الراحل على غير هدى “تحول الطلل إلى ثقب أسود”

لـ

الراحل على غير هدى

“تحول الطلل إلى ثقب أسود”

إبتسام الحجرية

إلى سلام الكندي

اعتذارا لرحلة على غير هدى

أَمسَت خَلاءً وَأَمسى أَهلُها اِحتَمَلوا

    أَخنى عَلَيها الَّذي أَخنى عَلى لُبَدِ

النابغة الذبياني

المقدمة:

تعتبر الحركة النقدية في سلطنة عمان من الحركات المثيرة للاهتمام فبالرغم من يُتم هذه الحركة لكنها مع ذلك تأتي ضمن مواضيع مدهشة، وأفكار لها رصانتها، ومنهجيتها التي تعمل وفقها، ومع ذلك تظل هذه التجارب تجارب يتيمة، وقليلة، من هذه التجارب تجربة “الراحل على غير هدى – شعر وفلسفة عرب ما قبل الإسلام” لسلام الكندي)1)، وفيه زاوج الكندي بين عدة مناهج نقدية هي: منهج الشك الديكارتي(2)، والمنهج البنيوي، والثيماتي، ويدرك المتلقي تأثير الفلسفة، وعلم النفس على الكاتب من خلال التحليل النفسي للشاعر الجاهلي، والفلسفة البادية في اللغة التي كتب بها كتابه، السبب الذي جعل الكتاب من الكتب صعبة التناول إلى حد ما، وقد ركز الكتاب على دراسة بنية وفلسفة المقدمة الطللية في القصيدة الجاهلية، ودواعي كتابة المقدمة الطللية، ورصد الحالة النفسية التي يكون عليها الشاعر بين زمنين: زمن ما قبل اكتشاف الطلل، وزمن اكتشاف الطلل، وحالة الانهيار التي يصاب بها الشاعر نتيجة تلك الصدمة.

وإن كان من ميزة لهذا الكتاب فهي الدهشة التي يطالعنا بها في قراءته للشعر الجاهلي فهو – الشعر الجاهلي – بالرغم من تقادم العهد عليه إلا أنه مازال يشكل مادة خصبة للنقاد المحدثين، وقدرته على التطوع للمناهج النقدية الحديثة، خاصة تلك المقدمة الطللية التي مازال النقاد يحاولون إيجاد رابط بينها، وبين الثيمة الأساسية، والغرض الأساسي للقصيدة، كذلك امتاز بلغته الفلسفية المتعمقة، إلى جانب التأصيل المرجعي إذ لم يعتمد على مترجمات الكتب الفلسفية، والنقدية بل استقاها من لغتها الأم.

إن الكندي في كتابه هذا يعيد قراءة المقدمة الطللية ضمن منظومة فكرية وسيناريو لخصه في

حضور الشاعر محملا بآماله، وشوقه، وذكرياته، ميمما شطر ديار المحبوبة – ينتج عن ذلك نصا شعريا يظهر عجز الكائن/الشاعر أمام خرس الطلل، وضبابية الذكرى، ومحاولات الشاعر المتكررة لاستنطاق الطلل،– كل ذلك من خلال تشريحه، وتفكيكه لكافة مكونات المكان، والذكرى، والمزاوجة بينها جميعا برؤيته، وفلسفته الخاصة التي يحاول بها بناء فهم مختلف، ووعي منطقي.

 

سيناريو الشاعر في صراعه مع الانتفاء والعدم:

 

1): أتى الشاعر للقاء مكان ــــــــــــ (بكاء الأطلال، وتذكر ديار المحبوبة).

2): أتى الشاعر للقاء امرأة ـــــــــــــــــــــــ (المرأة مجرد ظل وطيف فهي غير حاضرة، لا وجود لها في المشهد، بل مجرد ذكرى، مجرد صنم، إنها أيقونة).

3): لا يجد الشاعر أي شيء مما سعى إليه ــــــــــــــــ فهو يظهر، ويعبِّر عن نفسه أمام الطلل، ويتماهى مع الطلل ليجعل الطلل معبرا عنه ـــــــــــــــــــــــ يقارع الوهم.

4): الطلل مرآة الشاعرـــــــــــــــــــــــ الطلل يتحول إلى واقع، وحقيقة شاخصة أمام الشاعر ليعبر من خلاله عن حال المكان.

5): يختفي حضور الشاعر ليتخذ شكل الطلل ــــــــــــــــــــــــ يتماهى الشاعر مع الطلل ليصبح الطلل حاضرا، ويموت الشاعر.

6): يلتفت الشاعر من خلال الطلل إلى ذاته ــــــــــــــــــــــــ ليجد الفقد(3).

هكذا يرصد الكندي جمود الشاعر وتحولاته من التعبير والمشاركة إلى كائن أخرس ابتلعه طلل هو اقرب للثقب الأسود الذي يمتلك خاصية جذب الأشياء وابتلاعها، وكأن الطلل ابتلع من كانوا قد حلّوا في المكان، حيث يأتي الشاعر محملا بانفعالات مختلفة ومتضاربة، يهزه الشوق والأمل، ويرسم توقعات عالية تجاه محبوبة لها ما لها من ذكريات لديه، والشيء الوحيد الذي يراهن عليه تلك الصورة المشرقة المحفورة في ذاكرته لتلك المحبوبة: (بحر الطويل): يقول امرؤ القيس في معلقته:

قِفا نَبكِ مِن (ذِكرى) حَبيبٍ وَمَنزِلِ       بِسِقطِ اللِوى بَينَ الدَخولِ فَحَومَلِ

فهو يذكر مرابعها، والربيع الذي عايشه معها، وتلك اللقاءات المختلسة التي كانت بينهما، والحِيَل التي يحتالانها للقاء، والمغامرات التي كان يخوضها لأجل ذلك اللقاء، أثناء تلك الذكرى يُسقط الشاعر من حسابه عامل الزمن، وبُعد العهد بين فترة اللقاء، وفترة الذكرى المفضية إلى زيارة مرابع تلك المحبوبة، فالشاعر يذكر المكان بإشراقته، وحميميته، وكأن عوامل الزمن، والتعرية غير موجودة، يصل للمكان بعد لَأْيٍ، ومشقة إذ خريطة الطريق ليست هي التي اعتادتها قتوده، وحفظها عن ظهر قلب: يقول امرؤ القيس: (بحر الطويل):

فَتوضِحَ فَالمِقراةِ لَم (يَعفُ رَسمُها)       لِما نَسَجَتها مِن (جَنوبٍ وَشَمأَل)

فكان هذا التغيير أول الصدمات التي يُمنَى بها الشاعر في رحلته، ثم ينتقل إلى حالة الهلع على محبوبته، متسائلا عن مكانها، ومنازلها بعد أن وجد الرسوم، والأطلال التي تفضي إلى أحد احتمالين: 1): وهم الذكرى: وهذا يسلمه إلى الشك بأن ذكرياته أقرب لحلم اليقظة، وبأن ما عاشه لم يكن إلا حياة وهمية تشكلت في ذهنه فقط ولا علاقة لها بواقعه، أو 2): حقيقتها مقابل الواقع الذي يراه أمامه ممثلا في الطلل، هذا الواقع الذي يربكه فهو أ): أمام ثقته بواقعية الذكرى، وحقيقية المحبوبة/الأنثى التي كان يقابلها في تلك المرابع، وبين ب): الخراب الذي يراه بعينه، ذلك الذي يحيل إلى الموت، والزوال، وهو ما يدل على أن المكان يفتقد لأي شكل من أشكال الحياة، مما يجعله بين المحو والخلق.

يحاول الشاعر وقتها استنطاق الطلل ومحاولة فهم ما يجري، فلا يجد جوابا إلا الخرس، والصمت.

يقول النابغة الذبياني في معلقته: (بحر البسيط):

(وَقَفتُ فيها أُصَيلاناً أُسائِلُها)       (عَيَّت جَواباً)، (وَما بِالرَبعِ مِن أَحَدِ)

فالنابغة هنا يرسم حالة الشاعر أثناء وقوفه بالطلل، وحالة الارتباك التي يعانيها من جراء الموات الذي يجده في المكان الذي اعتاد حياته، فهو “حائر بين ماضيه العذب، وحاضره، ومستقبله المجهول(4)”، كذلك يصور محاولة الشاعر المستميتة في استنطاق الطلل، ومحاولة فهم الذي حدث للمكان، والصدمة التي تعتريه إزاء غياب الجواب، وعدم وجود من يخبره بما حل بالمكان.

هكذا يرسم الكندي الطلل كمكان فيزيائي في كتابه “الراحل على غير هدى – شعر وفلسفة عرب ما قبل الإسلام”، فهو يرسم صورة الطلل كما رسمه الشاعر الجاهلي، واقتصر على المقدمة الطللية في القصيدة الجاهلية حيث حدد الثيمات الكبرى في القصيدة الجاهلية بما يلي:

1): وصول الشاعر إلى مضارب المحبوبة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وتلك المضارب هي آثار بائدة خرساء.

2): السفر وحيدا ـــــــــ ترافقه ناقته ــــــــــ يهيم دون اتجاه في الصحراء ـــــــــــــــــــ (إذ يصف هنا رحلة على غير هدى).

الحيوانات التي يصفها “الناقة والحمار والضواري”ـــــــــــــــــــــــ لا يوجد إنسان في الرحلة.

3): التغني بأمجاد القبيلة ـــــــــــــــــــــ مفهوم الشرف عند قبيلته والكرم ــــــــــــــــــــــ الإعلان عند استعداده للقتال من أجل القبيلة.

ويلاحظ أن رثاء الشاعر وبكاءه على الطلل، وحالة الفقد التي تعتريه، وتجعله منكسرا محطما ما هو إلا رثاء للذات، في أسوأ حالاتها، فهو يقف أمام الطلل، وما وقوفه أمام الطلل إلا رسم لتصوره للعالم(5).

لذلك عندما يظهر الطلل في مقدمة القصيدة الجاهلية، فإنه يجعلها تستقر في عمق الضياع، لأن الطلل كان قد امَّحى، ولا يفتأ الشاعر العربي يلتفت إلى الفناء (الديار والمرأة)، وهؤلاء قد ظعنوا وضاعوا(6).

ويؤكد “فالتر براونه” في مقاله “الوجودية في الجاهلية” على هذه الفكرة إذ يرى: “أن ترداد عبارات مثل: عفت الديار، ودرست الدمن وغيرها من العبارات الدالة على الطلل هذا الترداد ينم عن مواجهة دائمة مع الفناء، وإذ تشتمل المقدمات الطللية على ذكر هذه الأحوال مع ذكر الحبيبة النائية، فإنه ببينها يعلن خوفه من تماثل حياته مع الديار التي تخيم عليها تجربة التناهي المحقق(7)”. وبذلك يظل الشاعر منذورا للغياب، والخوف من التماثل في المصير، والامحاء، ويبدو أن هذا الخوف المحيط بالجاهلي، والذي يكشر به الطلل عن أنيابه هو رسول الموت، ورسول اللعنات التي تصيب من يهيمون في الصحراء على غير هدى – أقول إن هذا-  في حد ذاته يجعل المقدمة الطللية مقدمة انفعالية، وبائسة، ومستغرقة في الأطياف التي لا نسمع إلا هسيسها في قصيدة الشاعر، وكأنه بها يجابه موتا لا يراه غيره فيعيد الحياة للطلل بالحياة، وبالذكرى التي تجعله يبث الحياة في الظاعنين/الموتى مراقبا تحركاتهم مستمعا لضحكاتهم ليمحي الموات الحي، والماثل أمامه لكنه يستسلم شيئا فشيئا ليغرق هو نفسه في شرك الطلل، كما فعل الأعشى في معلقته وفعل امرئ القيس وغيرهم من شعراء المعلقات، فالأعشى في معلقته، يلعب دور تلفزيون الواقع في عصرنا هذا؛ إذ يرصد تحركات “هريرة”، ويتتبعها كظلها واصفا شكلها، وتحركها في بيتها حتى في أشد لحظاتها حميمية، وحياتها الاجتماعية لكنه يعود أخرى للموات المتمثل في الواقع، يقول: (بحر البسيط):

وَدِّع هُرَيرَةَ إِنَّ الرَكبَ مُرتَحِلُ       وَهَل تُطيقُ وَداعاً أَيُّها الرَجُلُ

والموات هنا يبدو في مطلع القصيدة/المعلقة فهو يبدأ بالوداع باستخدام تقنية “الفلاش باك”، ليعود أدراجه إلى الذكرى.

الشاعر الجاهلي منذور للغياب:

يرى الكندي في “الراحل على غير هدى” أن الشاعر الجاهلي كائن تائه، فهو في حالة بحث دائم عن شيء ما، عن ديار ألفها، وامرأة أحبها لكن الديار عفت، والمرأة ظعنت، وهذا الإنسان التائه “يدور في حلقة مفرغة إذ كل مكان يهرب إليه يفضي إلى مكان آخر أشد فراغا، وكأنه ثقب أسود، وبالتالي يتصالح مع الطلل ليركن إلى الشقاء(8)” وبذلك يكون الشاعر الجاهلي “مسلوب الطمأنينة، منذور للعتمة، مقذوف به في استحالة الهروب من الطلل، فهو كلما أراد المضي قدما وجد نفسه على نفس الأرض الموحشة، فهو لا يذهب إلى أي مكان آخر فيقول لسان حاله: كلما واجهت الطلل/أعرب الغياب الممهور به عن نفسه غيابا لأي تجاوز(9)”.

الزمن في القصيدة الجاهلية:

إن الزمن المسجل في القصيدة الجاهلية هو زمن فَقْد لماض، ملاحظ من طرف حاضر ليس له في ذاته شيء يقوله أكثر من هذا الفقد.

وقد أخذ الزمن أبعاده الواضحة وتحولاته في الوقوف بالأطلال:

1): الوقوف = الأسى: (الزمن الأول).

2): الوقوف = الشاعر فريسة التيه: (الزمن الثاني).

3): الوقوف = الشاعر منذور للغياب ومنخور به، والشاعر لا يجد ذاته: (الزمن الثالث)(10).

4): التحول المزدوج: عودة كينونة الأشياء، ورجوع كينونة الجاهلي(11)

كل هذه الأزمنة، وتلك التحولات تبين عجز الجاهلي في التعبير عن ذاته، واستغراقه في الأسى شيئا فشيئا.

نلاحظ هنا أن الحاضر المخدوش بالطلل ليس أي شيء آخر غير ملفوظ الفقد (الحاضر هو ملاحظة كون الماضي ماضٍ، ومن المستقبل – إن ذكر- ليس ثمة شيء ينتظر غير تعزيز، وتكرار هذا المعنى)(12).

وبذلك لازمن للجاهلي إلا الماضي لأن الحاضر في ذاته لا وجود له فهو في منطقة تجمد للزمن تجعله عاجزا عن التحرر من هذه المنطقة، وتسلمه للماضي، وتشل تفكيره عن اللحظة الراهنة، وكأنه لا يعي الراهن إلا راهن الطلل الذي يمهر به ليذوب فيه، ويختفي.

المرأة بين الحضور والغياب:

تواجهنا المعلقات والقصائد الجاهلية منذ مطالعها بحديث عن المرأة الظاعنة، والتوله الذي يعانيه الشاعر من غيابها، وذكرياته معها، ومغامراته للوصول إلى مضارب عشيرتها، ومخاطرته بحياته ليحصل منها على وصل، أو أقل من ذلك، ومع ذلك نجد كما رسم الكندي ولاحظ أن من المدهش أن هذه المرأة في النهاية ليست سوى طيف إذ لا وجود فعلي لها في القصيدة العربية ولا حضور إنها مجرد شبح في مخيلة الشاعر لذلك يضيع الكائن الجاهلي  في ملاحقة كائن أكثر امتلاء لكنه مفقود، ولم يكف يوما عن أن يفقد فالكائن الحقيقي لا يوجد إلا في صيغة ماض مستمر(13). وإذا كان البكاء على الأطلال يدل على زمن طويل، جامد، وعلى حاضر يظل متشبثا بما لم يعد سوى ماضٍ، ماضٍ هارب، فإن هذا الماضي من جهته (ماضي المغامرة التي يمكننا مؤقتا نعتها بالغرامية) يبدو أنه لم يكن إلا زمنا قصيرا، زمن تتابع لقاءات عارضة(14)، والحب فيه ليس سوى متعة، غير أن فقد هذه اللحظة هو ما يتحول إلى ضيق ممض وقاسٍ كل ما تبقى من العمر(15)، فالمرأة هنا لا تبدي أية مشاركة في القصيدة الجاهلية، إذ تبدو ككائن باهت بمعنى لا تعرف القصائد في المرأة إلا الشيء الفاني الذي تشكله بالنسبة للرجل، وتجهل ما يشكله الرجل بالمقابل بالنسبة إليها(16)، وهي الخيبة لبعدها عن المتناول(17).

وبذلك يعلن الكندي أن المرأة في القصيدة الجاهلية ما هي إلا طيف هذا الطيف بمثابة الحلم الذي لا يمكن القبض عليه، بالرغم من أن معلقة كمعلقة امرئ القيس وصفت بإسهاب حادثة “دارة جلجل”، لكن المرأة وقت مخاطبة الطلل تتحول إلى طلل آخر أكثر خرسا وشراسة.

ومع ذلك يأتي الشاعر طالبا الحب، ووصل الرباط المقطوع، والرباط هنا ينقطع لأن الآخر لا يبدي تجاوبا مع مطالبه:

1): فالطلل كناية الطلب، يلتمس الشاعر الحوار من الطلل، وهو طلب إلى الظاعنة (المرأة).

2): يطلب الشاعر الحب، إن القصيدة الجاهلية: 1): ترجح كفة فعل الحب على المتعة، 2): الشهوة فيها فظة وخالصة وجنسية. والحب المطلوب من المرأة بذلك هو طلب مطلق لا يخضع للشروط.

3): المرأة ظاعنة، تترك الشاعر للغته.

4):بالرغم من رحيل المرأة إلا أنها حاضرة فهي التي تؤثث المشهد في المقدمة الطللية/ وبذلك يبدو الرجل (الشاعر) متطلبا.

5): يطلب الشاعر الجاهلي الحب ولا يجد إشباعا ولا تلبية له، وبذلك تبقى فجوة بين كينونة الرجل، وكينونة المرأة متمثلة في عدم تلبية الطلب.

6): عدم وضوح الطلب أدى إلى عدم القدرة إشباعه.

7): يطلب الشاعر: 1): الرابط من خلال أن يُحب دون قيد أو تنازلات. 2): يعرض الحب نفسه للخطر من خلال المواعيد المتكررة، والاختفاء الدائم للمرأة(18).

يصل الشاعر إلى قناعة بأن”عجز الكائن لهو أوج عجزه أن يكونا معا “هو ومحبوبته”(19).

وبذلك يستسلم الشاعر لخرس الطلل ليبتلعه الطلل، ويخرسا معا فلا يعود الشاعر.

اختلاف المفاهيم بين الإسلام وقبل الإسلام:

في الفصل الأخير من كتاب “الراحل على غير هدى”، أراد الكندي مرفأ للراحلين على غير هدى فأنطق خرس الطلل، وأخرج الشاعر الجاهلي من ابتلاع الثقب الأسود؛ ليكون في جنان أكثر رحابة، وفتح له خيارات الحرية، والتحرر من الأطياف، فعقد مقارنة بين مفاهيم الطلل، والزمن، وتغيرات هذه المفاهيم في القصيدة العربية بعد ظهور الإسلام الذي جعل نظرة الشعراء الوجودية أكثر تفاؤلا، وأكثر مقصدية:

المفهوم

ما قبل الإسلام

ما بعد الإسلام

الطلل

شاهد على الفقد – تشاؤمي

لا يوجد طلل، وصعد نحو الخير، لا يعود الطلل بل الله وحده الظاهر

الزمن

–         سند الضياع.

–         عامل الخيبة.

–         مفتاح التشاؤم.

–         الماضي انفلات اللحظة الآفلة.

–         الدهر هو الله.

–         ظهر القدر والإيمان به.

–         الزمن خطي.

–         لا أهمية للماضي فالتاريخ يبدأ بنزول الوحي.

–         الأهمية للمستقبل.

وهو بذلك يظهر أن الإسلام أعطى للأفعال معنى عند الشعراء، وكذلك أصبح ارتباط الشعراء، وهو هنا يتحدث بشكل خاص عن المتصوفين، وحركة المتصوفين الشعراء، وأن ارتباطهم أصبح بمحبوب أسمى لا يسلمهم إلى الصمت بل أصبحت لهم لغتهم التي يخاطبونه بها، ووسائلهم التي يتصلون به من خلالها.

دليل لقراءة الكتاب:

ويبدو لي من خلال التجربة الشخصية مع الكتاب أن أفضل وسيلة لقراءته هي البدء بمقدمة الفيلسوف آلان باديو وتوطئة المؤلف؛ لأنها بمثابة منهجية الكتاب وفلسفته، والتوطئة الخاصة بحضارة العرب، ثم الانتقال مباشرة إلى الفصل الأخير من الكتاب، يليه الانتقال للفصل الأول، والانتهاء بالفصل الثاني فهذه الإستراتيجية ستسهل على المتلقي عقد المقارنات والربط بين المفاهيم والقبض على المنظومة الخطابية والمفاهيمية لهذا الكتاب.

أخيرا…..

ما أراده سلام الكندي في الراحل على غير هدى أن المكان ابتلع الكائن، وأن هذا المكان فرض نوعا من الكآبة، وصناعة الوهم، وحلم اليقظة، إذ البكاء على الأطلال هو حلم يقظة لا يلبث الشاعر أن يصحو منه، وبالتالي فإنه يجد نفسه إزاء حياة كاذبة أشبه بالوهم الذي لا يمكن مطلقا أن يكون موجودا على الأرض؛ لأن كل ذلك الجمال، وتلك الحياة المبثوثة في القصيدة الجاهلية ما كانت لتكون واقعا، وكأن الواقع عاجز عن الإتيان بكل تلك الحياة المبثوثة في ذلك الموات.

جعل سلام الكندي المكان بمثابة ثقب أسود(20) يلتهم كل شيء (الكائن وحياته وكل ما حوله)، ليعيش برودة ومواتا لا خلاص له منه، ويرحل ضمن ثقب دودي(21) محركا الزمن، والمكان بلغة اختلفت عن ثقب الجاهلية إلى عوالم رحبة عندما انتقل إلى الأدب الإسلامي.

الهوامش:

[1] الكندي، سلام، الراحل على غير هدى – شعر وفلسفة عرب ما قبل الإسلام، ترجمة: محمد بنعبود، منشورات الجمل: ألمانيا، الطبعة الأولى: 2008.

2 القواعد الأربع للمنهج الديكارتي: 1): قاعدة اليقين: بمعنى أنه لا يوجد شيء بديهي ومسلَّم به مطلقا، 2): قاعدة التحليل: تحليل المشكلة لأجزاء بسيطة تساعد على فهمها وإيجاد حلول ممكنة، 3): قاعدة التأليف أو التركيب: هي التفكير بشكل منظم، والبدء بأبسط الأمور، 4): قاعدة الاستقراء التام أو الإحصاء أو التحقيق: بعد حل المشكلة يجب القيام بإحصاءات للتأكد من النتائج.

من كتاب: ديكارت، رينيه، مقال عن المنهج، ترجمة: محمود محمد الخضيري، دار الكاتب العربي: القاهرة، الطبعة الثانية، 1968، ص:95- 98

3 الراحل على غير هدى، ص: 38-39

4 الفيومي، سعيد محمد، فلسفة المكان في المقدمة الطللية في الشعر الجاهلي، مجلة الجامعة الإسلامية “سلسلة الدراسات الإنسانية”، المجلد: 15، العدد: 2، يونيه: 2007، ص:246

5 الراحل على غير هدى، ص:35

6 الراحل على غير هدى، ص:35-36

7 كموني، سعد حسن، الطلل في النص العربي- دراسة في الظاهرة الطللية مظهرا للرؤية العربية، دار المنتخب العربي: بيروت، الطبعة الأولى: 1999 ، ص:29

8 الراحل على غير هدى، ص: 44-49

9 الراحل على غير هدى، ص: 44-49

10 الراحل على غير هدى، ص: 129-130

11 الراحل على غير هدى، ص:132

12 الراحل على غير هدى، ص: 53

13 الراحل على غير هدى، ص:69

14 الراحل على غير هدى، ص: 77

16 الراحل على غير هدى، ص:81

16 الراحل على غير هدى، ص:83

17 الراحل على غير هدى، ص:89

18 الراحل على غير هدى، ص: 138- 150

19 الراحل على غير هدى، ص:138-150

20 “black hole”، “إن النجوم تولد وتموت، فماذا يحدث عندما تموت النجوم؟، وتؤكد إحدى التوقعات المثيرة في النظرية النسبية العامة لأينشتاين على وجود ما يسمى الثقوب السوداء فعندما يموت النجم تنهار مادته، وتنطوي وتنكمش وتتراص، فيصبح أصغر من حجمه الأصلي بملايين المرات، أي أن الفراغ في مادته يقل كثيرا وتتجمع المادة مع بعضها، وهذا يجعل قوى الجاذبية، تزداد زيادة

02 هو ممر افتراضي للسفر عبر الزمن، وذلك عبر طريق مختصر خلال الزمكان، والنظرية الكاملة تشتمل على ثقب أسود وثقب أبيض وكونان أو زمانان يربط بين أفق كل منهما نفق دودي أو ثقب دودي.

0 2273 27 سبتمبر, 2011 العدد السابع عشر, ثقافة وفكر سبتمبر 27, 2011

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.