إعداد: فريق الفلق
يقدم كتاب الدكتورة لمياء حارب “أمننة الطاقة: رحلة تحولات في عُمان (1920-2020)”، الصادر بترجمة عربية للمترجم محمد الصارمي عن دار الفلق عام 2025 بعد نشره بالإنجليزية عن دار سبرينغر في 2022، ويُعد الكتاب إضافة علمية نوعية إلى حقول دراسات الطاقة والأمن في منطقة الخليج. فالعمل يتجاوز حدود التناول الاقتصادي الصِّرف لموارد الطاقة؛ ليعيد تركيب تاريخ عمان السياسي والاجتماعي من خلال عدسة نقدية تنطلق من نظرية الأمننة (Securitisation) في حقل الدراسات الأمنية النقدية، وتكمن خصوصيته في أنه يتعامل مع الطاقة لا باعتبارها مورداً مادياً أو مصدراً للدخل فحسب، بل كبنية خطابية واجتماعية تحولت عبر العقود إلى قضية أمنية تُدار بمنطق الاستثناء، ما جعلها جزءاً من عملية بناء الدولة وتشكيل المجتمع وصياغة السياسات.
يرتكز الكتاب على أطروحة أن “أمن الطاقة” بناء متغير ومتعدد الأبعاد، يتشكل من خلال تفاعلات بين فاعلين محليين وخارجيين، وبين ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية متقلبة. ومن خلال هذا المنظور، تبرهن المؤلفة أن مستقبل الطاقة في عمان لم يعد مرتبطاً بالهيدروكربونات وحدها، بل بات مرهوناً بقضايا أوسع تشمل التغير المناخي، الضغوط المالية، والابتكارات التكنولوجية. وهكذا يزيح الكتاب التصورات السائدة التي اختزلت التجربة العمانية في إطار الدولة الريعية، ليؤكد أن النفط لم يكن سوى جزء من شبكة معقدة من العوامل التي أسهمت في صياغة مسار الدولة الحديثة.
تكمن أهمية هذا المشروع في أنه يوسع من نطاق الدراسات الأمنية النقدية، ليشمل حالة خليجية غير مدروسة بعمق من قبل. فبينما ظلت الأدبيات الغربية تركز على دول كبرى أو على تحليلات جيوسياسية، يأتي هذا الكتاب ليكشف عن تعقيدات الأمن الطاقي في سياق غير غربي، موظفاً أدوات السوسيولوجيا النقدية ودراسات ما بعد الاستعمار. كما يسهم في إعادة الاعتبار للبعد الاجتماعي والثقافي للطاقة، ويبرز أثرها في إعادة تشكيل علاقة الدولة بالمجتمع في لحظات الأزمات والتحولات.
يثير الكتاب جملة من النقاشات المركزية، فهو يطرح تساؤلات حول منطق الأمننة: متى ولماذا تتحول الطاقة إلى قضية أمنية؟ ومن هم الفاعلون الذين يملكون سلطة تحديد المخاطر وصياغة الخطاب؟ كما يفتح النقاش حول دور الخبراء وشبكاتهم في إدارة الطاقة، وكيفية استخدام الشركات النفطية لبرامج المسؤولية الاجتماعية لتعزيز نفوذها وشرعيتها. ويعيد النظر في مفهوم العدالة بين الأجيال في ظل محدودية الموارد، لافتاً النظر والاهتمام إلى أن الاعتماد المفرط على النفط قد يقوض فرص الأجيال القادمة. أما على الصعيد الأوسع، فيقدم الكتاب قراءة في كيفية إدماج قضايا التغير المناخي في خطاب أمن الطاقة، وما يعنيه ذلك من تحول في أولويات السياسة العمانية. ويطرح الكتاب جملة من الإجابات التي لم تُقدَّم في الأدبيات السابقة، فهو يقدم أول تحليل سوسيولوجي تاريخي شامل للطاقة في عمان، مبرزاً أن الدولة الحديثة لم تُبْنَ فقط على ريع النفط، بل على تفاعل معقد بين عوامل داخلية وخارجية. كما يقترح إطاراً نظرياً جديداً يجمع بين الدراسات الأمنية النقدية ومفاهيم ما بعد الاستعمار، كاشفاً حدود المقاربات الأوروبية التقليدية. ويضيف الكتاب بعداً جديداً يتعلق بـ الخواص المادية للطاقة، وكيف أسهمت التكنولوجيا والمواد نفسها (نفط، غاز، تقنيات استخراج) في صياغة مسارات السياسة والمجتمع. وأخيراً، يقدم رؤية استشرافية لأمن الطاقة في عمان بوصفه مشروعاً يتجاوز الهيدروكربونات نحو الاستدامة والعدالة بين الأجيال، في انسجام مع رؤية عمان 2040.
أهمية الكتاب للقارئ العماني والعربي
لا تقتصر أهمية هذا العمل على كونه دراسة أكاديمية متخصصة، بل تتعداها إلى كونه مرجعاً حيوياً للقارئ العماني والعربي على السواء. فبالنسبة للقارئ العماني، يقدم الكتاب قراءة عميقة لمسار الدولة والمجتمع في علاقتهما بالطاقة، كاشفاً عن الخلفيات التاريخية والسياسية للاقتصاد الذي يقوم عليه الحاضر ويُرسم به المستقبل. أما للقارئ العربي، فإنه يوفر نموذجاً تحليلياً يمكن الاستفادة منه لفهم تجارب مشابهة في دول الخليج وشمال أفريقيا التي تشترك في هموم النفط، والاعتماد على الهيدروكربونات، والبحث عن مسارات بديلة للتنمية. ومن هنا، فإن الكتاب يتجاوز الحالة العمانية ليقدم إضافة إلى النقاش العربي العام حول مستقبل الطاقة، والعدالة الاجتماعية، وأدوار الدولة والشركات في عالم سريع التغير.
اقتباسات من الكتاب
” تفرض الاحتياجات المحلية من الطاقة مخاوف حول مسألة الانصاف بين الأجيال في ظل النمو السكاني والبطالة، إذ يظل السؤال قائماً: لمن تُدار موارد اليوم، ولمن يُترك عبء الغد؟”.
“أمن الطاقة لم يعد يعني مجرد ضمان تدفق الهيدروكربونات، بل أصبح يرتبط بالاستدامة، بالتحول الطاقي، وبإعادة إنتاج علاقة الدولة بالمجتمع.”
“يرى مارك فالِري Marc Valeri أن اكتشاف النفط فتح الباب لاختراع تقليد مُستحدَث في العام 1970 يُسمّى النهضة من أجل دعم الشرعية السياسية لقابوس، ويقول فالِري أن السلطان استخدم “الطبقية غير الرسمية بين الجماعات المحلية المختلفة” من أجل “بناء شرعيته، مستحدثا عملية بناء وطنية أعادت تعريف المرجعيات السياسية والثقافية لمجتمع تأصّلت فيه سابقا العصبيات التقليدية (القبلية، والإثنية اللغوية، والجماعاتية)”. ويسترسل فالِري مبينا أن إيرادات النفط حلّت محل العصبيات (أي النظام التقليدي للحكم) فاسحةً المجال أمام التنمية التي شملت البنية التحتية، والطرقات، والرعاية الصحية المجانية، والتعليم. يمكن للتحليل الاجتماعي الذي قدمه فالِري، ولا سيما أنه حصر جوانب عدة تمس التنمية السياسية، أن يمهد السبيل إلى تحليل أكمل حول نشأة “أمن الطاقة” في عمان”.
” في عُمان، أمست العلاقة بين التنمية والدولة وبينها وبين شركات النفط الدولية وغيرهم من الفاعلين علاقة غامضة الملامح معقدة، لا سيما يوم غدت الحكومة البريطانية منكبّةً انكبابا متزايدا على ترويج النمو الاقتصادي، والقضاء على الفقر، وتعزيز التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد”.
“كيف ظهر أكثر من فهم واحد “لأمن الطاقة” في سياق العلاقة التاريخية التي تجمع بين عمان وبريطانيا والولايات المتحدة. فقد دخل نفوذ هاتين الدولتين، المستمر حتى اليوم، إلى عمان سالكا مسلك “الخبراء” الخارجيين- مثل: ضباط الاستخبارات، والاستشاريين، والشركات الأجنبية، والمنظمات الدولية- الذين تعاملوا مع تجار عُمانيين نافذين هم ذاتهم من يتقلّدون المناصب الحكومية. وقد أثرت شبكة الخبراء هذه في عملية اتخاذ القرار في السلطنة، وأثّرت في كيفية إدارة الطاقة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا بطريقة غير رسمية تكون غالبا ظرفية وبنمط خاص. بيد أن الباعث المستتر الذي أتى بـ “الخبراء” إلى عمان كان الرغبة في الثراء، وقد تبارز الفاعلون والتكتلات الاجتماعية حينا، وتآزروا حينا، سواء لمصلحة عمان، أو لمصلحتهم سعيا وراء المال الذي جاء به النفط”.
قالوا عن الكتاب
“يشكّل هذا الكتاب إضافة قيّمة للغاية تصب في صالح فهمنا الجماعي لعُمان المعاصرة بفضل منهجيته الاجتماعية التي تولي اهتماماً بالتفاعلات وخطابات الفاعلين”
د.لوران بونفوا Laurent Bonnefoy
باحث في معهد العلوم السياسية في باريس
مؤلف كتاب اليمن والعالم
“يقدم هذا الكتاب تحليلًا مقنعًا ومتعدد الأبعاد لأمن الطاقة يتحدى السرديات التقليدية. من خلال تتبع تطور أمن الطاقة في عُمان؛ يكشف الكتاب عن الآلية التي تغير بها هذا المفهوم والتقارب بين السياسات والممارسات والخطابات التي جعلت لأمن الطاقة معنى وممارسة حقيقية. إنه عمل ضروري للباحثين وصنّاع السياسات وأي شخص مهتم بتقاطعات الطاقة والأمن والعلاقة بين الدولة والمجتمع خاصة في سياق الاقتصادات المعتمدة على النفط مثل عُمان”.
د. عائشة السريحي
باحثة في معهد الشرق الأوسط بجامعة سنغافورة الوطنية
ومعهد دول الخليج العربي في واشنطن
“تقوم الدكتورة لمياء حارب بتطوير تحليل منهجي لمفهوم أمن الطاقة في سلطنة عمان من خلال دراسة آراء الخبراء والمختصين كما تربط بين السياسات الداخلية والخارجية في ضوء رسمها لاستراتيجيات الطاقة وتحدياتها وانعكاساتها على الاقتصاد والمجتمع والسياسة. هذا كتاب يستحق القراءة”
أ.د عبدالله باعبود
أستاذ كرسي دولة قطر لدراسات المنطقة الإسلامية
بجامعة واسيدا – طوكيو اليابان

