعل مع غيرها من الأفكار، وتُنتج أشكالاً كثيرة من الصور، لا تكون بالضرورة مطابقة للأصل.

في هذا المقال أتحدث عن السلفية التي لا نعرفها، أُقدّم وجهاً مشرقاً للسلفية أظن أننا نحتاج إلى التعرف عليه من جديد.

ويأتي مقالي هذا في سياق (استعادة ذاكرة التعايش) وهو مشروع أشتغل عليه؛ من أجل تعزيز الإخاء الإيماني والتذكير بالقواسم المشتركة، والخروج من حالة الاصطفافات الطائفية، التي أضرت كثيرا بالأديان والأوطان.

ويأتي كذلك استجابة آنية للجدل الكبير الذي دار هذه الأيام في مواقع التواصل، حيث رأينا للأسف صعود أصوات التكفير والتبديع، وانساق البعض إلى هذا المستنقع، يبحث هنا أو هناك، عن قصاصة من كتاب قديم، أو سطر من مؤلف مجهول؛ ليحكم من خلاله على مذهب إسلامي بالإلحاد!

السلفية كغيرها من الأفكار لم تنزل من السماء، وإنما هي نتاج تفاعل عناصر مختلفة من النص الديني والأحداث السياسية وثقافة مجتمعاتنا وظروفها الاقتصادية.

وقبل الحديث عن (السلفية التي لا نعرفها)، نحن بحاجة إلى معرفة ما هي السلفية؟ ولتحديد مفهوم السلفية، سأعود إلى كتابين، أعتقد أنهما نافعان لكل من يشتغل في البحث في هذا الحقل: الكتاب الأول للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي وعنوانه (السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي)، والكتاب الثاني (صناعة السلفية: الإصلاح الإسلامي في القرن العشرين)، وهو من تأليف هنري لوزيير، وترجمة أسامة عباس وعمرو بسيوني.

فنجد الشيخ البوطي في كتابه يؤكد على أن السلفية ليست مذهبا إسلاميا أو مدرسة كلامية أو فقهية، غاية ما في الأمر أننا نُكنّ مزيد تقدير للسلف الصالح من أمتنا في صدر الإسلام والقرون الأولى؛ لما قدموه من تضحيات وخدمات للإسلام، وهذا معنى قوله “مرحلة زمنية مباركة”، فلا سلطة للسلف من حيث تقدمهم الزمني، ولا حجية لفهمهم في ذاته، هذا مع ملاحظة أن السلف أنفسهم اختلفوا في كثير من المسائل.

أمّا كتاب “صناعة السلفية”، فقد حاول أن يحفر عميقا في المجال التداولي لهذا المصطلح، وخُلص إلى أنه بصورته الحالية هو صناعة القرن العشرين، مع ظهور حركات الإصلاح الديني وحركات التحرر الوطني، وقد أشار الشيخ البوطي إلى أن رواد الإصلاح في مصر لهم السبق في استخدام هذا المصطلح بل هم الذين أشاروا على بعض مشايخ الوهابية في استخدامه.

أما قبل هذا، فقد كان المصطلح يتداول في سياقات محدودة جدا، لا كمدرسة فكرية، أو هوية دينية صلبة، فنجد السفاريني الحنبلي في كتابه (لوامع الأنوار): “أهل السنة والجماعة ثلاثة فرق: الأثرية وإمامهم أحمد بن حنبل، والأشعرية وإمامهم أبو الحسن الأشعري، والماتريدية وإمامهم أبو منصور الماتريدي”، في هذا النص نجد السفاريني يستخدم مصطلح الأثرية للتعبير عن الموقف العقدي من الصفات للحنابلة، في قبال موقف الأشاعرة الذي يميل إلى التأويل خصوصا المتأخرين منهم، ومصطلح الأثرية أو أهل الأثر لعله الأكثر رواجا بين الحنابلة قبل ظهور السلفية كهوية صلبة ومدرسة ذات اختيارات عقدية وخطاب ديني له ملامحه الخاصة.

وهناك من يريد أن يُقدم السلفية بوصفها الوريث لأهل الحديث، وهذا الربط فيه من التعسف الشيء الكثير، فأهل الحديث لم يكونوا أبدا على عقيدة واحدة في القضايا الكلامية أو المذاهب الفقهية.

 نعم قد يكون الغالب عليهم في بعض المراحل البعد عن الخوض في علم الكلام، ولكن هذا الموقف في الحقيقة ليس تنظيرا أو تقعيدا لموقف عقدي، بقدر ما يُعبر عن انصراف عن هذه المباحث، أو تورّع عن الخوض في شؤون الغيب!

فالرأي الذي نميل إليه من خلاصة الكتابين، أن الذي اعتمد مصطلح السلفية وجذّره في التداول العام، هم رواد حركة الإحياء الديني، وكانت السلفية تعني عندهم العودة إلى صفاء الدين والبعد عن التعصب المذهبي وترك الخرافات التي أضرت بعقول المسلمين وتسببت في انتكاسة حضارتهم.

لم تكن السلفية في أطروحات هؤلاء الرواد، مسكونة بمباحث الصفات، بقدر ما كانت مسكونة بسؤال النهوض، لم تكن هذه السلفية تستغرق في جدل القرون الأولى، كانت تريد العودة بالدين إلى صفائه؛ من أجل التحرر بمعناه الكبير واستعادة الحضارة الإسلامية الغائبة.

وقد تجلّى صوت الإصلاح الكبير للسيد جمال الدين الأفغاني في مشروع كبير وهو (الجامعة الإسلامية) تلك الفكرة التي أراد الأفغاني من خلالها إيقاظ الأمة من سباتها، وحمايتها من عدوها الخارجي، وفي سبيل هذا المشروع جاب الأفغاني الدنيا بشرقها وغربها، حتى ساقه القدر إلى مصر وهناك وجد تلميذه النجيب الشيخ محمد عبده وثلة من طلبة العلم، الذين سيجدون ضالتهم في فكره، في تلك اللحظة ومع هذا المشروع الكبير، بدأت السلفية عند محمد عبده تتجلى، كخروج من التقليد، وتمرد على التعصب والانغلاق، ورغبة في العودة إلى صفاء الكتاب والسنة، واستطاع الأستاذ الإمام كما يحب أن يُسميه طلابه، أن يجد في هذه السلفية مشروعا جديدا لنهوض الأمة، وحمل راية هذه المدرسة من بعده السيد محمد رشيد رضا، الذي سيكتشف ابن تيمية، ويُضفي على فهمه لسلفية محمد عبده عناصر مختارة بذكاء من فكر ابن تيمية.

وفي الجزائر قاد ابن باديس والبشير الإبراهيمي وغيرهم من الأعلام مشروعا سلفيا تحرريا، آمن بتحرير الأرض واستعادة كرامة الوطن، وتركوا تراثا عظيما، فسلفية ابن باديس لم تكن سببا لخصومة قطب التصوف في الجزائر أعني ابن عليوه، فقد كان بينهما الكثير من الود، والكثير من العمل المشترك من أجل الإسلام والجزائر والأمة.

أما المغرب فقد عرف السلفية من خلال علال الفاسي والحجوي وغيرهم من الأعلام الذين انخرطوا في مشروع التحرر الوطني واستعادة قوة الدين في المجال العام، وقدموا قراءة مقاصدية ملهمة للكثير، وليس الطاهر ابن عاشور في تونس عنهم ببعيد وإن لم يكن رأسا في هذا المشروع الكبير.

وفي الشام يحمل جمال الدين القاسمي لواء سلفية، لم تعرف الفرقة والخلاف، بل استطاع بروحه العلمية المنفتحة أن ينصف الجميع وأن يستفيد من ابن عربي بقدر استفادته من ابن تيمية، وكان يعمل مع فقيه جبل عامل السيد محسن الأمين في سبيل النهوض بالمسلمين جميعا في بلاد الشام ومكافحة كل عناصر التخلف وقيود الجهل، وبلغ من تسامحه وأفقه الكبير أن ألّف كتابا في ترجمة الجهم بن صفوان أنصفه فيه، وقدّم قراءة لشخصية الرجل كادت تقترب به من سير السلف الصالح، على خلاف الصورة المعتادة التي كان يقدم بها الرجل في كتب الملل والنحل.

ولست في هذا المقال بصدد التأريخ لهذه الحركات الإحيائية التي انطوت تحت مظلة السلفية، وإنما أحاول هنا التذكير بإمكان سلفية اليوم أن تعود إلى نماذج من السلفية أكثر انفتاحا وأقدر على تبني خيارات التعايش.

قد يستغرب بعضنا اليوم عندما يسمع أن بعض مؤلفات علماء الإباضية كانت تُطبع في مصر في المطبعة السلفية، وقد يستغرب بعضهم عندما يعلم قوة العلاقات التي جمعت بين علماء وادي ميزاب ومحمد رشيد رضا، وقد كانت مجلة المنار تتسع لكل رواد الفكر الإسلامي من مختلف المدارس الفقهية.

ويبدو أن حركات الإصلاح الديني التي بعثت روح السلفية كطريق لخلاص الأمة، في قبال الفلسفات الأخرى المستمدة من الغرب، مع الوقت فقدت كثيرا من تماسكها مع غياب الرواد الكبار، ومع نجاح مشاريع الدول القطرية والتحرر الوطني، وتخلى كثير عن هذا المصطلح عندما بات يستخدم بصورة لا تخلو من حدة وتشدد، من قبل فئات من أنصار الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ومع الوقت وجد الوهابية أنفسهم بحاجة الى اعتماد مصطلح السلفية كهوية لهم، كبديل لمصطلح الوهابية، الذي كان شائعا في التداول في أوساط المناوئين لهذه الحركة الجديدة.

حاولت في هذا المقال أن أُسلط الضوء على السلفية التي لا نعرفها، عسى أن تقودنا جميعا إلى مزيد من التقارب والبحث عن المشتركات وتعزيز الأخوة الإيمانية.

نحن نَدين للسلفية بالقاعدة الجليلة التي تقول: ” نعمل فيما اتفقنا فيه، ويعذر بعضنا البعض فيما اختلفنا فيه”؛ فمدرسة الإصلاح السلفية في مصر هي التي أشاعت هذا النوع من التفكير واعتمدت هذا النهج الجديد في العمل الإسلامي والوطني.

أظن أن السلفية اليوم بحاجة إلى الخروج من قصاصات الأوراق، إلى فضاء تحديات العصر!

أظن أن السلفية اليوم بحاجة إلى أن تمد يدها إلى كل المسلمين، أظن أنها بحاجة إلى أن تُحسن اختيار من يتكلم باسمها، والله من وراء القصد.

السلفية قراءات

عن الكاتب

الحبيب سالم المشهور