السلطة والمثقف والسياسية

لـ

في هذا الشرق، تتداخل المعاني والتعريفات والمفاهيم، كما يتداخل كل شيء لنخرج بمشهد مكتمل للفوضى يواضب على أخراجه جميع الأعضاء في حلقتي السياسة السلطة.

عبدالرحمن منيف حين أشار في كتابه بين الثقافة والسياسية إلى أن المثقف هو شريك أساسي للسلطة  والسياسة في قراءة الواقع واختراع الحلول الملائمة، كان يشير إشارة مطلقة إلى ما ينبغي عمله وما ينبغي فهمه عن المثقف، ف حين تأتي المؤسسة السياسية وتقوم بتصنيف المثقف ندٍ لها أو للسلطة، فهي عملياً تدير عملية تخلف ورجعية مطلقة، أي أنها تحرز تقدما للخلف للأسف دون أن تترك حسابات دقيقة تدفع بها نحو رؤية أفضل وأبهى وأسمى وأرقى.

حين رغِب المثقف هنا المشاركة في التعبير عن الواقع، وقراءة الملفات المعلقة وتمريرها للشارع بهدف التعريف بالأخطاء والخلل المصاحب للعمل المؤسسي أو البيروقراطي، وإيجاد الحلول أو على الأقل المشاركة في اختراعها، لم تتح له الدولة ما أراده، بل مارست عليه ذكائها الأمني الحاد، حيث أنها قدمت نصف تنازل حيث أدخلت المثقف كشريك في المؤسسة السياسية ولكنها لم تدخل الثقافة بل المثقف، ومن ثم تقوم بأدلجة هذا المثقف وفق نسق معين من الأفكار والواقع ومن ثم تقوم بتعزيز دور هذا المثقف في المسار السياسي حتى تنسيه الثقافة بمفهومها الحقيقي، وتحوله مع مرور الأيام قطعة نقد يراد بها العبور من ضفة الثقافة إلى ضفة السلطة، ومن الأدلجة التي تمارس عليه حيث يتم تلقينه أن السلطة غاية لا مفر منها، وهنا تحرص السلطة السياسية والأمنية معا على تلميع هذا المثقف المؤدلج وإدخاله في نفق السلطة والسياسة معاً، ولكنها في الوقت نفسه تمارس كل وسائلها التسويقية في ترويج هذا المثقف كنموذج حقيقي للمثقفين وليس للثقافة، لأنه ببساطة الثقافة لا تقوم على الثوابت، لأن الثقافة هي التطور اليومي للأفكار والمعرفة، والمعرفة والأفكار كل بدوره متجدد ومتحول وفقا لرؤانا وقراءاتنا اليومية المتجددة. ولكن السلطة تحاول تكريس مفهوم الثقافة وفقا لما تراه هي مناسبا ووفقا لما لا يتعارض مع رؤيتها ومصالحها أمام الواقع وليس أمام المستقبل.

السلطة تُدرك جيدا أن دور المثقف الحقيقي لا يقف عند نهاية معينة، ولا يحدده الكم ولا النوع، فالثقافة بمفهومها الحديث متدفقة بكم غير منتهي، وبفضل التقدم الذي حققه الغرب في الإتصال والتواصل، أي أنه أصبح انتقال فكرة ما من أمريكا إلى عُمان ممكنا في غضون ثوانٍ، ولكن لا يمكن أن نقيس المثل بانتقال فكرة من عُمان إلى أمريكا، لأنه ببساطة الجمود الذي أصاب الثقافة ورعاتها والمواظبين عليها والمتشدقين بها عطل التجدد والتحول، فحين أُقحِم المثقف كشريك للسياسة، مارست عليه السياسة دور التعليب  والأدلجة، حتى أقنعت هذا المثقف بنوع الكتب التي تلائمه وكمية القارئات التي تتناسق مع احتياجه، دون أن يشعر هذا المثقف المترهل أن الثقافة وعاء لا يمتليء، وأصبح المثقف هو ذلك الذي يملك مجموعة من الأراض في القرم ومدن الإعلام متعددة الاستعمالات، وأصبح مصب للمال الذي تغدقه الدولة عليه تحت بند مساعدة المثقف باسم الفضل، وأصبح المثقف هو الإناء الذي تفرغ فيه الدولة إفرازاتها المُخدرة، فأي فكرة أو ثقافة نحن بصدد ترويجها وتمريرها لأمريكا مثلا؟ أي فكرة ستكون مدهشة للغرب؟ وأي مثقف وثقافة يا ترى غير ثقافة السلطة ؟  أي شيء نتوقعه من مثقفي السلطة حين تدار تحركاتهم بشعارات خمس نجوم وأكثر ؟

“الثقافة هي صناعة المستقبل”  ولكن حين نطبطب على مجتمع مثل عُمان، عن أي ثقافة سأتحدث؟ لا توجد ثقافة محددة، فحين نقول أن الثقافة هي صناعة المستقبل، أقصد صناعة المستبقل بكل مجالاته ابتداء من الأرض وبدون انتهاء حتى تشمل كل ما عليها وما تحتها، ولكن هنا ما الذي نساوم عليه للمستقبل؟ وما هي الثقافات الموجودة التي نستطيع أن نتفق على انتظامها ورقيها ؟ نحن لسنا بقادرين على صنع معرفة تنقلنا سنة ضوئية للغد، ووفقا لرأيي فالنهضة هنا تحتاج إلى نهضة أخرى، والنهضة القادمة لا بد من بنائها وفقا لمقاييس وضوابط تحدد المهمة والرؤية، وثقافة الفوضى الحيالية التي تجد طابعها في كل شيء، يجب ان نتجاوزها وخصوصا فوضى التعليم، هذا الفوضى التي كسرت أجنحة التقدم و المعرفة، ولا أدري هل اختارت الدولة سياسة التجهيل أم أن تردي التعليم هو فقط وليد فوضى منظمة أم أنه عشوائية منظمة.

ثقافة التقاليد على سبيل المثال، قامت بعض الدول الجوار بتنمية الثقافة التقليدية المستوردة، ومن ثم تنميتها وتسويقها، وبعد ذلك أصبحت معرفة متاحة، هذه المعرفة تطورت مع الوقت حتى أصبحت عُرف من مجموعة أعراف محلية صاحبها اعتراف إعلامي، ونحن نتفرج متنازلين عن الكثير منتظرين دور المثقف في المثول والوقوف أما هذا الواقع اونتشاله للأعلى، ولكن ما تقوم به الدولة اتجاه المثقف هو ترحيل لمجموعات كثيرة من الأزمات للأمام، وهذا الترحيل يوما ما سينتج عنه كارثة أستطيع تصور شكلها خصوص بعد ظهور ثقافة الإحتاج العشوائي.

خلاصة لأعلاه أود أن أقول أنه يبدو هنالك اتفاق مسبق للسلطة والسياسة على أدلجة النسق والصورة النمطية للمثقف وليس الثقافة، وجعل حبل المثقف مليء بالعقد، حتى لا يخرج للساحة أناس من الممكن أن يقوموا بتنظيم فكرة معينة لها أتباع وجماهير، وبالتالي هذه الفكرة ستسيطر على أغلبية، وهذه الأغلبية ستشكل ضيرا على السلطة بكل تبعياتها، وربما هذه الأغلبية ستُكشف عن عورات ستر الله عليها “وعلى القطة بالذيل”. وخوف السلطة السياسة المطلق من الثقافة والمثقفين الحقيقين إنما هو انعكاس حقيقي لإدراك السلطة والسلطة السياسة أن كلاهما لم يعودا مقنعين للشارع، والشارع يزداد احتراقه واشتعاله بمجرد وصول فكرة جديدة، والمثقف أصبح في موقف أقرب/أصدق فيه للجماهير وأكثر قدرة على اقناعهم، ولكن ما أن يصل المثقف إلى هذه المرحلة، طبعي جدا أن يُصادر فكره في سوق المراسيم.

0 1619 28 سبتمبر, 2011 العدد السابع عشر, ثقافة وفكر سبتمبر 28, 2011

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.